عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
زاوية القراء
مساهمات
أسئلة وأجوبة
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
صحافة
وثائق
مقابلات
مختارات
FOREIGN RELEASES
ARTICLES
STUDIES
شؤون إجتماعية
البقاء للأمة
فرص عمل
نقابات وجمعيات
بيئة وصحة
البيئة
الصحة
الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
ثقافة
دراسات وأبحاث
شعر وأدب
مساحة رأي
المكتبة القومية
إصدارات
فنون جميلة
أخبار ثقافية
الإغتراب
أنشطة
تربية وشباب
رياضة
جامعات
مخيمات
الفعل المقاوم وحدث الثبات والتحويل-مها خير بك ناصر طباعة ارسال لصديق
الخميس, 09 آب 2007

feda2i_1.jpg

 

 

أولاً: فاتحة

بين مصداقية الفعل وتعدد احتمالات مصداقية القول يكّرس الفعل نتاج حركته حقائق لا تحتاج إلى أدلة وبراهين، وحراك الفعل الإنساني له خصائص تتوافق والظواهر الفيزيائية التي لا تشكّل حدثًا عارضًا، بل هي تعبير صادق عن حركية الطبيعة وما يتولّد عن هذه الحركة من ثوابت ومتغيرات لها بدهياتها وفرضياتها وقوانين تشكلها التي تؤسس لنظريات غير قابلة للنقض، بوصفها حقائق علمية تُدرك بالعقل ويتبناها المنطق، بعيدًا عن التأويل والتفسير العاطفيّين، فيكون الإدراك العقلي سابقاً على الموقف العاطفيّ الخاضع للتأثير والانفعال الكلامي، وبالتالي فإنّ ما يُقرّ به العقل والمنطق مبادئ أولية تبنى عليها قضايا ونظريات لا تحتمل التأويل.

تأسيساً على ما سبق هل يمكن القول إن الفعل المقاوم أنتج حركة لها ثوابتها ومتغيراتها ومبادئها الأولية التي تنتج نظرية ملحمية تنقض ثوابت كلامية تغلغلت في وجدان الشعوب العربية؟

مما لا شكّ فيه أنّ العاطفة تفقد الحدث موضوعيته وقيمته التاريخية والملحمية، ومع العاطفة تتعدد الاحتمالات بين الاقتناع والرفض، ولكنّ المعطيات التي صيغت منها قضية النصر الملحمي تعطي للفعل الجنوبيّ المقاوم حقيقة علمية لها مبادئها وقوانينها التي صيغت نظرية ملحمية، أبطلت ونقضت فرضيات رسخت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، فكيف تكونت النظرية الملحمية التي نقضت الوهم الأسطوريّ؟

ثانيًا: حدود القضية

يشهد العالم حركات فكرية وحضارية وثقافية، ظاهرها إنسانيّ، وباطنها قمع واستلاب وهيمنة، وهدفها تشييء الشعوب المستضعفة، وتحويلها إلى أرقام مفردة غير قادرة على توليد الأرقام المركبة أو إنتاج جملة عدديّة، لتبقى هذه الشعوب تحت رحمة حكومات الدول المطالبة بنشر الديمقراطية، ولكنها في حقيقة الأمر ديمقراطية كاذبة تخفي وراءها مطامع وأهدافًا، تفضحها محاولات تضمر تحويل شعوب العالم الثالث إلى مواد اختبار في المشاريع التسويقية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية وغيرها من المشاريع التي تتطلب وجود عناصر بشرية تتلقى ولا تفعل أو تتفاعل.

