|
ناصيف نصّار بين الليبرالية والمنظور الآخر للحريّة
قراءة نقدية في كتاب ناصيف نصّار الجديد
«باب الحرية، انبثاق الوجود بالفعل»
إعداد: د. كنعان الخوري حنا
في 1-3-2004
في رواق الحريّة
لا أظن أن أحدًا من المثقفين المهتمين بالنقد الفلسفي، المؤدي إلى أحداث نهضة اجتماعية في العالم العربي، يمكنه أن يقف موقف اللامبالي حيال ما يكتبه ناصيف نصّار (في هذه المرحلة من تاريخ نشاطه الثقافي أو حتى في كل كتاباته السابقة)، ذلك أن موضوعاته وآراءه ومواقفه النقدية، شبيهة بالصدمة الكهربائية التي تحرّك في الجسم الحي الخلايا التي أصابها الوهن، لتستعيد قوتها ونشاطها، خاصة عندما يتعلّق الأمر بإصدار كتاب جديد يتناول موضوعًا من أدق وأخطر الموضوعات الفلسفية هو موضوع الحرية..
لا بد لكل من يقرأ «باب الحرية- انبثاق الوجود بالفعل» من أن يحاول الدخول منه ليجول في أرجاء الصرح الفلسفي الكبير الذي زيّن المؤلّف مداخله، وأحكم هندسة أقسامه، وفصوله بأسلوب رائع، جذاب، جديد. ولا عجب في ذلك، إذ ليس هذا الكتاب الأول الذي يمارس فيه نصّار النقد الفلسفي، ونرجو ألاّ يكون الأخير. فمنذ اللحظة الأولى التي كتب فيها اطروحته عن فكر ابن خلدون الواقعي، تفرّد في فهم نصوصه ونقدها عن كل من كتبوا عنها أو تناولوها بالنقد أو الشرح والتحليل. وعندما أصدر أول كتاب في بداية السبعينات من القرن المنصرم اختار له عنوانًا هو: «نحو مجتمع جديد»، ينمّ عن همّ كبير يسكن فكره وعقله، هو همّ النهضة الإجتماعية، الذي كرّس له أكثر من كتاب ومقال، ولا يزال حتى الساعة شغله الشاغل. وما كتابه المعنون «مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ» وكذلك كتابه المخصص بأكمله للبحث في «تصورات الأمة المعاصرة» إلاّ دليل على همّ النهوض بالفكر الإجتماعي والسياسي على صعيد العالم العربي كله. بالإضافة إلى ذلك كان يشغله همّ آخر لا ينفصل عن همّ النهضة الإجتماعية، بل هو في أساس بعثها، هو همّ النهضة الفلسفية، الذي دفعه إلى وضع كتاب جديد يرسم فيه طريق الإستقلال الفلسفي.
ومنذ تلك اللحظة بدأ «شيطان الفلسفة» يوسوس في عقله ويقول له: لماذا لا تتبعني فأجعلك واحدًا من الفلاسفة الكبار؟ وكما يستجيب الشاعر لربة الشعر أو للحظة الإلهام الشعري، استجاب نصّار لنداء «شيطان الفلسفة». وراح يتفحّص بعين الناقد الثاقبة ما كتبه فلاسفة الغرب الكبار، بعد أن تعمّق في دراسة مفكري عصر النهضة العربية الأولى، فتكوّن لديه موقف من التراث والحداثة والنهضة والفلسفة عبّر عنه في كتابه: «التفكير والهجرة» كما صاغ كتابًا آخر مارس فيه النقد الفلسفي بأبهى صوره هو "مطارحات للعقل الملتزم".
ثم راح بعد ذلك يسعى إلى تخليص الفلسفة من كل ما يخالطها أو يداخلها من أفكار، وبخاصة الفكر الايديولوجي، فوضع لذلك كتابين هما «الفلسفة في معركة الايديولوجية» و «الايديولوجية على المحك». وعندما اطمأن إلى أطروحته القائلة بضرورة الفصل بين الايديولوجيا والفلسفة، كتب أول نصّ فلسفي خالص هو «منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر». مع هذا الكتاب وبعده أصبح لما يقوله نصّار طعم آخر، هو طعم الفلسفة المرّ الذي لا يمكن أن تنساه إذا ما تذوقته، حتى ولو لم يكن هو الطعم الذي تشتهيه، أو هو طعم الفلسفة الشهي، الذي تمتزج فيه فلسفة النهضة بالنهضة الفلسفية.
ومما لا شك فيه أن عملية النهوض بالفلسفة والسير بها في طريق الاستقلال عن التقليد والمحاكاة والتبعية هي من أصعب الموضوعات، وأكثرها دقة ولطافة لأنها تحتاج إلى عناية ودراية لا تتوفران لكل الباحثين في كل حين.
وبما أن نصّار ليس من الذين يرمون الأثقال ويطلبون إلى الآخرين حملها، فقد آل على نفسه أن يباشر بالسير في هذا الطريق الشائق، الشائك، طريق الاستقلال الفلسفي. واختار أن يفتح بيديه بابًا للحرية يدخل منه إلى الفلسفة، والنقد الفلسفي من بابهما الواسع، كما يدخل منه إلى النهضة العربية الثانية. فكان كتابه الأخير: «باب الحرية، انبثاق الوجود بالفعل». كتاب جديد بعنوان جذاب، بأسلوب جديد، يفتح أمام المفكرين في العالم العربي كله، بل في عالم الفكر، بابًا جديدًا للفكر الفلسفي النهضوي، والفكر الفلسفي الكوني.
لكي أحسب أن هذا الباب الذي أراده بابًا للحرية، ستهب منه على نصّار رياح النقد والمعارضة والرفض من قبل بعض المفكرين السلفيين، والعروبيين، والماركسيين، الذين سلّط رياح نقده تجاه أفكارهم ومواقفهم وآرائهم. كما يمكن أن تهب عليه رياح التأييد والمباركة والارتياح من قبل الذين رأوا في نقده الفسلفي لكبار الفلاسفة من أمثال كانط وسارتر وماركس ورورتي وغيرهم، ما يخدم النهضة الفلسفية التي تتطلب إعادة النظر في النظريات والنظرات الفلسفية وطرحها مجددًا أمام العقل النقدي، بغية المساهمة الإبداعية في الفكر والعمل.
وإذا كانت رياح النقد أشدّ عصفًا من رياح التأييد التي سوف تهب من هذا الباب، فإن نصّار لم يأبه للمثل الدارج القائل: «الباب الذي تأتي منه الريح سدّه واستريح»، فقد شرّع صدره للريح كمن يقول: «يا جبل ما يهزّك ريح».
كتاب لا يمكن أن تقرأه دون أن تتوقف عند كل فصل من فصوله بل كل فكرة من أفكاره بحيث يبدو لك نسيج خيوط الأفكار فيه نسيجًا متماسكًا، لا يترك لك مجالاً لتسأل أو تتساءل، وكأنه يسكن في عقلك، ويطرح نيابة عنك أسئلة، ثم يجيبك عنها، وكأنه يقف أمامك وجهًا لوجه ويقرأ ما يجول في خاطرك ويلاحق قسمات وجهك ليقرأ فيها مدى رفضك أو قبولك.
فأنت مضطر أن تتوقف أمام «باب الحرية» مرتين، مرّة لكي تتضح لك صورة المشهد الفلسفي بكل أبعاده، ومرّة أخرى لتعبّر فيها عن إعجابك بروعة ما قرأت ورأيت، أو لتعبّر عن تخفّظك حيال بعض ما جاء فيه. ومهما كان رأيك فيه أو موقفك منه، رفضًا أو قبولاً، فإن الكتاب وفي كلتا الحالتين يبدو مدهشًا أخاذاً في تبويبه، وفي اختيار عناوين فصوله، التي استوحى فيها المؤَلِف الطريقة الخلدونية في صياغتها، وهي طريقة تمتاز بالدقة المتناهية، والصدق في تأدية المعنى المطلوب بحيث تلحظ أن في حرف الجرّ «في» التي تتصدر عنوان كل فصل سمة التواضع في البحث والإيحاء أن ما يقوله المؤلف ليس «نهائيات» غير قابلة للمراجعة. وهذا ما يدفعك دفعًا إلى متابعة الفكرة الفلسفية النقدية الواردة فيه بعناية فائقة، ويقظة عقلية عالية، بغية استيعاب مضمونها وفهم أبعادها ومراميها، في محاولة هادفة للمشاركة في نقد النقد أو تبنّيه.
