عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

الاستراتيجية الأمريكية ومستقبل المنطقة العربية . . ! محمد ح. الحاج طباعة ارسال لصديق
الاثنين, 11 شباط 2008
white_house_usa.jpg  

لا شك أن تركيز السياسة الخارجية الأمريكية ينصب على منطقة المشرق العربي بالدرجة الأولى فيما يسمى " الشرق الأوسط " وليس بنفس الأهمية على المناطق الأخرى مثل إيران وشرقها ، أو دول العالم العربي وجوارها في أفريقيا، إلا بالقدر الذي تقترب فيه هذه الدول بسياساتها حد العداء للسياسة الأمريكية التي تتبنى وبالمطلق نظرية "الأمن الإسرائيلي" والتي لا يمكن القبول بخرقها أو تبديل أي من عناصر تكوينها بحسب النظرة الصهيونية. السياسة الخارجية الأمريكية، تحكمها وتتحكم بتفاصيلها مجموعة من الثوابت عملت على صياغتها وترسيخها مجموعات صهيونية، أو متصهينة داعمة للدولة الصهيونية ضمن مراكز القرار الأمريكية، وقد بلغت هذه الأسس حد الثبات، وعدم القابلية لأي تطوير أو تغيير، وبالتالي يرى الكثيرون من المحللين والمتابعين للسياسة الأمريكية عبر سنوات طويلة أن فقدان الأمل في التغيير أمر مشروع ومبرر وبالتالي يقتضي من الدول المعنية صاحبة العلاقة، المستهدفة، إما المحافظة على مواقفها المبدئية كما في حال سورية، ولبنان، أو إعادة النظر في طرق تعاملها مع السياسة الأمريكية، كما في حال كل من مصر والأردن، الدولتان اللتان وقعتا ، تحت الضغوط الأمريكية اتفاقات اعتراف، وتسليم مع دولة الاغتصاب دون أن تحصل أي من الدولتين على ما يحفظ حقوقهما في أراضيهما أو حدودهما الحقيقية، أو حتى السعودية التي ارتبطت بعجلة السياسة الأمريكية ردحاً طويلاً من الزمن،  ويبقى أن أسس التعامل من قبل مصر والأردن، يعتمد على تحديد حدود الدولة الغاصبة - الطرف الآخر في الاتفاقيات، والتي يرفض قادتها على اختلاف انتماءاتهم، العمالية أو الليكودية أن يحددوا حدوداً نهائية لدولتهم، بل يصرح أغلبهم بأن الحدود النهائية هي كل مكان تصل إليه أقدام ما يسمى: "بجيش الدفاع الإسرائيلي" ( ربما استناداً إلى الخريطة المنشورة في أمريكا وتتضمن ما بين الفرات والنيل ) وفي الآن ذاته لم تكلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة نفسها عناء التصدي لهذا الموضوع، لأن أحداً من المعنيين في القيادات العربية صاحبة العلاقة لم يتجرأ على المطالبة ، أو إثارة هذا الأمر، وربما يعتبر كل منهم نفسه غير معني به، بل يتركه " للأجيال القادمة" !!. إنه لإرث ثقيل .. حقاً !.

        كثيراً ما تصدى كتاب ومحللون سياسيون من شتى أنحاء العالم، ومن عالمنا العربي ، لدراسة وتحليل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم، كله، وبعضها تجاه العالم العربي، البعض وصفها بالعدائية، والبعض وصفها بأنها مستهترة  بالحقوق المشروعة للشعوب، وأنها تحتقر هذه الشعوب وخاصة الضعيفة منها، الغير قادرة على الدفاع عن نفسها، وعن حقوقها، والبعض وصفها بالواقعية !!.. وأنها تعمل على إنصاف الكثير من البشر ..! لكن ، أصدق من يمكنه الوصول إلى الحقيقة، هو من يكون في داخل مراكز صنع القرار، وكواليس ودهاليز البيت،  بل إنه أحد أصحاب البيت، وقراءة متأنية لما كتب وقال، تقودنا إلى الحقيقة، أو شبه الحقيقة المطلقة، فهو لا يمكن أن يكون معادياً لبلده، ودولته، ولا يمكن أن يكون متآمراً، أو عميلاً عربياً،  وما تعودنا أن يكون لنا عملاء، مع الأسف الشديد، لكننا لا نعدم أن نسمع صوتاً مؤيداً،  لا زال ضميره حياً، وينظر إلى الآخر نظرة إنسانية ، تختلف عن النظرة الأمريكية إلى الحقوق الإنسانية التي لا تخرج عن إطار الحقوق المخصصة للأنصار والأتباع، والدائرين في الفلك الأمريكي ، هذا المحلل هو البروفسور ستيفن زونس - الأستاذ في جامعة سان فرانسيسكو، وقد كتب تحليله عن السياسة الخارجية الأمريكية أواخر العام 2001 وبعد فترة من أحداث أيلول  في نيويورك ، تحت عنوان: عشرة أمور يجب معرفتها عن السياسة الخارجية الأمريكية في " الشرق الأوسط " . ويمكن اعتبارها ثوابت في هذه السياسة تجاه ما يشكل حقيقة- المشرق العربي - المنطقة المستهدفة بالأطماع الصهيونية ، وتطال بلاد الشام، والعراق، وشمال السعودية والكويت، وشرق نيل مصر ، وهنا يمكن للقارئ المتبصر إدراك حقيقة ما يقول الكاتب المذكور بمقارنته مع واقع وسلوك الحكومات الأمريكية المتعاقبة، ومن ثم الانتقال إلى التفكير واستلهام السلوك الواجب والضروري للرد على هذه السياسة واستهدافاتها، والدفع بها إلى الفشل ، لأن الحفاظ على الكينونة والوجود أمر لا ينكره علينا حتى بعض من قادة العدو ( راجع أقوال بن غوريون الواردة في كتاب - التناقض اليهودي - لناحوم غولدمان - ص 121 - 122) نقلاً عن الزميل تحسين حلبي - المحرر العربي- العدد 413 ، بل ربما يستغرب هذا البعض صمت الكثير من حكامنا، وقادتنا وعزوفهم عن عملية الصراع، والجنوح إلى الاستسلام لإرادة هذا العدو واستجداء السلم ، بل التسليم له بما يملي ويفرض .

