زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
زاوية القراء
مساهمات
أسئلة وأجوبة
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
صحافة
وثائق
مقابلات
مختارات
FOREIGN RELEASES
ARTICLES
STUDIES
شؤون إجتماعية
البقاء للأمة
فرص عمل
نقابات وجمعيات
بيئة وصحة
البيئة
الصحة
الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
ثقافة
دراسات وأبحاث
شعر وأدب
مساحة رأي
المكتبة القومية
إصدارات
فنون جميلة
أخبار ثقافية
الإغتراب
أنشطة
تربية وشباب
رياضة
جامعات
مخيمات
"سرفيس" أقزام دكاكين سايكس- بيكو- أحمد ابوعلي طباعة ارسال لصديق
الجمعة, 28 كانون الأول 2007
ActualOumma.JPG  

منذ وعيي السياسي والثقافي التاريخي على مأساتنا نحن العرب من فرقة وتشرذم وتخلُّف واحتلالات واقتتالات دمويَّة، والأمَّة العربيَّة بمثقَّفيها وأحزابها العلمانيَّة والدينيَّة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار تتَّفق على أنَّ معاهدة سايكس بيكو، وُجدت  لصالح الاستعمار وزرع الكيان الصهيوني في وسط الوطن العربي لمنع توحيده، أمل العرب من الخليج إلى المحيط. وفي هذا "الأمل" والسياق، تجامل الأنظمة الفاشلة والمهترئة مواطنيها، وتتظاهر، وإن كانت أفعالها تناقض اٌقوالها، بأنَّها تشاطر مواطنيها الرأي في هذه "المعاهدة".

تسعون سنة مضت على هذه المعاهدة المشؤومة لتتحوَّل من إرادة صهيونيَّة-إمبرياليَّة إلى ثقافة ضمنَّية أساسيَّة لدكاكين (دويلات) ورعاة "سايكس بيكو" من رجال "فكر" ومثقَّفين، وأحزاب بما فيها الأحزاب الشيوعيَّة العربيَّة "عدوُّ الإمبرياليَّة اللدود!" وفي خضمِّ هذا الجدل المُبرِّر سياسيًّا، والمدعَّم إمبرياليًّا، أضحى نقيض ثقافة سايكس بيكو السلاح الذي يبرِّر الاقتتال الداخلي وتُشَرعَنُ فيه الاحتلالات الإمبرياليَّة والعمالة والولاء للدول الأجنبيَّة. وليس أدلَّ على ذلك من التنظير للولاء لدولة كإيران تحتلُّ أراض عربيَّة وتقمع أهلها، وتعتبر البحرين مثلاً، بمقوِّماتها العربيَّة التاريخيَّة والسياسيَّة والواقعيَّة والعرقيَّة على أنَّها جزء منها بمسوِّغات الثقافة المذهبيَّة أو القطريَّة أو العرقيَّة الكاذبة، وسواها من خطط تمزيقيَّة للإجهاض على أمَّتنا، وقضم أرضها بدعم وتمويل من العدو الإمبريالي والصهيوني.

إنسجامًا مع سياسة "النَّفَس الطويل" والسعي الحثيث والعمل المتواصل الدؤوب للفكر الاستعماري وخططه، تحوَّلت "سايكس بيكو" من مؤامرة استعماريَّة إلى سياسة "عقلانيَّة" عربيَّة واقعيَّة، ومطلب وطنيٍّ له مقوِّمات تاريخيَّة متعارف عليها ومقبولة يحُتفل بها كثقافة وطنيَّة في (دكاكين سايكس بيكو) انسجامًا مع  خطَّة المخابرات البريطانيَّة والفرنسيَّة قبل أكثر من 90 سنة. فلا عجب أن أضحت هذه ثقافة الوطن "النهائي" عند بعض اللبنانيِّين الذين باتوا يُعرفون لبنان بـ "الموالاة" في حكومة السنيورة من جانب، يقابلهم في الطرف الآخر بعض جماعة "المعارضة" لا تقلُّ عن الأولى خطرًا على واقع الوطن ومستقبله، تسعى لجعله دولة مذهبيَّة مسخ مُسيطر عليها من جار أجنبي كمقتضى الحال عند بعض تكتُّلات شيعيَّة في العراق منذ سقوط نظام حزب البعث الوحدوي العربي. طبعًا، الحالاتان تستَعمِلان للعداء للأمَّة العربيَّة الواحدة والمصير المشترك أداة أساسيَّة للوصول إلى تحقيق هدفهم الأولى، إقامة كيانٍ منعزل سياسيًّا وثقافيًّا عن عروبته، والثانية ذريعة لكلِّ ما هو عربي ومسلم (سنِّي) للعودة إلى "الحكم الإسلامي" الفضفاض ليكون المسوِّغ لبسط سيطرة دولة غير عربيَّة على أجزاء كبيرة من أرض العرب الشرقيَّة.