ضمن هذا المعطى العالمي الجديد، يمكن القول إنّ المجتمعات العربية تعيش، منذ عقود، حالة إرباك اجتماعي ونفسي وسياسي وعسكريّ وحضاري، تجلت في شلل مقومات أصالتها وتخليها عن دورها الحضاري والإنساني، وفي النظرة الدونية إلى طاقاتها الفكرية والمادية، فغاب عن الواقع مظاهر الفعل الإنساني الحضاري الحقيقي، ليحلّ مكانه وهم الرواية، وجبن القناعة، وتقاعس العاجز، وصار الكيان الإسرائيلي، في ذاكرة العرب، نتيجة اعترافات شعوب العالم والانهزامات العربية المتكررة، رمزًا للديمقراطية والعدالة والقوة الأسطورية، فتسابق بعض رؤساء الدول العربية إلى عقد معاهدات صلح مع حكومة الكيان الغاصب، لأسباب كثيرة لا نحتاج إلى ذكرها، ولكن الهدف الرئيس يتمركز في قتل ما تبقى في ذاكرة شعوبنا من شعور بالعزة والإباء والكرامة.

أمام هذا الواقع المأساوي تشكلت معادلة جديدة، طرفها الأول الإيمان بالحق الذي لا يموت، وطرفها الثاني الفعل الملحمي المحرض على ولادة واقع مغاير ومتمايز، بغية تحقيق نتائج سليمة عنوانها الأساس النصر القوميّ وسحق الأسطورة، فكانت المقاومة الجنوبية التي انبثقت من انصهار إرادة البطل الجنوبي في روحية الفكر الاستشهادي المؤسَس على أصالة الأرض والعقيدة والقيم والمبادئ من أجل محاربة الباطل وتكريس الجهاد طريق مجد وإباء وعزة وافتخار، فاستعاد البطل الجنوبيُّ من تاريخ أرضه راية قدموس، وعزز من إيمانه تسلح قلبه وعقله ووجدانه بالروح الكربلائية، فأصلى من حرارة عقيدته صواريخ زلزلت ترسانة عسكرية جبارة، عجزت جيوشٌ منظمة عن هزّ هيبتها، فسطّر أهل الجنوب ملحمة بطولية تكسرت عند أقدامها أصنام الوهم الأسطوري، وأنجز الفعل المقاوم في جنوب لبنان وعد الأمة المنتظر، وسجّل ملحمة تجاوزت دلالاتها ومفاهيمها وخصائصها ومقوماتها الأعراف الأدبية والقتالية والنضالية التي ارتبط توثيقها بمعطيات تساعد في عرض الأدلة والبراهين والتأكيد على النتائج.

ثالثًا:تعريفات وحقائق ومعطيات

1_تشير كلمة المقاومة، لغويًّا وفيزيائيًّا وكيمائيّا وبولوجيًّا، إلى الطاقة الذاتية التي يدافع بها العنصر المفرد أو الجمعي عن سلامة وجوده، بأساليب دفاع ظاهرة أو مستترة، فالمقاومة شأن حتمي تفرزه طبيعة الأشياء عند حصول تهديد خارجي، وقد تم تعريف الفعل الحراري في المعادن لدى مرور التيار الكهربائي ( مفعول جول) بأنه ناشئ عن انسياب ذرات الكترونية في المعدن لتعارض انسياب التيار الكهربائي، وهذا ما دعاه العلماء المقاومة الكهربائية..

اعتمادًا على هذا التعريف يمكن القول إنّ المقاومة الوطنية ظاهرة طبيعية تنتجها المجتمعات الصحية الرافضة دخول أجسام غريبة على جسد الوطن، أو عند شعورها بخطر قد يهدد سلامة عضو من أعضائه، وبالتالي فإن وجود المقاومة اللبنانية حاجة فرضها الاحتلال الإسرائيلي، وعززت مناعتها المطامع والأهداف الصهيونية غير المحدودة، فكان من البديهي أن يدافع الوطن عن حصانته بمناعة المقاومة، التي سمّاها بعضهم " منظمة إرهابية".