        من السهل الحصول على المقال الأصلي للبروفسور زونس على صفحات الانترنت - وأما استعراض وترجمة ما كتبه كاملاً فليس ضرورياً، بل سيكون التركيز على الخطوط العريضة والعناصر الأساسية والهامة في مقالته، خصوصاً وأنه أستاذ العلوم السياسية ورئيس برنامج دراسات العدالة والسلام في جامعة سان فرانسيسكو، ومحلل سياسي لشؤون الشرق الأوسط ، كما يشارك في نشرة السياسة الخارجية الأمريكية تحت المجهر .

          يعدد البروفسور زونس ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية فيقول :

1 -    مساندة الولايات المتحدة ودعمها للاحتلال الإسرائيلي خلق امتعاضاً واسعاً في

 منطقة  "الشرق الأوسط"

        لقد أصبح معلوماً لدى قادة المنطقة، وأيضاً شعوبها بأن "إسرائيل" باقية ومستمرة حتى تصبح جزءاً من المنطقة، معتمَدَة كدولة خالصة لليهود، وعلى كل حال ، فإن الولايات المتحدة مستمرة في دعمها السياسي والمالي والعسكري لاحتلال إسرائيل وسياستها في المنطقة.

        العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية فريدة من نوعها . تشكل "إسرائيل" جزءاً من واحد من ألف من تعداد سكان العالم ، وتحتل المرتبة السادسة عشرة من حيث الدخل ، وتتلقى حوالي 40% من إجمالي المساعدات الخارجية الأمريكية المخصصة للعالم كله، وقد بلغ متوسط المساعدات السنوية في السنوات الأخيرة حوالي 3,5  بليون دولار، مع إضافة بليون آخر من مصادر مختلفة ، ويدعم الحقوق الإسرائيلية مجموعة الديمقراطيين الليبراليين بشكل أساسي، كما أن هناك توجهاً شعبياً عاماً لدعم هذه الحقوق وضمانها من قبل الحكومة الأمريكية ، كما أن هناك نشاط متواصل لضمانة هذه المساعدات من قبل المكاتب التي تتحكم بالمفاتيح الانتخابية الصهيونية ، وعلى أية حال فليس هناك مطالبة بتخفيض هذه المساعدات في المستقبل المنظور ، وأما بشكل عام وتقريبي فإن كل المساعدات الأمريكية لإسرائيل تعود إلى الولايات المتحدة ، إما عن طريق اختيار وشراء الأسلحة الأمريكية، أو كإيداعات في البنوك الأمريكية يتم ادخارها لحين الحاجة .

        بالرغم من التعاون الاستراتيجي الوثيق الذي قام بعد حرب الخليج ما بين الولايات المتحدة ودول المنطقة، فإن المنافع الإسرائيلية لم تتأثر ، وربما حصلت على منافع على هامش تلك العلاقات  حيث تمتعت باستقرار سياسي ، وتدريب عسكري عالي ، وتقدم تقني أتاح لها تأهيل مصادر الثروات البشرية والصناعية.

        وبالرغم أيضاً من محاولة الولايات المتحدة تطويق الاجراءات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ، فإن شريحة واسعة من الأمريكيين تقف إلى جانب وجهة النظر الإسرائيلية،  وتضمن سياسة الإدارة الأمريكية نجاح الحكومات الإسرائيلية على مدى السنوات ، وعلى كل حال فإن هذا يظهر نجاح "إسرائيل في تحقيق المصالح الأمريكية في منطقة "الشرق الأوسط" وما حولها ، وفعلاً فإن 99% من مجمل المساعدات الأمريكية لإسرائيل قد تحققت بعد حرب1967  عندما أثبتت "إسرائيل أنها أكثر قوة من تجمع الدول التي تجاورها،  واحتلت أراضي مئات الآلاف من الفلسطينيين وغيرهم من العرب ، إن الكثير من حركات السلام الإسرائيلية تعتقد بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل لإفشال جهودهم ولا ترغب بأن تغير حكوماتهم سياستها في هذا المجال، وأن الأمن الإسرائيلي، والحقوق الفلسطينية المشروعة أمران يتناقضان، ومعالجة ذلك يعتمد على الآخرين كما تعتقد الولايات المتحدة .

        إن استمرار المساعدات الأمريكية ، العسكرية والسياسية والاقتصادية لحكومات "إسرائيل" تدفع بها إلى انتهاج سياسات العنف تجاه الفلسطينيين والعرب ، وخرق حقوق الإنسان ، وتجاوز القانون الدولي ، وليس هناك أمل في أن تغير هذه الحكومات سياساتها، مما يدفع إلى زيادة النقمة العربية والاستياء ، وينتج عن ذلك تعميق التناقض مع الأمن الأمريكي والإسرائيلي .