باستعراض سريع لمواقف هذه القوى والجماعات، نراها تلتقي تحت سقف الكره الشديد للعروبة والعرب. وغالبًا ما يردِّدون: "العرب جرب" متظاهرين بالغيرة على العروبة، في حين أنَّهم في واقع الحال يكيدون لكلِّ ما له علاقة بالعروبة. وتراهم أقرب انتسابًا إلى كلِّ ما هو غريب عن تاريخ البلاد العربيَّة وتراثها وإرثها. وبالقدر الذي يكرهون فيه العرب، تراهم أشدَّ تمسُّكًا بوطنيَّة زائفة تميِّزهم من غيرهم الذين لا ينتمون إلى كيانهم السياسي الذي خلقته لهم المخابرات الغربيَّة والحركة الصهيونيَّة قبل تسعة عقود من الزمن. وليس بمستغربٍ أن تجدهم أقرب إلى عدو الأمَّة منه إلى أبناء أمَّتهم، ولا سيَّما عندما يتعلَّق الأمر بقضيَّة فلسطين واحتلال الغرب للعراق والتدخُّل الأمريكي السياسي السافر في شؤونه. وطالما أنَّ وجودهم السياسي، على الأقل في الحاضر،  مرتبط بوجود المحتل، لا تخفي تلك العصابات الطائفيَّة الشعوبيَّة الحاقدة التي أتت إلى العراق فوق الدبابَّات الأمريكيَّة الصهيونيَّة حقدها، فعاثت بالأرض فسادًا بمباركة قيادات إيرانيَّة طائفيَّة مذهبيَّة من الطراز الأوَّل، تسترشد بمراجع "دينيَّة" ما تزال تعيش في أقبية مظلمة قكرًا وأسلوبًا وتاريخًا. هذه المراجع التي تتذرَّع بحكم صدَّام حسين والاستناد عليه، وما مثَّله لهذه المجموعات الشعوبيَّة التي تستعمل الدين والحقد والثأر مدخلاً للعداء للعرب والعروبة، وسلخ العراق من جسده العربي تمهيدًا لتفريسه إيرانيًّا صفويًّا، هو في رأيي السبب في تباكيهم على العراق! وإلاَّ فبماذا يبرِّرون وضع دستور شعوبي ومذهبي للعراق؟ بماذا يبرِّرون بيع نقط العراق وآباره للشركات الأمريكيَّة والغربيَّة العملاقة لمائة سنة قادمة وبأبخس الأثمان؟ وبماذا يفسِّرون ترحيل العراقيِّين العرب من شمال العراق، واقتراح كيانات مذهبيَّة وعرقيَّة لتمزيقه؟ وكيف يمكن تفسير ذبح اللاجئين الفلسطينيِّين في العراق وطردهم منه؟ ولا يخفي على أيِّ مراقب للوضع هناك، مهما كان ساذجًا أو غير ملمٍّ بالسياسة بأنَّ الردح للعرب والعروبة، والتباكي على قسوة نظام البعث ليس إلاَّ لذرِّ الرماد في العيون، وتدمير العراق العربي والقضاء على عروبته خدمةً للتوسُّع الفارسي المغلَّف بولاية الفقيه وجمهوريَّة "الإسلام" الخمينيَّة. ناهيك عن تقديم خدمة للكيان الصهيوني الذي طالما اعترف بأنَّ الجيش العراقي العربي شكَّل أزمة على دولته وكان مثار قلق لها على مدار ستَّة عقود. وها هو المالكي والحكيم والصدر (المعروف بغبائه السياسي المعهود) يقدِّمون خدمَّة مجَّانيَّة للكيان الصهيوني الذي كان وما يزال يؤمن بشعار: "من الفرات إلى النيل أرضك يا إسرائيل." وقد دأب منذ عقود على محاولة تدمير العراق العربي وتقزيمه وتحويله إلى دويلات ذات امتدادات فارسيَّة وأمريكيَّة وصهيونيَّة تحكمها دمًى تحرِّكها أصابع الأسياد.