ولا أخال أحدًا من القراء لا ينجذب إلى قراءة فصل بعنوان: «في أن الشعوب العربية تحتاج إلى نهضة ثانية» ليعرف لماذا تحتاج هذه الشعوب إلى نهضة ثانية، وما هي النهضة الأولى؟ ولماذا لم تكن كافية حتى تحتاج إلى نهضة ثانية؟ وما هي شروط هذه النهضة ومن يقوم بها؟ ثم ينقلك إلى فصل آخر يوضح لك بعض معالم الطريق بعنوان: «في ان النهضة العربية الثانية تستوعب ثنائية التراث والمعاصرة وتتجاوزهما» لتعرف كيف يمكن تجاوز التراث والمعاصرة معًا. ثم ينقلك إلى فصل آخر بعنوان «في الخوف من الحريّة...»، وآخر «في عظمة الحرية وضعفها»، وآخر «في أن الحرية شرط أصلي للفعل وليست غاية لذاتها»، وآخر «في أمراض الحرية» وغيرها من العناوين اللافتة في الشكل والمضمون.
قد لا نبالغ إذا قلنا أن هذا الكتاب جديد، بكل ما جاء فيه وجريء في تصدّيه لموضوع العولمة، ودعوته إلى ضرورة التعامل معها، لآ من منطلق العداء، ولا من منطلق القبول والتبنّي الأعمى الذي يلغي شخصيتناالمجتمعية المميزة. وهو أكثر جرأة في جعل الحرية موضوعًا للتفكير عن طريق ممارسة النقد للليبرالية الغربية، وإعادة بنائها من جديد.
وهنا تكمن أهمية هذا العمل وخطورته في آن، وتدفعنا إلى التساؤول عن النظرة الفلسفية التي ينطلق منها نصّار في معالجته موضوع الحريّة. هل ينطلق من النظرة الفردية الى الإنسان، على أساس أن الإنسان- الفرد هو مركز الدائرة في الوجود والمرجع الأول والأخير لكل نشاط إنساني فكري أو عملي؟ أو بتعبير آخر هل أن الفرد هو أساس هذا الوجود استنادًا إلى مقولة الخلق المستقل؟ وأن كل شيء في الوجود الإنساني ينطلق من الفرد ويعود إليه؟ بمعنى أن الفرد هو الغاية النهائية في الوجود البشري؟ وبالتالي فإن القيم الاجتماعية كالخير والحق والجمال والحرية هي قيم فردية بالمعنى السفسطائي الذي يجعل الحقيقة نسبية وفردية، كما يجعل القيم نسبية وفردية؟
ما هي الذات التي يتحدث عنها نصّار في «باب الحريّة»؟ ذات من؟ وماذا يعني بقوله: «إن الحريّة موضوع خبرة كيانية وممارسة تاريخية»؟(1) ما هي هذه «الكيانية»؟ كيان من؟ كيان الفرد أم كيان المجتمع؟ أم كيان الإنسانية؟ وماذا يعني بالممارسة التاريخية؟ هل ممارسة الأفراد للحرية وتطوّرها في التاريخ هو المقصود؟ أم ممارسة الحريّة بالمعنى الاجتماعي، وتمتع الأفراد بهذه الحرية التي حددها المجتمع والسلطة السياسية فيه؟
ما هو المقصود بكلمة «إنسان» تحت قلم نصّار هل هو الفرد أم الإنسان- المجتمع؟ أم الإنسان كنوع؟ حين يقول: «نحتاج إلى النظر في الحرية كصفة جوهريّة للإنسان في علاقته مع ذاته ومع الآخر، ومع الطبيعة، ومع المطلق.»(2) من هو الآخر؟ هل هو فرد أم جماعة؟ وماذا يعني بعلاقة الإنسان بالمطلق؟ هل المطلق هو الله أم ماذا؟. أسئلة كثيرة لا بد من الإجابة عنها، يضاف إليها أو يتفرع عنها سؤال آخر هو نوع الحريّة التي يتحدّث عنها. هل هي حريّة الفرد أم حرية المجتمع، أم حريّة النوع الإنساني؟
في جواب سريع يمكن القول إن نصّار يتبنّى مصطلح الليبرالية بمفهومه الغربي للحريّة. (3) أي بوصفه نظامًا اجتماعيًا قائمًا على مبدأ الحرية الفردية، فهو يرى أن «الليبرالية الغربية أعطت الحرية في الوجود الإنساني منزلة لم تكن لها في التراثات السابقة للعصور الحديثة... وقد تكوّنت بتقديم مبدأ الحريّة الفردية على غيره من المبادئ في الوجود الإنساني، وبجعله عامًا جميع أفراد البشر»(4) أما لماذا إعطاء الأهمية للمفهوم الغربي للحرية؟ وهل يمكن ان ينحصر التفكير في الحريّة بمبدأ الليبرالية الغربية الحديثة وحده؟
الجواب: - بالطبع لا «فالتفكير في الحرية لا ينحصر في الليبرالية، كذلك لا ينحصر التفكير الليبرالي في الحياة الاجتماعية في ليبرالية الغرب، أو بالأحرى في ليبراليات المجتمعات الغربية.»(5) مما يعني أن الباب مفتوح أمام المجتمعات العربية أو غيرها من المجتمعات، للمشاركة الفعّالة في إنشاء أشكال متعدّدة لليبرالية، دون أن يكون كل مجتمع مدعوًا بالضرورة، إلى إنشاء ليبرالية خاصة به، وذلك لأن «تسارع التغيرات التي تجري في اتجاه توحيد أسواق الدول القومية أو المحلية في سوق عالمية شاملة واحدة، يضع جدلية الكونية والخصوصية أمام حالات جديدة توحي أحيانًا بأنه لم يعد مجديًا التمسّك بما يمكن أن يسمّى الطرق القومية أو المحلية الخاصة إلى الليبرالية، أو التلوينات القومية أو المحلية الخاصة لليبرالية»(6)
وهنا لا بد أن نتساءل هل توحيد أسواق الدول القومية أو المحلية في سوق عالمية شاملة واحدة، يلغي وجود مجتمعات بشرية متمايزة؟ هل معيار الكونية اقتصادي فحسب؟ ثم هل هذه السوق العالمية الشاملة تلغي خصوصيات الدول القومية، وتزيل الفوارق والتمايزات التاريخية والثقافية والاجتماعية بين دول العالم كله، بمجرّد أن تتأمن الحرية الفردية لأفراد هذه المجتمعات؟ وهل تلغي هذه السوق العالمية إمكانية مشاركة المجتمعات المتعدّدة بصورة فعّالة في تطوّر وتقدم البشرية، وفي تطوير مفهوم الحرية، بطريقة مختلفة عن الشكل الليبرالي القائم على تقديم مبدأ الحرية الفردية، على غيره من المبادئ الأخرى؟
مع اعتراف نصّار بإمكانية مشاركة كل الشعوب في عملية إغناء الليبرالية. ومع اقتناعه «بأن العولمة لم تقرع حتى اليوم، ولن تقرع في القريب العاجل، ناقوس موت الدول القومية، البسيطة أو الفدرالية، الصغيرة أو الكبيرة، (فإنه لا يرى) أن الإسهام في إغناء التفكير الليبرالي يقتضي توزيع أشكال الليبرالية في العالم على أساس اعتبارات قومية أو إقليمية»(7) لماذا؟ «لأن المعيار لتعدد الأشكال في الليبرالية هو نوع الحرية الفردية، أي التفسير المعطى لطبيعة الحرية الفردية ومجالاتها وحدودها في الحياة الاجتماعية»(8) فما هو التفسير الذي يعطيه نصّار لطبيعة الحرية الفردية؟
النهضة الفلسفية تفتح بابًا آخر للحريّة
مما لا شك فيه أن إعطاء تفسير جديد لطبيعة الحرية الفردية متميّز عن مفهومها المستمدّ من الليبرالية الغربية يشكل خطوة متقدمة على طريق الاستقلال الفلسفي، ويدلّ على أن صاحبها قد بدأ فعلاً خوض غمار التجربة الفلسفية، التي قادته إلى إعادة بناء حقل الحرية على أسس جديدة، وإعادة بناء الليبرالية على أسس جديدة تجعلها صالحة لبناء نهضة عربية ثانية، وإعطاء مفهوم جديد لاجتماعية الإنسان . والنظر إلى العولمة والتعامل معها من منظور مختلف. وكل ذلك يحقق هدفين أساسيين هما: أولاً: النهوض بالفلسفة والنقد الفلسفي عن طريق البحث المستقل، والتأمل المباشر في المشكلات الفلسفية التي تناولها المفكرون والفلاسفة الكبار من قبل، أو في المشكلات الفلسفية والسياسية، والاجتماعية، التي تحتاج إلى تأسيس فلسفي. وثانيًا محاولة الإسهام في إحداث نهضة حقيقية للشعوب العربية التي ترزح تحت وطأة الاحتلال والاستعمار الخارجيين، كما تعاني من حالات التخلف والتجزئة والتناحر والتفسخ في بنية مجتمعاتها الداخلية.