2 -    الولايات المتحدة الأمريكية ، لم تكن وسيطاً نزيهاً ومحايداً في الصراع الفلسطيني-

 الإسرائيلي!.. ( وما لم يقله أن الصراع حقيقة هو عربي - إسرائيلي ).

        لأكثر من عقدين مضيا، حصل إجماع دولي على إقامة السلام في "الشرق الأوسط" على أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى الحدود الدولية السابقة، متزامناً مع ضمانة أمن "إسرائيل" من قبل الدول المجاورة . إن قيام سلطة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وبعض المواقع في القدس، ولثلاثين عاماً مضت، فإن منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات ابتعدت عن ممارسة الأعمال الإرهابية وأنشأت قنوات اتصال مع الإسرائيليين لتحقيق رغبة الإجماع الدولي بحل عن طريق إقامة دولتين ، كما أن معظم العرب اتخذوا من تحقيق السلام خياراً استراتيجياً لهم.

        الولايات المتحدة الأمريكية عارضت الإجماع الدولي، واتخذت موقفاً أقرب التصاقاً إلى الحكومات اليمينية الإسرائيلية ، معتبرة أن القدس يجب أن تخضع بكاملها للسيادة الإسرائيلية، مؤيدة فقط انسحابات جزئية من بعض الأراضي المحتلة، رافضة قيام دولة فلسطينية خارج الرؤيا الإسرائيلية .

        الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية أتاحت للسلطة الفلسطينية سيطرة جزئية على ربع الضفة الغربية فقط، وفي معازل أشبه بمعازل الهنود الحمر الأمريكية، أو معازل السود في جنوب أفريقيا السابقة إبان عهد التمييز العنصري، وأبعد ما تكون عن شكل الدولة الحقيقية . استمرت الولايات المتحدة بتوجيه اللوم إلى الفلسطينيين محملة إياهم مسئولية العنف السابق والحاصل حالياً، أحياناً، معاكسة الرؤية العالمية، ورؤية منظمات حقوق الإنسان التي تعتبر أن قوات الاحتلال والتعنت الإسرائيلي هو السبب الأساس لنشوء واستمرار هذا العنف .

        خلال عمليات السلام بين الطرفين الفلسطيني - الإسرائيلي، حرصت الولايات المتحدة على التدخل المباشر والإشراف والضغط ، وبرغم اختلال موازين القوة بين الفلسطينيين ومحتليهم ، فقد وجهت اللوم بشكل دائم للفلسطينيين الذين لم يقدموا تنازلات أكثر !!، مع أنهم وصلوا حد التنازل عن 78 % من أراضي فلسطين التاريخية للإسرائيليين، طبقاً لاتفاقات أوسلو ، الفلسطينيون الآن ينتظرون أن ينسحب الإسرائيليون من أراضيهم التي احتلت عام 1967  طبقاً للقانون الدولي .

        الولايات المتحدة تبنت صيغة السلام الإسرائيلي المعلبة والمقدمة من قبل رئيس الوزراء ايهودا باراك، في مباحثات العام 2000 في كامب دافيد ، التي تسمح لإسرائيل بالسيطرة على أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، والسيطرة على معظم القدس الشرقية وجوارها، ومقسمة بذلك الضفة إلى كانتونات غير متصلة، وأيضاً يترافق ذلك الحل مع إسقاط حق العودة ، وترافق ذلك مع لعب الولايات المتحدة لعبة مزدوجة في إدارة العملية بطريقة دبلوماسية مستخدمة قوة المال،  والتلويح بالقوة ودعم الاحتلال الإسرائيلي ، وقد بدت اللعبة الأمريكية أشبه ماتكون بأيقونة الأمريكانا، منها بعملية سلام حقيقي.

3 -    الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دوراً رئيساً في عسكرة المنطقة.

        الشرق الأوسط هو السوق الرئيسية لتصدير الأسلحة الأمريكية ، ويؤمن أرباحاً ضخمة لصانعي الأسلحة الأمريكيين ويدفع أكثر فأكثر إلى عسكرة المنطقة المؤهلة عسكرياً بشكل مسبق ، وبالرغم من الوعود الكثيرة، فقد استمرت شحنات الأسلحة الأمريكية بالتدفق ووصلت حدود 60 بليون دولار منذ حرب الخليج . مبيعات الأسلحة الأمريكية تشكل عنصراً أساسياً في بناء التحالفات السياسية الأمريكية مع دول "الشرق الأوسط" ، خصوصاً مع القادة العسكريين لهذه الدول المتلقية . هناك استراتيجية أمريكية في جعل أنظمة التسلح الأمريكية هي السائدة في المنطقة بمواجهة الوجود الأمريكي، ولأن مبيعات الأسلحة الأمريكية تعني وقوفاً في وجه الصناعة العسكرية للدول الغربية الرافضة والمقاومة لهذا التوجه الأمريكي.

        عملية ربط تزويد الدول بالسلاح مع سجلاتها في خرق حقوق الإنسان ، تلحق ضرراً فادحاً بصناعة السلاح الأمريكية والتي تتركز مجموعاتها في واشنطن، وهذا ربما يساعد على شرح دوافع الإدارة الأمريكية لتجاهل قرار مجلس الأمن رقم 687  ، جواباً على إمكانية إعادة تسلح العراق ، وأيضا في الجهود المبذولة لتجريد المنطقة من السلاح ، الأمر الذي رفضت الولايات المتحدة بعضه.