وفي المنطق نفسه، والفلسفة المفلسة الآنفة الذكر في العراق، تقدِّم قوى ما يسمَّى بالموالاة والأكثريَّة اللبنانيَّة "سرفيسها" المجَّاني المتمثِّل بأطروحة "لبنان الوطن النهائي"، فاقد المرتكز التاريخي والخالي من أيَّة قاعدة عرقيَّة أو حتَّى منطقيَّة علميَّة وتميُّزه من بقيَّة الجسد العربي. كلُّ ذلك وُجد لرعاية مصالح حفنة قليلة ممن ارتأوا أنَّ مصالحهم الاقتصاديَّة والسياسيَّة تتمثَّل في إيجاد وطنٍ مميَّز مظهرًا من خلال علاقات تبعيَّة واستسلاميَّة بالغرب عامَّة وفرنسا خاصةً. ولكي يؤسِّسوا لهذا الفكر الإنعزالي الهجين عن المنطقة بكلِّ مقوِّماتها الفكريَّة والإرثيَّة استنبطوا مصطلحات خصُّوها بأنفسهم، وطبَّقوها على كيانهم اللبناني "المميَّز" مثل: "لبنان شرقي الانتماء (لاحظ ليس عربيَّ الانتماء)، وغربي الثقافة." أو "لبنان قويٌّ بضعفه!" أيُّ  "شرقيٍٍّ" هذا! وأيُّ ضعف! ولماذا ولمصلحة من! وإذا كان بعض اللبنانيِّين نالوا قسطًا كبيرًا من الثقافة الغربيَّة، ومن حقِّهم أن يدَّعوا بأنَّهم كذلك، فماذا عن غالبيَّة اللبنانيِّين الذين يعتبرون ثقافتهم عربيَّة إسلاميَّة؟ لا شكَّ أنَّ جزءًا من اللبنانيِّين له موقف خاص من عروبة لبنان، وهذا شأنه، ولكن متى كان الجزء يشمل الكل؟ وهذا عينه ما يحاول مَن تستهويهم تسمية الموالاة أن يوهمونا به، أي أنَّهم شرقيُّو الانتماء! ومنذ متى كانت قوَّة دولة ما في ضعفها؟ وهنا أيضًا تتفتَّق أذهان أساطين "تميُّز الفكر اللبناني" عن سفسطة كلام وتنظير يفتقر إلى أقلِّ منطق، فيخبرنا بأنَّ واقع لبنان العسكري من الضعف بمكان بحيث لا يشكِّل تهديدًا لأسرائيل. ولذا، فوجوده  القوي "المميَّز" هذا هو نتيجة  لضعفه. فليس غريبًا والأمر كذلك بأن أعلنت "القوَّات اللبنانيَّة"، عصابات الردَّة الانعزاليَّة المتصهينة الحرب على لبنان الذي حاول استعادة عروبته ودوره في التصدِّي لمشروع إسرائيل السرطاني من خلال تواجد الثورة الفلسطينيَّة على أرضه في سبعينيَّات القرن الماضي. من الطبيعي أن اشتعلت الحرب آنذاك من خلال مسوِّغات مفردات "سايكس بيكو": "لبنان للبنانيِّين"، "العرب جرب"، "الفلسطينيِّين غرباء ومحتلِّين"، "لبنان يدفع فاتورة العرب"، وغيرها من مفردات مسوِّغات الكيانيَّة المفرطة في انعزاليَّتها، والكره لكل ما هو عربي! في المقابل، تجد هذا التيَّار الانعزالي صادقًا مع وجود فكرة الوجود الصهيوني كيانًا شرعيًّا وجارًا لا خطر منه، وفي أنَّ الخطر الداهم على كيانهم الانعزالي المميَّز، هي العروبة وما تمثِّله من تراث وفكر وقضايا.