بناءً عليه يمكن أن يتفهم الباحث المدقق المرامي الفلسفية والاجتماعية البعيدة أو القريبة والمباشرة التي يبغي المؤلف التوصل إليها.
فعلى الصعيد الفلسفي، وبعد أن رسم لنفسه طريق النهضة الفلسفية، كما حدّدها في كتابه الشهير «طريق الاستقلال الفلسفي»، بدأ السير فيها بخطى ثابتة ورؤية واضحة، فشدد على ضرورة استقلال الفلسفة عن الإيديولوجيا، و «ضرورة اكتشاف الطريق التي تؤدي إلى تحرير الوعي الفلسفي فينا، وإلى تأسيسه على أساس من حياتنا الاجتماعية التاريخية العميقة... أكثر مما ( تجعله مؤسسًا على) تاريخ الفلسفة ومدارسه، القديمة أو الحديثة أو المعاصرة» (9)
فما يكتبه نصّار في هذه الآونة من نشاطه الفكري، ليس تأريخًا للفلسفة، وليس اتباعًا لمذهب فلسفي معيّن، إنما هو بحث جاد في كيفية التخلص من التبعية والتقليد، والسير في نهج فلسفي مستقل، يمكّنه من المساهمة الإبداعية في النشاط الفلسفي، الذي يحتاج، أكثر ما يحتاج، إلى الخلق والإبداع. ومن يقرأ كتابه (منطق السلطة) يرَ مدى تماسك وتكامل نصه الفلسفي، الذي تناول فيه مفهوم السلطة وتمايزه عن معنى السيطرة
ومصدر السلطة السياسية وعلاقتها بالسلطة الدينية. واستطاع أن يقرر استنادًا إلى نظرة جديدة إلى الدين ودوره في الحياة الاجتماعية والسياسية، بأن مصدر السلطة السياسية هو الشعب وليس الله، أو الشرع. «فالسلطة السياسية سلطة دنيوية من ألفها إلى يائها، دنيوية المصدر ودنيوية الغاية، إذ أن مصدرها لا يتعدّى طبيعة الوجود الاجتماعي، وغايتها لا تتعدّى الشرط الاجتماعي لسعادة الإنسان في هذه الدنيا.»(10)
وإذا كان المؤلف، في كتابه منطق السلطة، قد انكب على دراسة السلطة السياسية، بهدف تقديم نموذج يحسن الرجوع إليه في تحليل سائر أنواع السلطة، فقد ركز في كتابه الجديد(باب الحريّة)، على البحث في موضوع الحرية بحثًا نظريًا فلسفيًا يصلح أن يستخدم كقاعدة ينطلق منها الباحث الاجتماعي في التطبيق العملي. إذ ليس البحث الفلسفي هدفًا بحد ذاته، حتى ولو كان «التفكير في هذا الكتاب يتجه إلى تغليب النظر في الحرية في حدّ ذاتها... ويدور على الحريّة كأصل، لا على الحريّة كفروع، مع علمه بأن العلاقة بين الحريّة وفروعها ليست من الأصل إلى الفروع فقط، بل هي أيضًأ من الفروع إلى الأصل»(11) أي بحسب الميادين التي يمكن أن تمارس فيها الحريّة، فإنه لا يبحث في الحريّة من أجل الحريّة. ذلك أن الحريّة للحريّة، كالفن للفن. بل من أجل أن تكون الحريّة بابًا «للنهضة العربية الثانية». على حد تعبير المؤلف نفسه، حين يقول: «لقد كان همي القريب، عندما تكونت عندي فكرة هذا الكتاب، أن أجعل القارئ العربي يتفهم أن مسار العمل للتقدم، وبالتالي للتغلب على حالة التخبط والضعف وهدر الوقت، هو مسار استئناف مشروع النهضة العربية التي امتدت حركتها حتى أواسط القرن الماضي، استئنافًا أكثر رديكالية وأشد تفهمًا لمقتضيات الفعل والحداثة والمشاركة في المسار الحضاري الكوني، وأن مفتاح العمل لما يمكن أن ينتج من هذا الاستئناف، وهو ما أسميه النهضة العربية الثانية، إنما هو الحرية.»(12)
فما هي هذه الحرية التي يتحدث عنها؟ هل هي حريّة الفرد أم حريّة المجتمع؟ أم حريّة الفرد في مجتمعه؟ أم هي حريّة الفرد كفرد في «المجتمع الكوني»؟ ما هي المهمة التي تنكب لها المؤلف وما هو الجديد الذي توخّى إضافته في مقاربته لموضوع الحرية؟
لا يدعي المؤلف ابتداع نظرية جديدة في الحرية، لا تأخذ بعين الاعتبار كل الجهود الفلسفية السابقة، بل يسعى إلى نقد المفاهيم والأفكار والنظريات المتداولة في الغرب، ويحاول استبقاء العناصر التي يراها صالحة ومفيدة، واستبعاد ما يراه غير صالح، ومن ثمّ يضيف إليها عناصر أخرى لم تكن موجودة أصلاً. وهذا ما يسمّيه بـ«إعادة بناء حقل الحريّة» «الذي يشمل بالدرجة الأولى فكرة الحريّة، مبدأ الحرية ومذهب الحريّة»(13)
فما هي مستلزمات عمليّة إعادة البناء هذه، وما هو الجديد فيها؟ يسارع المؤلف إلى إيضاح أن مهمة إعادة البناء تستلزم القطيعة الكاملة مع تراث الاستبداد، القديم والحديث، والقطيعة مع كل ما يمت بصلة إلى الدولة الدينية في جميع أشكالها. لكن «إعادة البناء تستبعد القطيعة الكاملة مع التراث الليبرالي، الذي هو جزء لا يتجزأ من تراث البشرية، والذي لا يمكن التفكير في الحرية، ولو بصورة نقدية، إلا بالنسبة إليه، إن لم يكن انطلاقًأ منه. فالتواصل مع هذا التراث، بما فيه من محاولات ظهرت في عصر النهضة العربية الأولى، ومن طموح حالي يستغل العولمة للإمتداد على المعمورة كلها، ضروري من الوجهتين الفلسفية والواقعية.» (14)
ما هو هذا التراث الليبرالي الذي لا يمكن التفكير في الحريّة إلاّ انطلاقًا منه؟
وهل كل من يدافع عن الحريّة في الوجود الإنساني يسمّى ليبراليًا؟ وهل أن الليبرالية هي التي اكتشفت الحرية في الوجود الإنساني؟
في الجواب عن هذه الأسئلة يؤكّد نصّار أن «لفكرة الحريّة تاريخ طويل في التراث الأسطوري والتراث الديني والتراث الفلسفي قبل العصور الحديثة، وقبل أن يستخدم الغرب مصطلح الليبرالية التي تكوّنت بتقديم مبدأ الحرية الفردية على غيره من المبادئ في الوجود الإنساني، وبجعله عامًّا جميع أفراد البشر.»(15) وهذا يعني أن الليبرالية ليست أول من اكتشف الحريّة في الوجود الإنساني وليست هي «الشكل النهائي للدفاع عن الحرية الفردية»(16) وما هي إلا مصطلح استخدمه الغرب، ولم يجد نصّار غضاضة في استخدامه كمصطلح فلسفي، يطلق على كل من يتبنّى ويدافع عن مبدأ الحريّة الفردية، ليس حبًا بهذه اللفظة التي حاول أن يتجنبها قدر المستطاع، كما يقول، بل لأنه لم يجد «حتى اليوم لفظة عربية قديمة أو مستحدثة، لتسمية المذهب المتعلق بها، تفي بالمراد كما هي حال الليبرالية في اللغات الغربية»(17)