        إن تخصيص الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثة بلايين دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لإسرائيل في عملية تحصين وحماية هذه الدولة من جيرانها العرب، بالرغم من أن الولايات المتحدة تؤمن 80 % من احتياجات الدول العربية عسكرياً . وفي اتفاقيات كامب دافيد لعام 1978  بين مصر و"إسرائيل" والتي كانت أقرب إلى الترتيبات العسكرية منها إلى اتفاقيات سلام، فقد نتج عنها التزام أمريكي بتوفير وتقديم ما قيمته خمسة بلايين دولار من المساعدات العسكرية لطرفي الاتفاقية . الأسلحة الأمريكية تم استخدامها ضد المدنيين من قبل "إسرائيل" في هجماتها المتكررة، أيضاً في تركيا وغيرها من الدول، ولم يكن مدهشاً بروز الحركات الإرهابية في منطقة تحافظ دولها على السيطرة بواسطة قواها العسكرية.

4 -    تحافظ الولايات المتحدة على حضور عسكري متطور في المنطقة .

        تحافظ الولايات المتحدة على حضور عسكري متطور ومتزايد في المنطقة، إضافة إلى وجود قواعد عسكرية وجوية منذ زمن بعيد في تركيا ، وحضور بحري كثيف في حوض البحر الأبيض المتوسط، والبحر العربي ، بعد حرب الخليج وممارسة المزيد من الضغوط على قادة دول الخليج "الفارسي" الذين شعروا بالخوف بعد اجتياح العراق للكويت، والذي جاء مناسباً القيادة الأمريكية لتروج لحربها ضد صدام حسين وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ضد العراق ومحاولة الحد من تسليحه بفرض عقوبات وعوائق مختلفة، وفي نفس الوقت، فقد كان هناك الكثير من التطلعات الأمريكية لهذه الحرب . بعض قادة دول الخليج وشعوبهم أدركوا أن تلك الحرب لم تكن من أجل تطبيق القانون الدولي، وليس من أجل حقوق الإنسان ، كما ادعت إدارة بوش الأب، ولكن لتمكين الولايات المتحدة من السيطرة على المنطقة، وتحقيق استراتيجيتها الموضوعة لها مسبقاً.

        إن المزيد من الغارات الجوية الأمريكية لم يلقى القبول من دول العالم، وخاصة دول الجوار العربية ، والتي كان مفروضاً بها أن تخاف من أسلحة الدمار الشامل العراقية أكثر من غيرها، وفي ضوء التحليلات والتقديرات الأمريكية فإن قوة الجيش العراقي أصبحت أقل من قدراته في العام 1980 خاصة بعد هزيمته وبعثرة قواه في حرب الخليج الثانية، ببساطة كان الإدعاء أن الغارات الجوية لمكافحة إنتاج أسلحة الدمار الشامل العراقية ، وخاصة الأسلحة البيولوجية . أكثر من ذلك، فإن مجلس الأمن في الأمم المتحدة هو صاحب القرار في إعطاء الإذن باستخدام القوة لتنفيذ قراراته.، وليس هناك من دولة تتجرأ على فعل ذلك دون هذا الإذن الشرعي. الكثير من الدول العربية رفضت سياسة الولايات المتحدة المعترضة على جهود بعض الدول العربية للحصول على أسلحة دمار شامل ، في حين تسترت على امتلاك "إسرائيل" لأسلحة نووية مؤكدة، وأيضاً جلب أسلحة نووية أمريكية إلى منطقة المتوسط رافضة مطالبة الكثير من دول المنطقة لإبقائها خالية من أسلحة الدمار الشامل ، وخاصة النووية .  - في هذه المنطقة التي تعرضت للكثير من الاحتلالات الخارجية خلال قرون، فإن استمرار التواجد العسكري الأمريكي يدفع إلى المزيد من الرفض والكراهية، وفي الحقيقة فإن توفر قوة أمريكية أكثر في المنطقة تدفع إلى أمن أقل بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية فيها .(  أتساءل إذا كان المحلل يعلم أن الوجود الأمريكي هو لمصلحة أمن الاحتلال الإسرائيلي وليس لحماية المصالح الأمريكية المشروعة، والقائمة على التكافؤ ؟ ). - الكاتب.

5 -    هناك كارثة بشرية كبيرة نجمت عن سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق.

        العراق الذي لم يكد يخرج من كارثة حرب1991، والتي تلقى خلالها أعظم قصف سجله التاريخ بشتى أنواع القنابل والصواريخ، وتم تدمير معظم المرافق المدنية فيه ، فقد سارعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات دولية عليه لمنع إمكانية  إنتاج أسلحة دمار شامل !! وقد أملت الولايات المتحدة أن تؤدي هذه العقوبات إلى إسقاط نظام صدام حسين. وعلى أي حال ، فإن جهود واشنطن لم تؤثر على نظام صدام الحديدي . لكن ما يقرب من  5000 فرد ، أغلبهم من الأطفال ، توفوا شهرياً بسبب نقص الأغذية والأدوية الناجم عن الحصار المفروض، هذه المعاناة الإنسانية قادت إلى اعتراضات شديدة حتى من بعض أعداء العراق التقليديين، ومطالبة بوقف العقوبات ، أكثر من هذا فإن الشعب العراقي بدا أكثر تضامناً من قبل مع حكومته.