ما أشبه اليوم بالبارحة. إنَّه محاولة تكرار صادق وأمين لما جرى قبل عقود. غير أنَّ المأساة قد تضاعفت وتنوَّعت في "حانوت سايكس بيكو"، فتبدَّلت الجلود على الأجسام، وتغيَّرت الأسماء. لم تعد "القوَّات اللبنانيَّة الانعزاليَّة"، فغدت "14 آذار"، والعدو عندهم ما يزال هو نفسه: العرب والعروبة، غير أنَّهم في "صراعهم العبثي، متمثِّل في العداء للنظام السوري، وصداقة إسرائيل بمباركة وتشجيع وتحريض ودعم من السادة الأمريكان والفرنسيِّين. وليس أدلَّ على ما أقول من وقوف قوى الموالاة مع حكومة السنيورة موقف المتفرِّج، بل المحرِّض في اعتداء إسرائيل على لبنان صيف عام 2006. وهكذا، تتجسَّد خطط سايكس بيكو في سياسة الأمر الواقع في لبنان الذي تسعى حكومته والموالاة في جعله كيانًا هزيلاً بلا هويَّة أو انتماء مضافًا إليها مقولة "ضعفه في قوَّته". وفي سعيهم العقيم هذا، نراهم ينهجون سبيل القوى الشعوبيَّة المذهبيَّة الحاكمة بأمرها في العراق بمؤازرة الاحتلال ليؤسِّسوا دويلات ودكاكين جديدة تحت مؤامرة سايكس بيكو نفسها، ولكن بمسوِّغات جديدة وأضاليل كثيرة للحصول على أهليَّة أدبيَّة وأخلاقيَّة لإقامة حكمهم تحت حراب الأجنبي.

لا يقتصر الأمر على الحالتين العربيِّتين المُشار إليهما، فهنالك حالات أخريات مثل: "الأردن أوَّلاً" و "أردنة" التاريخ والجغرافيا والثقافة" فيه. ودول الخليج العربي الانعزاليَّة  التي أفردت لها وصفًا يماثل في انعزاليَّته وسسخفه "فينقة" لبنان و "أردنة" الأردن، ألا وهو صفة "الخليجي" بدون العربي. فلم يعد عرب شبه جزيرة العرب عربًا، بل "خليجيِّين" في محميَّات تتوهَّم أنَّها دول مستقلَّة. كلُّ ذلك يتمُّ بتخطيط هادئ هادف، لخلق حالة التشرذم والفرقة. وسأقتصر الحديث عن دول الخليج  والأردن، مركِّزًا على العراق ولبنان لما فيهما من وضوح التناقض وقوَّة روح الفرقة والتشرذم والنزيف المتدفِّق من هذه الأمَّة التي تذبح كلَّ يوم على مذبح المذهبيَّة والشعوبيَّة والانعزاليَّة.

في ثقافة أقزام سايكس بيكو غالبًا ما تتناقض مفرداتهم السياسيَّة والثقافيَّة، فتارة يكرهون الفلسطينيِّين وينكِّلون بهم لأنَّهم، أي الفلسطينيِّين يمثّلون لبِّ مأساة العرب وأساسها، ويجسِّدونها ويذكِّرونهم بعروبتهم ووحدة العرب في التصدِّي للصهاينة، المستفيد الأوحد من سايكس بيكو. ولأنَّ أقزام سايكس بيكو يحقدون على العرب والعروبة لتمرير مشاريعهم الحاقدة والعميلة، لذا وجب شيطنة الفلسطينيِّين وخلق الأعذار والمسوِّغات لذبحهم. فالانعزاليُّون اللبنانيُّون اتَّهموا الفلسطينيِّين بمحاولة "سرقة لبنان واحتلاله"، والأعتداء على "لبنانيَّة لبنان". وأتُّهموا أيضًا بالأعتداء على الإسرائيليِّين، "الجيران المسالمين". في المقابل، ارتأى المشعوذون من شعوبيِّين ومذهبيِّين صفويِّين في العراق أن يشيطنوا الفلسطينيِّين بطريقة أخرى، وإن بالمسوِّغ الثقافي والنفسي ذاته. فعلى الرغم من أنَّ الفلسطينيِّين في العراق كانوا أقلَّ من خمسين ألف لاجئ بمن فيهم النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والعجزة، ادَّعى أهل الخطاب الصفوي والتشرذم في العراق أنَّ الفلسطينيِّين هم من أخمدوا ثورة أهل جنوب العراق ضدَّ النظام في ربيع عام 1991، وقَتل وسَحل ما يزيد على رُبع مليون شخص! وادَّعوا كذلك أنَّ الفلسطينيِّين كانوا حرَّاس صدَّام ومخابراته وغيرها من اتِّهامات باطلة لا يصدِّقها عقل ولا يقبل بها منطق. وهكذا تحت هذه الدعاوي الباطلة والحقد الطائفي المذهبي الشعوبي، وعلى مرآى ومسمع القيادات الدينيَّة والسياسيَّة، قتلوا المئات من الفلسطينيِّين، وشرَّدوا أكثر من خمسة عشر ألف عائلة لم تقترف ذنبًا، ولا تأتي بجريرة. المنطق نفسه، أو بالأحرى اللامنطق الذي طبَّقته دويلة الكويت برمي نصف مليون فلسطيني للصحراء بسبب مواقف عرفات السياسيَّة. وكنسخة مكرَّرة، لم تختلف عن موقف "سلطة الشعب القذَّافيَّة" في ليبيا عندما رموا ما يقارب من خمسين ألف فلسطيني إلى الصحراء على الحدود مع مصر بعد توقيع "اتِّفاقيَّة أوسلو" بين عرفات والكيان الصهيوني.