وفي أي حال فإن العبرة في المضمون الذي تبنّاه، وهو مبدأ الحرية الفردية، لكنه لم يتبنّاه دون تعديل أو إعادة نظر في الأسس التي تقوم عليها الحرية الفردية، وفي النتائج التي تترتب عليها على الصعيد الاجتماعي، فكتب يقول: «لا يعتقد أحد من مفكري الليبرالية أن إقامة النظام الاجتماعي على مبدأ الحريّة الفردية يرمي إلى تمكين كل فرد من أن يعيش وحده، في انعزال كامل عن غيره. ولكن فهم الحالة الاجتماعية على أساس نظرية العقد الاجتماعي ليس ذلك الفهم الذي من شأنه أن يرشدنا إلى كيفية التخلّص من مخاطر الفردانية التذررية ومساوئها»(18)
ما يرفضه نصّار ليس مبدأ الحرية الفردية، بل مبدأ «الفردانية» في الحريّة. التي تعني التفلّت من أي قيد أو شرط أو ارتباط بأي مرجع أو مصدر آخر غير الفرد نفسه. ويقترح بديلاً من ذلك قيام علاقة تفاعليّة بين الفرد والجماعة، علاقة «جدليّة مفتوحة بين الأفراد والجماعات التي يؤلفونها. إذ ليس الفرد الإنساني ما هو عليه إلا بالنسبة إلى جماعة، وليست الجماعة ما هي عليه إلا لأنها مؤلفة من أفراد على نحو معيّن. التفاعل بين الفرد والجماعة ليس تفاعلاً بين طرفين موجودين الواحد منهما خارجًا عن الآخر، بل هو تفاعل بين طرفين الواحد منهما داخل في الآخر وشرط لوجوده..»(19)
يتضح من هذا النص مدى الأهمية التي يوليها نصّار لدور الفرد في المجتمع ومدى أهمية الحريّة الفردية في عملية التفاعل بين الفرد والجماعة. فالفرد الحرّ له تأثيره الفاعل في تحقيق حرية الجماعة. والجماعة الحرّة تجعل الفرد يتمتع بالحريّة. هذه الجدلية المفتوحة بين الأفراد والجماعات هي التي تضع الحريّة الفردية في مرتبتها الحقيقية في الوجود الإنساني لأنها لا تسلب الفرد حريّته وتجعله كخليّة في جسم المجتمع، الذي يشبه الجسم الحي. كما لا تحوّل الحريّة الفردية إلى ليبرالية فردانية متفلتة من كل قيد أو شرط أو مسؤولية. وبذلك يكون نصّار قد مارس عمليّة النقد الفلسفي للنظرة الليبرالية بهدف إعادة بنائها من جديد.
في أن نقد الليبرالية لا يعني إلغاء الحريّة الفردية.
لم يغب عن بال نصّار وهو يقوم بهذه العملية النقدية البنائية، ما يمكن أن يتعرّض له من نقد في تبينه المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الليبرالية، وهو مبدأ الحرية الفردية. لذلك قرّر التصدّي لممارسة نقد المفهوم الغربي لليبرالية وإعطائها تفسيرًا مختلفًا. وبما أن أنطون سعادة هو من أبرز المفكرين الذين مارسوا نقد النظرة الليبرالية الغربية، فقد لجأ منذ سبعينات القرن الماضي إلى قراءة وتحليل مضمون هذا النقد الموجه من سعادة إلى نظرتها الفردية، وبخاصة الى النظام الرأسمالي المتولد من مبدأ الحرية الفردية في المجال الاقتصادي، واختار لذلك بعض النصوص التي تدل على قبول سعادة ببعض إنجازات الغرب، ونقل عنه النص الذي يقول فيه: «إن الآلة الحديثة بطبيعتها وعملها ليست مستعبدة للإنسان وقواه، بل محررة للإنسان من قيود الإنتاج المحدود. ولكنّ النظام الذي اتبعه الإنسان بعد نشوء الآلة هو الذي استعبد الإنسان بدلاً من أن يزيد حريته ونشاطه وفاعليته»(20)
وفي شرح هذا النص يرى نصّار أن «النقد يصيب النظام الرأسمالي المتولد من مبدأ الحرية الفردية في المجال الإقتصادي... الذي أدى إلى نظام حرب الطبقات بدلاً من أن يكون نظام المجتمع الموحّد المنسجم» (21)
وبالفعل هذا ما قصده سعادة الذي اعتبر «أن نظام الطبقات الرسمالي لم تكن له نتيجة اجتماعية غير الحفز على نظام حرب الطبقات ... والحرب بين الطبقة الرسمالية والطبقة العاملة ليست حلاً لمشكلة الاجتماع الإنساني الإقتصادي ولا تحقيقًا لمصالحه النفسية واتجاهاته الروحية ومقاصده المثلية» (22)
وفي رأي سعاده أن الحلّ يكون بإحداث «نظام جديد للمجتمع الإنساني يزيل (كل) التشنجات والاضطرابات (الناتجة عن نظام الطبقات) ويفسح المجال لتفاعل ينمي الحياة ويقويها ويجعلها صالحة للإنسان ومصالحه النفسية والمادية»(23)
يوافق نصّار سعادة في ضرورة إحداث «نظام جديد للمجتمع الإنساني»، لا يقوم على أساس الحرية الفردية المطلقة، ذلك «أن تسلط النظرة الفردية يؤدي إلى التراخي والفوضى وضعف المجتمع»(24) وما يجعل الحاجة إلى هذا «النظام الجديد»، برأي نصّار، أكثر إلحاحًا هو مسألة التحرر القومي، فهو يرى: «أن مشكلة المجتمعات التي تحقق فيها النظام الرأسمالي وتحققت فيها الدولة الديمقراطية القومية، تختلف عن مشكلة المجتمعات الناهضة... وعليه يصبح من المحتم على الأمم الناهضة، الثائرة على الإستعمار وآثاره، أن تأخذ بالنظرة الجماعية إلى الحياة الاجتماعية. بدون خوف من تهمة التخلف الفكري»(25). وبما أن الأمة السورية هي من الأمم الناهضة التي تسعى إلى التحرر القومي، فقد أصبحت الحاجة ملحة إلى نظام جديد للإجتماع الإنساني وهذه «الوجهة، أي وجهة التحرر القومي، التي ينظر سعادة من خلالها في الأيديولوجية الليبرالية، تساعده على إظهار تفوّق نظرته الاجتماعية على النظرة الليبرالية في معركة النهوض والتقدم»(26).