        وبخلاف ردود الفعل التي كانت سائدة قبل الحرب، فإن مشاعر الشعب العراقي، اتجهت إلى إلقاء المسئولية على الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها ، وليس على النظام الذي باحتلاله الكويت قاد هذه الدولة إلى الأزمة الاقتصادية الحالية، إضافة إلى أن الطبقة المتوسطة العراقية والتي كان من المفروض أن تلعب دوراً ما في صياغة سياسات نظام صدام حسين أضحت قليلة ، ولا تشكل معارضة داخلية فعلية بقدر ما تشكل معارضة لسياسة الولايات المتحدة وضرباتها الجوية .

        الولايات المتحدة أعلنت أن العقوبات ستستمر حتى ولو تقيد العراق ونفذ قرارات الأمم المتحدة، معطية الحجة للنظام العراقي كي لا ينفذ القرارات، والتي يلزم لتفعيلها أن يتم وضع حدود لتطبيقها، ومستلزمات وقفها، تلك هي نظرية العصا والجزرة، حقيقة، هنا يكمن فشل كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة، في شرح غاية وأهداف العقوبات وتبريرها، ومتى يمكن أن تتوقف ؟ وهذا ما دفع بالعراق لتعليق تعاونه مع مفتشي الأمم المتحدة عن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر لعام1998  . 

 

6 -    الولايات المتحدة لم تكن منسجمة في دعوتها لتقوية القانون الدولـي ، وقـرارات

مجلس أمن الأمم المتحدة .!

        شددت الولايات المتحدة الأمريكية من حصارها الاقتصادي، وزادت ضرباتها الجوية على قاعدة فرض قرارات مجلس أمن الأمم المتحدة ، إضافة لذلك فقد نجحت في السنوات الأخيرة في دفع مجلس الأمن لفرض عقوبات على ليبيا، أفغانستان، والسودان، مستغلة سلطات الأمم المتحدة بطريقة غير مسبوقة حول نزاعات خاصة، وعلى كل حال، فقد وقفت الولايات المتحدة بوجه صدور قرارات مشابهة ضد بعض أقطار " الشرق الأوسط" الحليفة مثل تركيا، وإسرائيل والمغرب، اللذين يستمرون في احتلال أراضي أقطار مجاورة ، أكثر من ذلك، وإمعاناً في خرق القوانين الدولية وعلى مدى سنوات سابقة، فقد  عرقلت جهود الأمم المتحدة في حل النزاع حول قضية الصحراء الغربية ، وإجراء استفتاء سكاني حول رغبتهم في الانفصال عن المغرب، هؤلاء الذين كانوا مستعمرين من قبل الأسبان وبدعم أمريكي، وخرجوا في العام 1975 .

        لأكثر من ثلاثين سنة مضت، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض        ( الفيتو ) لمنع إدانة الحليفة "إسرائيل" ، أكثر من جميع الأعضاء الذين يتمتعون بهذا الحق، وعلى مدى قرارات لا تحصى، هذا الإجراء عطل الكثير من الإدانات الصادرة عن منظمات مثل مراقبة حقوق الإنسان في المناطق المحتلة " الضفة الغربية وقطاع غزة " إضافة لذلك فقد شجعت على إهمال كل القرارات السابقة التي تدين إسرائيل، والتي اعتبرتها قرارات غير متوازنة أو فوضوية، برغم أنها تدين أموراً مثل خرق حقوق الإنسان، وإقامة المستعمرات، وتطوير الأسلحة النووية ، وتغيير معالم القدس، واستمرار الاحتلال، واعتبرت أن اتفاقات أوسلو العام 1993 قد ألغت هذه القرارات جميعاً أو نقضتها !! ومثل هذه القرارات لا يمكن أن يتم سحبها ما لم تجيز الأمم المتحدة ذلك، وهي التي أصدرتها، وعلى كل حال،  فإن اتفاقية مثل اتفاقية أوسلو لا يمكن لها أن تلغي قرارات الأمم المتحدة طالما أن طرفاً من طرفي الاتفاقية يعتبر أنها لا زالت قائمة وهو " الطرف الفلسطيني"  ( فكيف يكون الحال، والقرارات تعني النزاع العربي - الصهيوني بكامله، والاتفاقية لا تلزم بقية أطراف النزاع، كما في حالة سورية ولبنان ) الكاتب.

        معظم المراقبين يعتقدون أن من أهم معوقات السلام بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي" هو توسيع المستوطنات، وعدم إزالتها في المناطق المحتلة، وقد عرقلت الولايات المتحدة قرار مجلس الأمن الذي يطالب "إسرائيل" بالانسحاب من الأرض الفلسطينية المحتلة ، هذا الاحتلال ، الذي لا يقره القانون الدولي، والذي يمنع اكتساب الأرض بالقوة العسكرية ( توسيع الحدود) ، وقد شجعت الولايات المتحدة توسيع مناطق السكن اليهودية في منطقة القدس الشرقية المحتلة، ولم تعترض عليها، أكثر من ذلك، فقد قدمت الولايات المتحدة مساعدات ومعونات علنية وسرية لإقامة الطرق السريعة التي تربط بين هذه المستوطنات لضمان المزيد من الأمن لها . ( وطبعاً على حساب ملكية الفلسطينيين من أراضيهم الزراعية ومساكنهم التي تم هدمها) . هذه الأماكن بالذات وافقت الولايات المتحدة على القرار المتعلق بها ذي الرقم 465 والذي يطالب جميع الدول بعدم تقديم أي مساعدات لإسرائيل يمكن أن تستخدمها في تقوية وتوسيع هذه المستوطنات ضمن الحدود المحتلة .