لذا، فشيطنة الفلسطينيِّين هي شيطنة فكرة العروبة والوحدة العربيَّة. وبالمقابل، تبرير وجود دويلات سايكس بيكو وثقافاته وعقلنتها من تعصُّب مذهبي وعرقي مزيَّفين - فينيقي وشيعي. لذا تراهم، أي أقزام سايكس بيكو يشيطنون ويهاجمون كلَّ من يحاول درء فتنهم، ووقف إجرامهم بحقِّ الأمَّة والدفاع عن حقيقة أنَّ الأمَّة قدرها الوحدة والتاريخ المشترك على أرضيَّة اللغة والعادات والتقاليد والمصير الواحد. فتارة نتَّهم بالعصبيَّة الأمويَّة (أي، كره الشيعة)، وتارة بالعمالة لنظام عربي أخذ على عاتقه الدفاع على الأمَّة. العمالة على سبيل المثال، للنظام السوري أو العراقي أو الليبي في بعض الأحيان. أضف إلى سلسلة التهم، "الشوفينيَّة والفاشيَّة" والتخلُّف والأحلام النرسجيَّة بالوحدة العربيَّة التي لن تتحقَّق بسبب جبروت الغرب وتقدُّمه. وما علينا إلاَّ الخضوع والسكون والقبول بما يُملى علينا. ففكرة ثلاث دويلات في العراق (واحدة شيعيَّة، وثانية سنيَّة، وثالثة كرديَّة)، وإقامة دويلات في كافَّة الوطن العربي ليست فكرة خبيثة تفتَّق عنها ذهن مفكِّر قومي أو صدَّامي أو أموي,، بل هي فكرة إذا لم نقل إنَّها بند أساس ذُكر في كتاب "الدولة اليهوديَّة" لثيودور هرتسل، مؤسَّس الحركة الصهيونيَّة وعرَّابها لإنشاء وطنها القومي على أرض فلسطين قبل مائة سنة.

إذا كان الولاء للأرض والشعب والتاريخ، والأمل بمستقبل أفضل من خلال ارتباط أوثق بالحاضر هو تهمة، فمن دواعي الشرف والاعتزاز أن أُتَّهَم بالأمويَّة والصدَّاميَّة والقوميَّة، وما سواها من نعوت تؤكِّد هذا الحبَّ والولاء. وشتَّان بين ما أُعاب به من لقطاء "سايكس بيكو" وما ينطيق عليهم ويؤمنون به من مصطلحات شعوبيَّة وانعزاليَّة يطلقها جزافًا أقزام "السرفيس" من عمائم سوداء ومتغرِّبين وغرباء في أوطانهم، يُسيَّرون قطعانًا لا تعرف سوى أكل الغثِّ والفضلات من موائد العجم والغرب والصهيونيَّة.