لم يقل نصّار أن نظرة سعادة الجديدة للإجتماع الإنساني قد أملتها ظروف تاريخية معيّنة، كالاحتلال أو الاستعمار، وعندما تتبدل أو تتغيّر هذه الظروف التاريخية تنتفي الحاجة إليها، أي عندما تصبح الأمة ناهضة وقد تحققت الدولة الديمقراطية القومية، تنتفي الحاجة إلى نظام جديد للمجتمع الانساني، بل كان دقيقًا في فهم نظرة سعادة إلى الإنسان - المجتمع. حيث يقول في شرح النظرة:«... ليس المجتمع مجرد مجموع أفراد وليس عقدًا بين أفراد، إنما هو واقع كلي موضوعي يتجاوز الفرد ويحدد نوعية علاقاته مع الأفراد الآخرين ومع الكل المجتمعي»(27) لكن هذا الكل المجتمعي لا يلغي دور وأهمية وجود الفرد، وحريّة الفرد، في نظرة سعاده إلى الإنسان - المجتمع. كما أن سعادة، بالرغم من نقده لليبرالية الرأسمالية، لم يتخلَّ عن الإنجازات التي أحدثتها في المجتمعات الغربية. وقد لاحظ نصّار أن سعاده عندما يصف «الحركة الليبرالية، في معرض تحليله لنشوء القومية (يصفها) وصفًا مليئًا بالحماسة والإعجاب»(28). لأنها مهّدت لقيام الدولة الديمقراطية الحديثة.
فإذا كانت العقيدة الاجتماعية «تنظر إلى الإنسان من زاوية الحقيقة الإنسانية الكبرى- حقيقة المجتمع، لا من زاوية الفرد، الذي هو، في حد ذاته، وضمن ذلك الحد، مجرّد إمكانية إنسانية.»(29)
وإذا كان «الفرد من المجتمع، المجتمع هو الكل الذاتي»(30)
وإذا كانت «مسألة أسبقية الجماعة على الفرد، في نظر سعادة، من الناحية التاريخية الاجتماعية العلمية، مسألة لا جدال فيها».(31)
فإن كل ذلك لا يعني برأي نصّار «انسحاق الفرد وتلاشيه في وحدة المجتمع. لقد حارب سعاده فكرة الفناء في وحدة الوجود، ولا يوجد أي مبرر عنده لكي تنقلب إلى فكرة الفناء في وحدة المجتمع. إن الظاهرة الشخصية الفردية أساسية في تكوين الإنسان، ولا توجد طريقة لمحوها إلا بتغيير الوجود الإنساني.»(32)
وبالفعل فإن القول بأن الفرد هو مجرّد إمكانية إنسانية في المجتمع «لا تعني لنا قوّة كامنة، فيها مكنة للصيرورة لتصبح فعلاً، وتتكامل في ذاتها. ليست لفظة الإمكانية مترجمة، وليست مرادفة للفظة potentiality الأجنبية. الفرد في النظرة القومية الاجتماعية إمكانية إنسانية فاعلة في المجتمع، في الإنسان الكامل المتفاعل بإرادة التحقيق الحياتي، في تحقيق مرامي المجتمع، المرامي العليا اللامحدودة.»(33)
إذن، فلا يمكن، إلغاء دور الفرد كإمكانية فاعلة في المجتمع. وقد لاحظ سعادة في معرض مقارنته بين الاجتماع الإنساني والتجمهر الحيواني، بصرف النظر عن الناحية البيولوجية، وجود «ظاهرتين في الاجتماع الإنساني مفقودتين في غيره هما استعداد الفرد لبروز شخصيته واكتساب الجماعة شخصيتها التي تكونها من مؤهلاتها الخاصة وخصائص بيئتها. وهاتان الظاهرتان الأساسيتان اللتان تميزان الاجتماع البشري تمييزًا شديدًا بخصائصهما لا وجود لهما في عالم الحشرات والحيوانات الدنيا ولا في عالم الحيوانات العليا»(34)
وفي معرض تحليل نصّار لهذا النصّ يرى «أن سعادة لا يضع الشخصية الفردية والشخصية الجماعية في المستوى نفسه من حيث التحقق والبروز. فهو يتكلم على «استعداد» الفرد لبروز شخصيته، بينما يتكلم على «اكتساب» الجماعة شخصيتها. وهذا يعني أن بروز شخصية الفرد تابع لشروط وأوضاع معينة، وأن تكون شخصية الجماعة سابق عليه»(35)
ما أراد نصّار إبرازه والتشديد عليه من خلال هذا النص أن سعاده يعتبر الظاهرتين كليهما «أساسيتين» «وهذا يعني أن ظاهرة الشخصية الفردية ليست ظاهرة فرعيّة أو ثانوية. إنها ظاهرة قائمة بنفسها، تتمتع بخصائصها الذاتية،... كما أن ظاهرة الشخصية الجماعية قائمة بنفسها وتتمتع بخصائص ذاتية. فالمشكلة إذن ليست في إثبات وجود الشخصية الفردية أو في نفيها، لكن في العلاقة بين شخصية الفرد وشخصية الجماعة»(36). وهكذا يعتبر نصّار أن وجود الشخصية الفردية أمر مسلم به كجزء من الشخصية الاجتماعية، أو كجزء من المجتمع. وليس كشخصيّة مباشرة من الله، كما يقول برديايف في كتابه «العبودية والحريّة» الذي يعتبر أن (الشخصية «الفردية» ليست جزءًا من المجتمع، كما أنها ليست جزءًا من السلالة) ويضيف قائلاً: (إن الشخصية «الفردية» لا تنشأ من العائلة والنظام الكوني، إنها ليست مولودًا من أب وأم. إنها تنشأ من الله، فهي تظهر من عالم آخر).(37)
وإذا كان سعادة يعتبر أنه من البديهي «أن لكل فرد نفسية أو عقلية خاصة مستقلة»(38) فإنه لم ينفِ تأثير الجماعة التي تطبع الفرد بطابع نفسي يحمل خصائص نفسيتها، وكذلك لم ينفِ نصّار علاقة الفرد بالجماعة، لكنه قال بأن قوة وفاعلية علاقة الفرد بالجماعة غير محدّدة بصورة حتمية. ولم يقل في أي مكان من كتاباته ما قاله برديايف، وبالتالي لا يصحّ أن يصنّف كلام نصّار عن الفرد والشخصيّة الفردية، في خانة مذهب برديايف الفردي القائل: «بأن كل فرد هو شخص وبالتالي هو شخصيّة... منبثقة رأسًا من الله، وليس من النوع الإنساني أو المجتمع الإنساني أو بواسطة النوع الإنساني أو المجتمع الإنساني.»(39)
يعتبر نصّار أن شخصيّة الفرد قد نشأت في المجتمع، وبعد نشوء شخصيّته أصبح «يتمتع بقدرة على التجاوب مع حياة الجماعة غير محددة بصورة حتمية، إذ أنها مشروطة بنوعية إدراك الفرد لذاته، ولعلاقته بجماعته وإدراكه لشخصيتها ونفسيتها ومصلحتها ووضعيتها العامة»(40).
وإذا صحّ هذا التحليل الذي يقدمه نصّار يكون من السخف، برأيه، «الإدعاء بأن فكر سعادة الاجتماعي لا يعترف للفرد بدور فعّال في الحياة الاجتماعية، فالمهم (في نظره) هو ما يشعر به الفرد، ما يتصوّره ويقصده، في علاقته بجماعته. إذ ان الفرد يستطيع، في وجوده الاجتماعي، أي ضمن الأسبقية الواقعية الاجتماعية التي لجماعته، اعتبار نفسه مقدمًا على جماعته، أو اعتبار جماعته مقدمة عليه، أو اعتبار نوع آخر من الارتباط بين الفرد والجماعة.»(41)
وفي هذا القول دلالة على أن مفهوم الشخصيّة الفردية عند نصّار يختلف تمامًا عن مفهومها عند برديايف الذي يرفض أن يكون المجتمع والطبيعة هما اللذان يقدمان المواد لتكوين الشخصية (الفردية). يقول برديايف: «قد يقال إن المجتمع والطبيعة يقدمان المواد لتكوين الشخصية الفردية. ولكن الشخصية هي تحرر من الاعتماد على الطبيعة ومن الاعتماد على المجتمع والدولة. إنها تقاوم كل تعيين لها من الخارج إنها تعيين من الداخل. حتى من الداخل هي تعيين ذاتي. حتى أن الله نفسه لا يقدر أن يحدثه. الشخصية الفردية هي المرتكز الوجودي المطلق فهي تقرر نفسها من الداخل، في معزل عن كل العالم الوضعي.»(42)
تختلف هذه النظرة إلى الشخصية الفردية التي يقول بها برديايف عن نظرة نصّار التي لا تنفي العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع وبينه وبين الطبيعة أو بينه وبين الدولة.