7 -    الولايات المتحدة تتحمل مسئولية دعم الأنظمة الاستبدادية في " الشرق الأوسط".

        نمو الحركات التي تفضل الديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان في منطقة "الشرق الأوسط" لم يحقق النجاح كما في أقطار غرب أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وبعض أقطار آسيا، معظم أقطار الشرق الأوسط حافظت على نظم استبدادية، وبالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت على نظام حرية عريق، فإنها لم تدفع بهذه الأقطار خطوات حثيثة نحو الديمقراطية، وفي الحقيقة ، عملت على تقليل هامش ، أو حافظت على مستويات متدنية من المساعدات العسكرية والاقتصادية لدول لديها تجارب في الديمقراطية والحرية، في السنوات الأخيرة، بينما زادت تلك المساعدات لدول تحافظ على استبداديتها مثل: العربية السعودية، الكويت، مصر، والمغرب، مثلاً: الأردن ، تلقى كماً من المساعدات مابين السبعينات والثمانينات، خلافاً للمعايير والقواعد المتبعة في تقديم المساعدات الأمريكية، وعندما مارس سياسة منفتحة في مطلع التسعينات، خفضت تلك المساعدات، وربما علقتها إلى حين، .. المساعدات الخارجية لليمن تم قطعها خلال أشهر من إجراء أول انتخاب ديمقراطي في العام 1990  . ( حسب قول البروفسور زونس ) .

        بالرغم من أن الولايات المتحدة تبدي حرصاً واهتماماً بحقوق الإنسان فإن سياستها تجاه ذلك في "الشرق الأوسط" يسهل فهمها وإدراكها، إن حقوق الإنسان والديمقراطية ليست للعامة في العالم العربي والإسلامي، هناك نزعة في الولايات المتحدة تشدد على توضيح أن هذه الحقيقة، تحد من عمليات التصنيع،  تخدم المصالح الكولونيالية، وتزيد من العسكرة وتجميد النمو الاقتصادي ، ومعظم هذه الأقطار يصبح متعلقاً وتابعاً للسياسات الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ومن السخرية القول أن سياسة الولايات المتحدة تهدف من بيع السلاح، وإرسال المساعدات العسكرية المباشرة لهذه الأنظمة الشرق أوسطية، أن تدفع بها إلى ضرب حركات حقوق الإنسان، وتفرض سلطانها بيد حديدية، لأن الديمقراطية وحقوق الإنسان للأنظمة فقط، ولا حاجة للشعب بها، وفي الحقيقة فإن هذه المساعدات العسكرية والاقتصادية تلعب دوراً هاماً في الحفاظ على النظم الاستبدادية، هنا تستغل الولايات المتحدة الموقف فتزيد من مساعداتها " لإسرائيل " بحجة أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، حتى ولو استخدمت هذه المساعدات والأسلحة في الضغط على الفلسطينيين وسلبهم حقوقهم.

8 -    سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل مسئولية زيادة راديكالية (تطرف) الحكومات والحركات الإسلامية.

        الولايات المتحدة الأمريكية معنية وبشكل عميق بازدياد التطرف في الحركات الإسلامية في منطقة "الشرق الأوسط" ، الإسلام، مثله كمثل بقية الأديان ، يعتمد في تفسيره على إصدارات حديثة ومتجددة ويتم تطبيقها،  هناك عدد من الجمعيات الإسلامية المعروفة، والحركات التي تنحو نحو المسالمة والتعاون مع الغرب وتعنى بسياسات العدالة الاقتصادية والاجتماعية، الكثير من هذه المنظمات والحركات جاءت إلى الغرب، ممثلة الاتجاهات الرئيسة للحركات الديمقراطية والشعبية، والوطنية العربية. كما أن هناك حركات إسلامية، في هذه الأيام ، هي في الحقيقة رجعية، عنيفة، كارهة للمرأة، ولديهم نظرة خبيثة ضد المصالح الأمريكية ، وبعضهم لا يقبل حتى بالعلاقات التجارية ولهم رد فعل تجاه إقامة العلاقات السياسية والاجتماعية ، والعكس بالعكس .

        مثل هذه الحركات، التي ظهرت إلى الوجود أولاً في مناطق تعرضت لتبدلات دراماتيكية في بناها الاجتماعية كنتيجة للحرب ، أو انعدام النمو الاقتصادي، وقد ساعدت سياسات الولايات المتحدة على انتعاش هذه الحركات، وذلك بسبب دعمها العسكري، والاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي وهجماته المتكررة، والتي طالت أجزاء كبيرة من البنية الاجتماعية اللبنانية والفلسطينية ودفعت إلى الظهور بحركات لم تكن معروفة قبل عشرين عاماً من الآن. الولايات المتحدة أيضاً دفعت بنظام الشاه الديكتاتوري في إيران إلى سحق الحركة الديمقراطية الشعبية بنجاح في العام 1953 ، وبالنتيجة، عادت ونجحت الثورة ضد الشاه ولكن بقيادة خط راديكالي  من رجال الدين في العام 1979 . كما أن الولايات المتحدة استفادت من خدمات الحركات الإسلامية في أفغانستان والتي شكلت في حينه تحدياً لقوات الاتحاد السوفييتي في الثمانينات ، بما في ذلك أسامة بن لادن وأتباعه، وحتى الآن تحافظ الولايات المتحدة على علاقات أكثر التصاقاً بالعربية السعودية، والتي تعتبر من أكثر الأنظمة العربية المعتدلة تعصباً للأصولية الإسلامية، وأكثر الأنظمة قمعاً في العالم . ( كما يقول البروفسور زونس ) الكاتب.