2_ تفيد كلمة الإرهاب، لغويًا، وعمليًّا إلى نظام قائم على العنف، يلجأ إليه أفراد أو جماعات أو دول من أجل تحقيق أغراض سياسية، وهو استخدام غير شرعي للقوة، كونه يبيح القتل والتخريب من أجل تحقيق أهداف سياسية، وبالتالي فالإرهابي يستخدم القوة العمياء والتعذيب اللا إنسانيّ والتهجير المقصود والتفجير الحاقد، في أي مكان من العالم، إذا ما وجد في ذلك خدمة لأهدافه، وبهذا المنظور يمكن اعتبار الكيان الإسرائيلي كيانًا إرهابيًّا؛ لأنّ الأحداث التاريخية تؤكّد على اغتصاب إسرائيل للأرض، وعلى القتل والتدمير والتخويف والقهر والتعذيب، بغية تحقيق الوعد المزعوم والحلم الاستيطاني الإرهابي " حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، فالإرهاب، إذًا، أساسه الكيان الصهيوني الذي يسعى إلى تدمير القيم العربية وإفشاء رزيلة العمالة بين عناصر فقدت كرامتها الوطنية نتيجة الضغط النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي المفروض على أبناء المنطقة بهدف تعزيز أمن إسرائيل والوصول إلى أهدافها المعلنة وغير المعلنة.

استنادًا إلى ما سبق ينقض حراكُ حزب الله العسكري والاجتماعي والسياسي هذه الفرضية التي يسقطها البعض عليه بوصف رجاله بمجموعات إرهابيّة؛ والدليل على عدم صحة الكلام أنّ هذا الحزب لم يسمح بأنّ يُوجَه أي اعتداء على السفارة الأميركية أو غيرها، مع قناعة معظم السياسيين، في العالم، بأن أميركا وبعض الدول الأوربية تدعم إسرائيل دعمًا كاملاً وتامًا، كذلك لم يوجه الحزب سلاحه نحو الداخل، ولم يثبت تورطه بأي عمل إرهابي في العالم، فهو تنظيم يجيد احترام قدسية العمل المقاوم ويشهد له المجتمع الدولي، غير المنحاز، بقدرته وفاعليته وسيطرته العقلانية على الأرض.

3_فرض التاريخ الأدبي مفهومًا ثابتًا للملحمة، فهي تتناول موضوعًا بطوليًّا يتسم بالجهاد القوميّ الجمعيّ، وتقوم بنيتها على سرد الحوادث البطولية الضخمة، التي أنتجتها قضية قومية يتبنى الدفاع عنها أبطال وطنيّون، اختصوا بالشجاعة والبطولة والإباء والشهامة والتعلق بالأرض و البأس و الشدة والقوة والذكاء الحاد، والرفعة في الخلق، والسمو في الأهداف, والنبل العاطفي, والشرف، مما جعلهم يتحدون المخاطر ويستهزئون بأقسى التهديدات في سبيل القضية، لذلك ترسم بطولاتهم رمزًا للمستحيل والمدهش، بوصفها عملاً خارقًا غير مألوف، فتقترن هذه المواقف البطولية الحقيقية بأخبار أسطورية تخلق نوعًا من الانسجام بين الحقائق التي يفوق تقبلها العقل البشريّ، ولذلك كانت الملاحم تزخر بالأخبار والصور الأسطوريّة التي تعكس العقليات والأمزجة والعادات والتقاليد والمفاهيم الاجتماعية والدينية والسياسيّة والجغرافيّة والنفسيّة والإنسانيّة.

يؤكد الإرث الأدبيّ العالميّ الملحميّ على أنّ الخوارق تشكّل أفقًا تسبح فيه الأحداث، فتدخل كائنات خارقة تساعد البطل، وتمتزج الحقيقة والأسطورة التي قام بها أبطال متفوقون في الفنون والقدرات القتالية، تبلغ من البأس والشدة درجة لا تعقل، فصاغ الفعل المقاوم، على امتداد التاريخ، حدثًا ملحميًّا يؤكد على تمتع الأبطال بطاقات فوق مستوى البشر، أُسندها الشعب، نتيجة عظمتها وعدم إدراك ماهيتها، إلى آلهة تشارك في الأعمال القتالية، فتنصر المقاتلين أو تخذلهم.