إنَّ أختزال تاريخ العرب وبلادهم بأحداث جرت ضمن نطاق زمني لا يمثِّل إلاَّ النذر اليسير من تاريخ يمتدُّ لآلاف السنين لهو كذب وافتراء وهرطقة ليس إلاَّ. ويتساوى مع الاختزال، الجهل بالتاريخ أو انتقاء نتفٍ منه لتأكيد الحقد على العروبة تاريخًا وفكرًا وانتماءًا. فلا يجب أن يغرب عن البال إطلاقًا أنَّ بني أميَّة هم أوَّل من أسَّس دولة عربيَّة على امتداد الأرض التي اعتنق سكَّانها الإسلام وارتضوا به دينًا، وتكلَّموا العربيَّة وجعلوها لسانهم الذي يخاطبون به الآخرين. وكأيِّ حكم أو نظام يتأثَّر بمجريات الأحداث الآنيَّة سواءً أكانت سياسيَّة أو دينيَّة مذهبيَّة أو عرقيَّة. وليس من العدل والإنصاف، نبش جثث مساوئ التاريخ لمعالجة قضايا الحاضر. فالثقافة الدينيَّة البغيضة التي سادت في مدَّة زمنيَّة قليلة في بدايات الحكم الأموي، ليست الدليل القاطع للحكم على عهد امتدَّ مئات السنين وكان باكورة الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة التي تمازج فيها دين السماء الوافد من أرض شبه جزيرة العرب مع حضارة الشاطئ السوري ووادي النيل، ثمَّ غربًا إلى الشمال الأفريقي ومنه إلى بلاد الأندلس.

وبغضِّ النظر عمَّا حمل الماضي في طيَّاته، فإنَّ الواقع الذي هو بالضرورة امتداد للمستقبل عليه أن يستلهم أحسن ما في التاريخ ليضمن أحسن ما يؤمِّن لنا العيش في وطنٍ، أو أوطان تسود فيها إنسانيَّة التعاليم الدينيَّة وتستوي على عصبيَّات المذهبيَّات البغيضة التي يغذِّيها حقد الطائفيَّة الصفويَّة الفارسيَّة لكلِّ ما هو عربي، وتعمل بكلِّ خبث ودهاء للهبوط بالعقول إلى الحضيض مدَّعية  أنَّ عرب الحاضر هم استمرار للثقافة الدينيَّة البغيضة التي شابت ذلك التاريخ الناصع في سجلِّ عهدٍ يُشهد له بمآثر أكثر من أن تُحصى. أمَّا ما ترتكبه عصابات الإجرام الصفويَّة الفارسيَّة في العراق بعد أن يسَّرت لها دبَّابات "الشيطان الأكبر" مهمَّتها من قتل وتشريد وتدمير وتخريب، وإن اتَّخذت المذهبيَّة ستارًا لإجرامها فهي ليست ثأرًا من الماضي أو تصحيحًا للحاضر، بقدر ما هي حقد كافر على أمَّة جاء كتاب الله بلسانها وأنزله على رسولٍ من بنيها. لذا، مع كلِّ ما لنا من مآخذ على نظام صدَّام حسين، فإنّ ما يجري في العراق الجريح على أيدي القتلة الصفويِّين الفارسيِّين، يظهر بأنَّ استراتيجية حكومة العراق ما قبل الاحتلال كانت صائبة فيما استشعرته من مخطَّطات الحقد الفارسي على العراق كيانًا وشعبًا وحكومة. ولا ريب أنَّ الحكومة العراقيَّة قد أرتكبت أخطاء فادحة كانت سببًا رئيسًا في وصول العراق إلى ما هو عليه الآن. وباختصار، فإنَّ استعمال اليد الحديديَّة في العراق مع العملاء وبيئتهم ودخول الحرب مع الأمريكان على الكويت كان من الأخطاء االكبرى التي دفع مئات الآلاف أرواحهم ثمنًا لها.

في النهاية، يتبيِّن لنا أنَّ الحل والربط لقضايانا نحن العرب كلَّنا أو حتَّى على صعيد الحوانيت الوطنيَّة لن يكون بالعمالة والتحالف مع الأجنبي أو امتطاء دبَّابته أو شرب الشاي معه، بل من خلال وضع لائحة الأولويَّات لوجودنا. فإمَّا عروبة ذات كرامة وعزَّة وشرف يتساوى فيها الجميع، أو وُطينٌ ذات ارتباطات أجنبيَّة وتاريخ وحقائق مشوَّهة يجعلنا أذلاَّء وعملاء متفرِّقين فتذعب ريحنا، ونغدو ملهاة للآخرين.

 

أوتاوا- كندا   

 
< السابق   التالى >