9 -    الولايات المتحدة تفرض فكراً اقتصادياً ليبرالياً "حراً" على منطقة "الشرق الأوسط" لا يقدم فائدة لمعظم شعوب المنطقة.

        كغيره من دول العالم الثالث، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول فرض نظام اقتصادي ليبرالي كخطة لتنمية منطقة "الشرق الأوسط" عبر هيئات دولية مثل صندوق النقد الدولي "كهيئة مراقبة دولية"، أو البنك الدولي، أو منظمة التجارة العالمية ، وتتضمن توصيات هذه الجهات، تخفيض الخدمات الشعبية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، تعريفات أقل، خفض الضرائب، الحد من الدعم للزراعات وبالتالي رفع الحماية عن البضائع والمنتجات. ومع أن هذا وفي كثير من الحالات يقود إلى زيادة في ناتج الدخل القومي، فإنه وبشكل دراماتيكي يدفع إلى زيادة في العرض، ويقدم فائدة محدودة على المستوى الشعبي، معطياً القوة للمبادئ الأخلاقية الإسلامية في موضوع العدالة الاجتماعية، هذا التباين المتنامي بين الغني والفقير أصبح الخاصية العدوانية للإسلام،  الذي ينظر إلى الغرب على أنه المسبب الرئيس عبر تعويمه الكثير من السلع وتنمية الاستهلاك من المستوردات الأمريكية بواسطة عملاء محليين.

        إن فشل تجارب التنمية الاجتماعية المركزية في العالم العربي، تركت فراغاً ايديولوجياً بين الطبقات الفاقدة للعدالة الاجتماعية والاقتصادية، هذا الفراغ الذي شغلته الحركات الراديكالية الإسلامية. - لقد حطمت سياسات النظام الاقتصادي الجديد ( العولمة) الكثير من اقتصاديات العالم، ودفعت بملايين المعوزين إلى أحزمة الفقر المحيطة بمدن مثل القاهرة، وتونس، والدار البيضاء وطهران، سياسات مثل، التجارة الحرة، والخصخصة، أنتجت زيادة التقدم  للبعض ، وخلفت الكثير من الشعوب وراءها، مفسحة الطريق سهلاً أمام الأنشطة الإسلامية في صراعها ضد الفساد المالي، والظلم الاقتصادي .

10 -  ردود الفعل الأمريكية على الإرهاب الشرق أوسطي لم تكن فاعلة حتى الآن.

        الهجمات الإرهابية في أيلول عام2001 على الولايات المتحدة، سلطت الضوء على الإرهاب القادم من الشرق الأوسط، ودفعت بالمواطن العادي إلى الاهتمام بالأمن في بلد خرج من حرب باردة عالمية ، وبالإضافة لأسامة بن لادن، ومنظمته المتخفية - القاعدة- التي لم تتلق أي دعم من جهات حكومية، فقد سارعت الولايات المتحدة لتحميل كل من إيران، العراق، السودان، وليبيا المسئولية، باعتبارها الدول الرئيسة المصدرة للإرهاب ، وبذلت أنشطة سياسية لعزل هذه الدول في المحافل الدولية، وأما سوريا المصنفة "كدولة داعمة للإرهاب " فقد أعلنت أنها عانت من الإرهاب، وأنها مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحته بعد وضع تعريف محدد له .

        كرد على العمليات الإرهابية، ( تفجير السفارات في أفريقيا ) قامت الولايات المتحدة بعدة أعمال عسكرية، في العام 1998  قصفت الولايات المتحدة معملاً للأدوية في السودان بذريعة أنه يطور أسلحة دمار شامل، ( كيميائية) يمكن أن تستخدمها الشبكات الإرهابية، وقصفت مواقع في أفغانستان،  مما أثار موجة من السخط والاستياء العالميين ضد أمريكا وقوى من نظام ذلك البلد الديكتاتوري، قبل ذلك وفي العام 1986 قصفت أمريكا مدينتين ليبيتين بذريعة الرد على الهجمات الإرهابية الليبية ضد المصالح الأمريكية في أوروبا، مما أنتج رداً ليبيا بتفجير طائرة البان-أم فوق سكوتلندا،  العمليات العسكرية الأمريكية تتحمل مسئولية دورة العنف التي لم تتوقف ضد المصالح الأمريكية في العالم، السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تجعل من الصعب توقف الإرهاب في "الشرق الأوسط" الذي يعزى إلى الإسلام بسبب أنشطة بن لادن وأمثاله ضد المصالح الأمريكية ، والذي يمكن أن ينتج أنظمة وحركات متشددة أكثر ، ما لم تغير الولايات المتحدة نظرتها وسياستها تجاه المنطقة .