انطلاقًا مما تقدم من تعريفات وحقائق أدبية وتاريخية، يجب الاعتراف بأنّ البطولات التي سطّرها مقاومو حزب الله في جنوب لبنان حدث ملحمي في تاريخ هذه الأمة، لأنّ المقاومين يؤمنون بالقضية الوطنية، ويلتزمون بخلقية دينية وقتالية، ويرتبط حراكهم الجهادي بفعل بطوليّ يعحز عن إدراكه العقل البشريّ، إذ بلغت بطولاتهم درجة جعلت بعض عناصر جيش العدو يحوك خرافات لا علاقة لها بالواقع، وإنما خوفهم من رهبة المقاومين تجسّدت أساطير دفعت بهم، في كثير من المواقع، إلى الصراخ والهرب والاندحار، فهل سيشهد تاريخنا الأدبي ولادة هوميروس عربيّ يصوغ الملحمة الحقيقيّة الكربلائية الجنوبية عملاً أدبيًّا، قوامه بطولات وخوارق، هويتها الإيمان والأخلاق والتنظيم والطاعة وعشق الشهادة تحت راية القائد الرمز؟

4_ إن الصراع مع إسرائيل يتجاوز الصدام العسكري إنّه صراع حضاريّ وثقافيّ وكيانيّ ووجوديّ، فالصهاينة، في المفهوم اليهوديّ والأميركي والغربيّ، لهم حق في الحياة والاستيطان والاعتداء والتفوق العسكري والفكري، وللعرب فضيلة الموت المخزي والانهزام والصمت وقبول أنواع التكبر والتجبر، والصهاينة، في مرآة الدول الكبرى، رمز للديموقراطية ومراكز إشعاع فكري وثقافي يتحدون به إنجازات دول عظمى تسترضي كيانهم الغاصب بالمزيد من القرارات المجحفة بحق الشعوب العربيّة التي حوّلها النظام الاستعماريّ إلى مجتمعات استهلاكية تتلقى العلوم والمعارف وتستسلم لأنظمة تسلطية، وترضى من الحياة بالعيش المذل فتناست إرثها القوميّ والحضاريّ والنضاليّ.

لقد استطاعت إسرائيل، بمؤازرة القوى العالمية، أن تخلق حولها هالة من الرعب مصحوبة بالتقدير والاحترام، بوصفها الدولة الأكثر ديموقراطية في المنطقة، والأعظم تقنية وتكنولوجيا، فهي تصدّر المعرفة العلمية ولا تكتفي بالاستيراد، وهي القوة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لا يمكن قهرُها، فجيشها مدربٌ ومنظمٌ ومجهز بأحدث الأسلحة القتالية وأشدها فتكًا وتدميرًا ووحشية، فجسدت القوة الحربية الإسرائيلية أسطورة في الإعداد والتفوق، كرستها، واقعًا، الانهزامات العربية في حروب ماضية إذا استثنينا بطولات تشرين عام 1973.

5_ يشير المعنى اللغوي لكلمة الأسطورة إلى أخبار وقصص خرافية وهمية، يكون من أبطالها آلهة يساعدون على فرض الحدث وقبول نتائجه، كونه يفوق قدرة الإرادة الواعية على استيعابه، ولكن المفهوم الفكري التحليليّ يتبنى دلالات مغايرة تربط المعنى بالحقائق الغامضة الكبرى التي يصعب تفسيرها، فالأسطورة، في رأي "ستانلي هايمن"، ليست أوهامًا بل هي منطوق النفس الإنسانية، وهي حقائق تساعد على استجماع الإرادة وتوحيد القوى وضبط النمو والاتزان والانسجام والتكامل، ففي الأساطير يطمئن التناقض وينسجم النشاز في الأشياء، ومن خلالها يتزن الكيان المضطرب، ويكون الالتئام بين الأشياء التي تبدو متنافرة في الوجود.