وأمّا كيف يمكن للفرد أن يعتبر نفسه مقدمًا على جماعته، ضمن الأسبقية الواقعية الاجتماعية التي لجماعته عليه؟ فأمر يمكن فهمه - بالرغم من أن نصّار لم يشرح كيفيّة حصوله - على أساس الدور الذي يقوم به الفرد على الصعيد الإبداعي في مجتمعه، لأن الفرد يتمتع بقدرة، غير محددة بصورة حتميّة، على التجاوب مع حياة الجماعة. وهذا ما يصحّ على سعادة بالذات الذي هو فرد أو إمكانية من إمكانيات المجتمع، لكنه استطاع أن يكون كاشفًا عن حقيقة الأمة ومعبرًا عن شخصيتها. فإذا كان هذا هو المقصود باعتبار الفرد (أي فرد مُبدع) مقدمًا على جماعته تقدمًا وظيفيًا طبيعيًا نابعًا من طبيعة عمل الفيلسوف المبدع وليس تقدمًا في القيمة عندها يمكن أن يكون مفهومًا ومقبولاً، لأن الأمة هيئة اجتماعية واحدة متكاملة لا تفاضل بين أفرادها إلاّ بمقدار ما يؤدي كل فرد دوره أو وظيفته فيها. ولا يجوز أن نفهم فكرة التقدم بصورة فردانية ترمي إلى إعلاء وتقدم وارتفاع الفيلسوف عن جماعته - أمته. فالشاعر أو الفيلسوف ليس زهرة في جمجمة.
باختصار شديد وعلى ضوء فهمنا لما يقصده نصّار بالشخصية الفردية، يمكن أن نقول إن ما جاء في كتابه «طريق الاستقلال الفلسفي» يعتبر مقدمة لما يكتبه الآن في «باب الحرية». فالكلام عن الحرية الفردية ضمن حرية المجتمع، أو في إطار حرية المجتمع، واعتبار ظاهرة الشخصية الفردية ظاهرة أساسية مستقلة عن ظاهرة الشخصية الجماعية، أي أنها ظاهرة يمكن دراستها باستقلال عن دراسة الشخصية الجماعية، والحديث عن بعض الإنجازات الباهرة التي أحدثتها الليبرالية، والتي أبدى سعادة إعجابه بها على حد قول نصّار، بالرغم من نقده للحرية الفردية الرأسمالية، وللنظام الرأسمالي، فإن كل ذلك لم يكن إلا تمهيدًا لما يكتبه الآن.
فقد لاحظ أن سعادة «يصف الحرية الليبرالية، في معرض تحليله لنشوء القومية، وصفًا مليئًا بالحماسة والاعجاب. فالثورة الصناعية (صناعة الآلة) غيرت البناء العام للحياة الاجتماعية ووضعتها على أساس جديد. والدولة الحديثة أنجزت عملية الخروج من الأنظمة التيوقراطية والاقطاعية والملكية، وأكدت نهائيًا مبدأ الإرادة الشعبية العامة الناتجة عن الشعور بالإشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة»(43)
كما لاحظ أيضًا أن سعادة يربط بين الديمقراطية القائمة على أساس مبدأ الحرية الفردية والقومية، «فيرى مبدأيهما متجانسين، ويعتبر (أي سعادة) الدولة الديمقراطية القومية أرقى انواع الدول. وهكذا أدرك، في ضوء نظريته في بنية الوجود الجماعي، الدور العظيم الذي لعبته الحركة الليبرالية بوجهيها الرأسمالي والديمقراطي، كما أنه أدرك، في ضوء فكرته عن الطبيعة العامة للثقافة العقلية، ضرورة هضم القسم الأكبر من مبادئ الإيديولوجية الليبرالية، كمبادئ الحرية والعلم والتقدم والمصلحة والسـعاده...»(44) ويخلـص إلى القـول «إن نقد سـعادة للنظرة الليبرالية إلى
الحياة الاجتماعية على ما فيه من إيجاز، يحمل دلالات واضحة. فهو لا يؤدي إلى رفض كامل لمضامين الليبرالية، ولا إلى الخلط بين الليبرالية في البلدان المتقدمة والليبرالية في البلدان المتأخرة. وإنما يؤدي إلى ضرورة استيعاب مبادئها المحررة من الإيديولوجيات السلفية الشرعانية وتجاوزها بحسب مقتضيات حركة التحرر القومي التي هي بطبيعتها العميقة حركة تحرر إنساني.» (45)
فإذا كان هذا هو موقف سعادة من الليبرالية التي لم يكن رفضه لها رفضًا كاملاً لمضامينها، بالرغم من نقده العنيف لما أدّت إليه من فوضى وحروب بين الطبقات بسبب الحريّة الفردية غير المقيّدة أو غير المشروطة، فإن إعادة النظر في مفهوم الليبرالية وإعادة بنائها على أسس جديدة، تعطي الفرد نوعًا من الحرية لا يتعارض مع تماسك المتحد الاجتماعي الذي ينتمي إليه، ولا يهمل المصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة، تصبح أمرًا ضروريًا، رغم صعوبة الخوض فيه نظرًا لما يشوبه من التباسات، وما يتعرض له من انتقادات. ولا يتمكن من القيام به إلا من استوعب المضامين الفلسفية التي اعطاها الغرب لمفهوم الليبرالية، ومن تعمّق في دراسة الأشكال التاريخية التي اتخذتها في المجتمعات الغربية.
مفهوم نصّار لاجتماعية الإنسان الطبيعية
انطلاقًا من وعي عميق بهذه المسؤولية أقدم نصّار على إعادة النظر في الأسس الجديدة التي يجب أن تقوم عليها الليبرالية دون أن تقع في الفردانية المطلقة. وفي طليعة هذه الأسس تحديد مفهوم جديد لإجتماعية الإنسان.
فما هو هذا المفهوم الجديد الذي يريده نصّار لكي يعيد بناء الليبرالية على أساسه؟ هل هو نفي كامل لما قبله؟ هل يتعارض مع نظرة سعادة إلى الإنسان- المجتمع الذي يعتبر أن الفرد إمكانية فيه؟
لقد رفض نصّار مفهوم الليبرالية الغربية التي تكوّنت على أساس تركيز النظام الاقتصادي على الملكية الخاصة الرأسمالية، كما نقد بعنف قيام هذه الليبرالية «على أساس قطيعة فلسفية مع الفكر الاجتماعي الكلاسيكي القائم على مبدأ اجتماعية الإنسان الطبيعية»(46) كما رفض المفهوم التعاقدي للهيئة الاجتماعية الذي قال به روسّو، ليس لأنه يقوم على مبدأ حريّة الفرد نفسه، بل لأنه يؤدي إلى «الفردانية». ووجه في الوقت عينه، النقد للمذهب العضوي للهيئة الاجتماعية، الذي يقول به سبنسر، لأنه يعتبر الفرد كخلية في الجسم الحيّ. وهذا ما يؤدي إلى «الجمعانية» أي اعتبار الجماعة وحدة عضوية، لا قيمة لأجزاء هذه الوحدة خارج الجسم الحي.