        إلى هنا ينتهي تقرير البروفسور زونس، والذي جاء تصوره للواقع متكاملاً وموضوعياً، مسمياً الأشياء بمسمياتها، ومبرراً ردود الأفعال على السياسة الأمريكية تجاه القضايا العادلة للشعوب، ومؤكداً أن الممارسات، والأفعال الأمريكية غير المحسوبة النتائج، لم تكن مراعية للمصالح الأمريكية، بل على العكس، متناقضة معها، وتخدم فقط القضية الصهيونية في العالم العربي، والعالم كله، وهي بمجملها استجابة للرغبات الصهيونية التي تسيطر على مراكز القرار، ومفاصله الهامة في عالم السياسة الأمريكية.

                        وعودة سريعة إلى ما نعتبره ثوابت السياسة الأمريكية تجاه قضايانا القومية ، يتأكد لنا أن هذه الثوابت ليست قابلة للتغيير في المدى المنظور وعلى النحو التالي:

1- لن تتخلى الولايات المتحدة عن مواقفها المتحيزة والداعمة للاغتصاب والاحتلال الصهيوني الطامع في الأرض والمياه ،بسبب انعدام المقدرة على القرار.

2 - تؤكد الولايات المتحدة على تبنيها وجهة النظر الصهيونية في موضوع السلام، وتقف طرفاً في الصراع، وهكذا لم، ولن تكون وسيطاً نزيهاً بالمطلق.

3 - تستمر الولايات المتحدة ، بل وتبالغ في عملية عسكرة المنطقة، ولكن من جانب واحد، بجعلها القوة العسكرية الإسرائيلية معادلة لكل القوى العربية مجتمعة، بل ومتفوقة عليها.

4 - طورت الولايات المتحدة وجودها العسكري في كل المنطقة، وخاصة المنطقة العربية بعد حرب الخليج الثانية، وها هي تعلن مواربة عن خطط لإنشاء ثلاثة قواعد عسكرية ضخمة في العراق، أهمها في المنطقة الشمالية، الكردية، (حتماً من أجل السيطرة على النفط) ، هذا الانتشار العسكري الذي يستفز المشاعر الوطنية، ويدفع سريعاً إلى نشوء حركات المقاومة الوطنية، التي تعتبرها أمريكا، ومعها الغرب، حركات إرهابية بعد أن نجحت في إلغاء مصطلح الحركات التحررية الوطنية من القاموس العالمي.

5 - إن أسلوب فرض الحصار الاقتصادي، والعقوبات على أي نظام يعارض السياسة الأمريكية، هو استراتيجية ثابتة بالنسبة للسياسة الأمريكية، بغض النظر عن تعارضه وشرعة حقوق الإنسان، أو هول نتائجه الكارثية على الشعوب، وكما طبقته الولايات المتحدة على شعب العراق يمكن أن تطبقه في كثير من بقاع العالم، وليس هناك من مجال للمراهنة على وقف هذا الأسلوب.

6 - ما ينطبق على البنود السابقة، ينطبق حكماً على ازدواجية المعايير الأمريكية بالنسبة للقانون الدولي والقرارات الدولية الصادرة بشأن النزاعات في شتى أنحاء العالم، ولن تدّعم الولايات المتحدة إلا ما يخدم مصالحها، ومصالح حلفاءها فقط.

7- ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تدعم الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، إذ لن تفتح بعد ذلك الأبواب أمام الاحتكارات الأمريكية لاستغلال الثروات وامتصاص خيرات الشعوب.

8 - لا فائدة من تبديل المواقف بعد أن جاء الحصاد مطابقاً لزرع فاســد.

9 - الاقتصاد الحر ، حسب النظام العولمي، يخدم الشركات القوية، المتعددة الجنسية والاقتصاد المتعدد المداخيل، وبالتالي الدول الكبرى، ويزيد من فقر الدول والشعوب النامية، ولا يمكن الرهان على أن يتنازل الغني عن جزء من غناه، أو يغلق باباً من الأبواب التي أدت إلى ثرائه، مع أنها تدفع بغيره إلى الفقر المدقع،.. الولايات المتحدة لن تقبل بغير هذا النظام ، إلا باتحاد قوة الفقراء.

10 - إن ردود الفعل الأمريكية على عمليات المجموعات الإرهابية، والتي كانت واشنطن علة وجودها والسند لها، جاءت مغايرة لما هو مطلوب، إذ لم تعالج الأسباب الجذرية، وإنما تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، تحاول تحقيق مخططات مدروسة تخدم مصالح معينة، وكما قال البروفسور زونس: ما لم تغير الولايات المتحدة من سياساتها بشكل جذري تجاه المنطقة، فإن شيئاً لن يتبدل على أرض الواقع، وإذا كانت هذه خلاصة الدراسات ، مطابقة لما هو على أرض الواقع، فماذا يتبقى للحوار، والمفاوضات، والمعالجة خارج إطار العنف، والحرب التي لا نهاية لمآسيها؟  وتتحمل الولايات المتحدة، مجَسَدةً بأطماع شركاتها الاحتكارية النفطية، والصناعية العسكرية، وممثلةً بالشخصيات التي تدفع بهم هذه الاحتكارات والشركات إلى سدة الحكم ، مسئولية ما يحصل في طول العالم وعرضه، ولا تتحمل الجهات الأخرى التي تقوم بردات الفعل أي لوم أو مسئولية.

محاضرة الرفيق ناظر إذاعة منفذية حماه في مركز ثقافي مصياف بتاريخ 30/01/2008

 
< السابق   التالى >