إذا كان هذا ما يرفضه نصّار، فما هو الذي يقبله؟ - يمكن القول إنه يريد إقامة الليبرالية على مبدأ «اجتماعية الإنسان الطبيعية». وهذا المبدأ «لا نحتاج إلى أن يكون نفيًا كاملاً لما قبله، إذ يمكننا أن نتوصل إليه من طريق استعادة المفهوم الإغريقي للإجتماعية، وإدخال الجدلية في صلبه، وتحريره من العبودية. فهذا المفهوم الجديد هو الشرط الأساسي لوضع الحرية الفردية في مرتبتها الحقيقية في الوجود الإنساني الاجتماعي.»(47)
لماذا المفهوم الاغريقي وليس غيره؟ لماذا لم يتبنَّ مفهوم سعادة للإجتماع الإنساني؟
من المستبعد أن يكون المقصود بالمفهوم الإغريقي لاجتماعية الإنسان مفهومًا سفسطائيًا قائمًا على اعتبار الفرد مقياس وجود الأشياء أو عدم وجودها، وجود الحقيقة أو عدم وجودها.! أو مفهومًا أفلاطونيًا قائمًا على أساس طبقي، يفرض على كل طبقة أن ترضى بوضعيتها الاجتماعية دون أن تحاول تخطيها لكي يسود العدل في الدولة. فهذا المفهوم لا يعطي الحرية الفردية دورها في التفاعل الاجتماعي، كما لا يعطي الديمقراطية معناها الحقيقي.
المفهوم الإغريقي لاجتماعية الإنسان هو المفهوم الأرسطي، القائل: «الإنسان مدني بالطبع» أي هو اجتماع طبيعي قائم على مبدأ التعاون الفطري والطبيعي لتأمين الحاجات النفسية والمادية للأفراد ضمن الجماعة، وهو يختلف عن الاجتماع التعاقدي الاصطناعي بين مجموعة أفراد للعيش معًا. وفي هذا المجال يذهب سعاده إلى أبعد من المفهوم الأغريقي القائم على مبدأ التعاون، إلى مبدأ التفاعل. «التعاون هو - فعل - عمل اجتماعي لتأمين مصلحة المجتمع في سد حاجاته... فالتعاون ظاهرة دنيا من ظاهرات الاجتماع أما التفاعل فهو ميزة الحياة في النشوء والارتقاء»(48) والتفاعل حاصل للمجتمع في مثلث الحياة / الجسم- النفس- المحيط/ منذ القدم. لذلك يقول سعاده «نحن محمولون على الذهاب إلى أن الاجتماع الإنساني قديم قدم الإنسانية، بل إننا نرجح أنه أقدم منها وأنه صفة موروثة فيها.»(49) أي «أن الاجتماع موروث من حالة سبقت الإنسان العاقل Homo - sapiens.»(50)
يمكن القول أن مفهوم اجتماعية الانسان الطبيعية هي التي قال بها ابن خلدون، وليس مفهوم سعادة القائل بأن المجتمع واقع طبيعي، وأن الحقيقة الإنسانية هي المجتمع ببعيد عن المفهوم الخلدوني في بعض تفاصيله. لكنه ليس هو نفسه كما أنه ليس مفهوم أرسطو نفسه، وإن كان قريبًا منه. فقد أعطى سعادة مفهوم الإجتماع الطبيعي للإنسان بعده الفلسفي بالإضـافة إلى بعـده العلمي، وصـاغ انطـلاقًا منـه نظرته الفلسـفية إلى «الإنسان- المجتمع»، الإنسان الكامل هو المجتمع، والأفراد هم مجرد إمكانيات فاعلة فيه.
ليس الفرد العنصر الأساسي في تكوين المجتمع كما يذهب البعض لأن «التكوين يفيد الصيرورة (الإنتقال من الكمون إلى الحقيقة) أما الحقيقة فهي ان المجتمع كائن. واقع طبيعي، إنه كائن بإمكانياته (الأفراد) ولم يكونه الأفراد. الفرد عنصر أساسي في كيان المجتمع، وليس في تكوينه»(51) لا يعني هذا القول أن المجتمع بإمكانه أن يبقى ويستمر بالاستغناء عن الفرد، إذا كان المقصود بالفرد كل فرد. لكن المجتمع يستمر بالإستغناء عن فرد من افراده أو مجموعة أفراد مهما كان عددها.
لم يقل نصّار بأن المجتمع يتكوّن من مجموعة أفراد. فهو يعرف أن تكوين المجتمع أبعد وأعقد من ذلك بكثير لكنه تحدث عن مسألة التفاعل بين الفرد والجماعة، وقال بأنه - كما ذكرنا سابقًا - «ليس تفاعلاً بين طرفين موجودين الواحد منهما خارجًا عن الآخر، بل هو تفاعل بين طرفين الواحد منهما داخل في الآخر وهو شرط لوجوده».
وانطلاقًا من هذا الفهم لجدليّة العلاقة بين الفرد والجماعة سعى نصّار إلى التركيز على دور الفرد الذي هو هذه (الإمكانية الفاعلة)، والتساؤول عن مدى وكيفية فعلها، انطلاقًا من التركيز على أهمية الحرية الفردية، والنظر إلى الشخصية الفردية كظاهرة مستقلة، لها خصائصها وميزاتها، والانطلاق من الفردية إلى الإنسانية أو العالمية، دون أن يلغي الحلقة الوسطى التي هي الجماعة أو المجتمع. فهل هذا ما يقصده فعلاً؟ لنقرأ معًا ماذا يعني هذا المفهوم عنده؟
«في المفهوم الجدلي المنفتح لاجتماعية الإنسان، تأخذ ممارسة الحرية مداها الصحيح على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعة. وكذلك الاستقلال. إذ لا وجود لاستقلال كامل إلا للكائن المطلق أو للكل المطلق. فالفرد لا يعرف الاستقلال الكامل عن الآخرين، بل يكتسب استقلاله ضمن وجوده معهم ويمارس حريته بالنسبة إلى وجوده معهم. والجماعة لا تكون مستقلة حرّة بصورة مطلقة، بل ضمن محيط تنمتي إليه. الجماعة الحرة هي الجماعة التي تدرك تموقعها في إطار انتمائها إلى محيط أوسع منها وتدرك أيضًا أنها تتألف من أعضاء أحرار، تمارس حريتها من خلال ممارستهم لحريتهم. والأفراد الأحرار هم الأعضاء الذين يمارسون حريتهم في جماعة ينتمون إليها وتعترف هي بانتمائهم إليها بوصفهم أحرارًا.»(52)
هذا هو مفهوم نصّار الجديد للإجتماع الإنساني الذي اعتبره مفهومًا اغريقيًا ادخل في صلبه الجدلية، التي تعني تأثر وتأثير الحريّة الفردية بحرية الجماعة، وتأثر وتأثير الجماعة بحرية الفرد أو الأفراد. كما حرره من العبودية أي إلغاء التمييز بين البشر وجعلهم كلهم أحرارًا، فلا وجود لطبقة العبيد وطبقة الأحرار كما كانت عند الإغريق. ولكن السؤال الذي لم نلق جوابًا عنه هو: هل يمكن الكلام عن الفرد الإنساني والحرية الإنسانية بالمطلق، على أساس أن الفلسفة تسعى إلى ما هو مطلق؟ وهل يعتبر أن البشرية كلها تشكل مجتمعًا واحدًا لا ضرورة فيه أو معه لوجود مجتمعات قومية متميّزة بعضها عن بعض يؤلف مجموعها ما يسميه سعادة «الاجتماع الإنساني»؟ هل يعتبر أن العولمة قد ألغت كل التمايزات بين كل المجتمعات، وصار بالإمكان التحدث عن مجتمع الإنسان أو مجتمع البشرية جمعاء؟
لا يبدو نصّار ميالاً إلى النظرة الليبرالية الفردانية المعولمة التي تعمل على تفكيك المتحدات القومية وتدميرها. فلا زال يرى «أن قضية الإنتماء من أهم القضايا التي ينبغي إعادة التفكير فيها، ليس فقط لإعادة بناء الليبرالية، بل لمواجهة مخاطر العولمة أيضًا»(53) بل أكثر من ذلك فإنه يعتبر أن «اجتماعية كل فرد من أفراد البشر لا تلقي به في خضم البشرية بأسرها بصورة مباشرة، بل تجعله يشعر بوحدة المصير البشري بواسطة متحدات متدرجة اتساعًا حتى البشرية بأسرها، إذا اعتبرنا أن العولمة يمكنها أن تحول البشرية بأسرها إلى متحد واحد.»(54).
مما لا شك فيه أن فكرة تحول البشرية بأسرها إلى متحد واحد تشغل بال نصّار. وربما كان أكثر ميلاً من سعادة في اعتقاده - بسبب العولمة الطاغية - أن بإمكان الإنسانية أن تصير مجتمعًا واحدًا في مستقبل العصور. ومما يؤكد ميله هذا، التعليق الذي أبداه بعد شرحه لقول سعادة: إنَّ «المجتمع الإنساني، ليس البشرية مجتمعة، ومن يدري هل يقدّر للإنسانية أن تصير مجتمعًا واحدًا في مستقبل العصور؟(55) يعلّق نصّار قائلاً: «إن الواقع المباشر للإنسانية ليس مجتمعًا واحدًا (كما يرى سعادة)... إلاّ أن هذا الواقع ليس أبديًا. فقد تتغيّر الأحوال، وتصبح البشرية مجتمعًأ واحدًا... إن تحمّس سعادة للفكرة القومية لم يمنعه من التفكير في إمكانية دخول البشرية كلها في طور المجتمع البشري الواحد الذي تزول فيه الفوارق المجتمعية والقومية»(56).
ولا بد أن نشير في هذا المجال أن التساؤل نفسه الذي يطرحه سعادة بقوله «من يدري» مشروع فكريًا، وهو يعكس الآفاق الفكرية الرحبة التي يتعاطى فيها سعادة مع موضوع الإجتماع البشري لكن الإجابة العلمية الحاسمة والقاطعة هي أن الإنسانية هي واقع مجتمعات وأن الأمة أتمّ متحد. ومع ذلك فإن التساؤل يبقى مفتوحًا ومطروحًا وهو سمة تواضع علمي واتزان فكري لا يغرق في المطلقات ولا يصدر أحكامًا نهائية حتمية مقفلة. وقد يكون هذا التساؤل نفسه هو الذي جعل نصّار يفكّر بإمكانية تبدّل الواقع وإمكانية دخول البشرية في طور المجتمع الواحد، وذلك استنادًا إلى نص كتبه سعادة يبحث فيه فيه عن سنّة نشوء الأمم وتطورها، فيعتبر أن الأمم تنشأ في التاريخ بحسب سنة خاصة، هي «سنّة التحول التاريخي»، وتبقى فيه متطوّرة «إلى أن تزول الأمم والقوميات من الوجود ويصبح العالم كله متحدًا اجتماعيًا واحدًا لا تفصل بينه فواصل أرضية أو اجتماعية أو اقتصادية»(57).
إذا كان نصّار يعتبر أن الوجود القومي أو وجود الأمة لا يعصى على «سنّة التحوّل التاريخي»، فإن أحدًا لا يمكنه أن يحدد مضمون أو محتوى هذه «السنّة». وليس بالضرورة أن تكون سنّة التحول التاريخي تتجه نحو إلغاء الفواصل الأرضيّة بين المجتمعات، إذا كانت قادرة على التقليل من أهميّة الفواصل الاجتماعية أو الاقتصادية أو إلغائها، بفعل العولمة السياسية أو الاقتصادية التي تعصف بالعالم اليوم. وقد أكّد سعاده في الصفحة ذاتها وفي النص نفسه الذي استند إليه نصّار ليقول بإمكانية أن يصبح العالم كله متحدًا واحدًا، على أن «أوصاف الأمة الناشئة من مجرى حياتها وتاريخها قابلة للتطوّر والتكيّف... من غير أن يشوب سنّة نشوء الأمم شائبة ومن غير أن ينتفي وجود الأمة.» وأما قول سعادة «من يدري» تعني أي مفكر عاقل يدري وتدقيقًا أي خبير أو عالم اجتماع ملتزم منهج العلوم الاجتماعية بدراسة العلم أو الواقع «كما هو كائن» لا كما يجب أن يكون، وفي أي حال وبعد كل ما قيل في هذا الموضوع أو يمكن أن يقال فإن نصّار لم يجزم بإمكانية تحوّل العالم، بفعل العولمة الجديدة، إلى متحد اجتماعي واحد. بل صاغ الفكرة بصيغة «إذا» في قوله «إذا اعتبرنا أن العولمة يمكنها أن تحول البشرية بأسرها إلى متحد واحد». وقال بكل وضوح أن فكرة «المواطن العالمي لا تزال فكرة طوباوية»(58) والسوق الاقتصادية التي تسعى العولمة إلى إقامته في العالم كله تحت هيمنة دولة عظمى، لا يمكنها أن تحوّل العالم كلّه إلى مجتمع واحد. «فالبشرية ليست سوقًا واحدة وحسب، ومن الخطأ أن ننظر إليها باعتبارها سوقًا فقط. وإلا فالسلام على الإنسانية وعلى الحرية»(59).
وهكذا فإن نصّار يؤكد أن «هذه المتحدات التي يعبّر كل واحد منها عن كيانه الواحد وعن وعيه بكيانه الواحد بكلمة «نحن»، والتي لا تأبه لها الليبرالية الفردانية المعولمة، بل تعمل على تفكيكها وتدميرها، هي الاشكال التاريخية التي لا بد من رعايتها، ومن تطويرها، من أجل صيانة ممارسة الحرية في مداها الصحيح، ومن أجل حمايتها من الانحراف والشطط.»(60)
ومن أجل إزالة أي التباس حول موقفه من اعتبار البشرية واقع مجتمعات قائم على أسس دول قومية كتب في الهامش إيضاحًا هامًا يقول فيه: «إن الدولة القومية لا تزال ضرورية كقاعدة وكوسيط بين ما هو فوق - قومي وما هو دون - قومي، ويستلزم تجديد التفكير في مبدأ المتحد الاجتماعي الذي لا يزال المبدأ الأقوى والأصلح لتنظيم مراتب الانتماء والتبادل والتفاعل عند الناس كافة» (61)
لا يترك هذا النص مجالاً لأي التباس أو سوء فهم لفكر نصّار القومي ولا لموقفه من العولمة أو الليبرالية.
في العولمة وإعادة بناء الليبرالية
بعد هذه الإيضاحات الضرورية، أصبح بالإمكان أن نتقدم خطوة أخرى لمعرفة موقف نصّار من العولمة وكيفيّة التعامل معها بإيجابية من قبل الشعوب العربية بغية المشاركة الفعّالة في الحضارة الإنسانية، وأيضًا لفهم مقاصده من إعادة بناء الليبرالية وتخليصها من الفردانية المتعولمة، التي تغالي في مجال الحرية الرأسمالية، إلى حدّ يتخلّى فيه الفرد الرأسمالي عن أي التزام قومي أو أية مصلحة وطنية عليا. بحيث تشكل الحريّة الفردية الاقتصادية خطرًا على الحريّة الاجتماعية. لن نتوقّف كثيرًا عند موقفه من العولمة ونكتفي بالقول إنه يرغب في التعامل معها ليس من منطلق الخوف والعداء لأنها واقع لا مفر منه. ولا من منطلق الدونية والانمحاق وقبول كل ما يفرض علينا فرضًا من قبل الدولة العظمى المهيمنة على العالم بالقوة، بل نتعامل معها تعاملاً لا يلغي ذاتنا الحضارية ولا يسلبنا القدرة على النقد والمواجهة والاستيعاب ومن ثم الانتاج والابداع. ولا يمكننا أن نقوم بذلك إلا بمحاولة إعادة بناء الليبرالية من جديد.
|