يساعد توظيف المعنى الدلالي لكلمة أسطورة على فهم الأسباب التي جعلت من القوة العسكرية الإسرائيلية أسطورة لا تقهر، لأنّ القوة العسكرية الإسرائيلية حقيقة وليست وهمًا، فهي حقيقة خلقتها القوى الكبرى بعد أن سلّحتها ودعمتها بالبطاقات البيضاء، والأضواء الخضراء،  وخلقت في نفوس العرب ذعرًا يقضي على أي رغبة في التحدي أو الانتقام للكرامة والسيادة، فكان لا بدّ من الاستسلام لمفهوم الأسطورة اللغويّ من أجل التعمية على المفهوم الدلالي الهادف إلى خلق توازن غير حقيقي في أذهان العرب لتكون صورة الأسطورة أشبه بالمهدئات العقلية التي ينتظر من نتائجها القضاء الكامل على ما تبقى في نفوس العرب من عزة وإباء وشهامة وكرامة، ولهذا السبب، في رأيي، كان غضب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها على المجتمعات العربية المقاومة بدءًا من الشعب الفلسطيني العظيم، وصولاً إلى الغضب الكبير على حزب الله الذي أعاد الثوابت الحقيقة وخلق متغيرات في المعادلة العالمية الهادفة إلى ولادة الشرق أوسط الجديد الذي أجهض ولادته رجال المقاومة، إذ أثبتوا أنّ هذه الأسطورة غير معصومة عن القهر والإذعان، وكشفوا ببسالتهم وتضحياتهم عن هشاشة الأسطورة الإسرائيلية_ الأميركية، وأثبتوا أسطورة البطولة.

رابعًا :الأدلة والبراهين

يقتضي الكلام على بطولة المقاومين ودورهم في نقض الفرضيات وتغيير الثوابت الدولية، إبراز الحقائق وتوثيق الأحداث والوقائع التي جسدت الفعل الملحمي البطولي، وجعلت من المقاومين رمزًا لشرف الأمة وكرامتها وبقائها.

كشفت بعض الدراسات والتعليقات أنّ الحرب على لبنان ليست حربًا بين رجال المقاومة والجيش الإسرائيلي، فقط، وإنما هي حرب عالميّة شاركت فيها دول عظمى، فدفع اللبنانيون ضريبة الكرامة والعنفوان مزيدًا من دماء الأطفال والنساء والشيوخ، وكثيرًا من الدمار، على مرأى من الأمم المتحدة، وفي ظل صمت عربي مخجل، وبموافقة وتأييد معظم دول العالم التي تسكت، منذ زمن طويل، على الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين، وتغض النظر عن الإرهاب الذي تمارسه الدولة العبرية على الأطفال والنساء والشيوخ، وتتجاهل عدالة قضية أطفال الحجارة وحقهم في حياة حرة كريمة، فالقضية ليست مواجهات عسكرية هدفها إعادة جنديين أسيرين، بل هي حرب دولية على أرضنا وثقافتنا ووجودنا وموروثنا، إنّها حرب لها أبعادها وأهدافها الاستراتيجية المنظمة.

لقد انتظرت السياسية الأميركية وحلفاؤها القضاء على حزب الله، ومنحوا جيش العدو فترات زمنية متتالية ليحققوا الأهداف التي رغبوا في الوصول إليها، ولكنّ المقاومة استطاعت، وحدها وسط هذا الصمت والتخاذل والتواطؤ العربي والدولي، وما صحبه من تبنٍ لتعديات إسرائيل اللا إنسانية المتكررة، أن تهز هيبة الجيش الصهيوني، الذي مارس عنجهية لا مثيل لها، وتطرف في استخدام القوة العسكرية، إلى حدّ يوجب محاكمة مسؤوليه أمام محكمة العدل الدوليّة، لارتكابها جرائم حرب، ولكنّ ضمير العالم مُسخّرٌ لمصلحة إسرائيل، ووحدها مناعة المقاومة استطاعت أن تكبح وتغيّر من نتائج الهجوم الأميركي _ الإسرائيلي على الأرض اللبنانية، بالرغم من أنواع الحروب النفسية والعسكرية المستخدمة ضد رجال المقاومة.   

لقد تجاوز المقاومون جميع أشكال التهديدات والتعديات، وقاموا ببطولات مدهشة من أجل كرامة الأرض، ومن أجل الشعب الجنوبي الذي أولاهم العناية وأحاطهم بالرعاية والمحبة، فكانت الأم الجنوبية والزوجة والأخت والابنة والأم رمزًا للمرأة المناضلة المقاومة التي تُشجع الزوج والأخ والأب والولد على الدفاع عن حرمة الوطن، فتفوقت صورتهن على معظم النماذج النسائية في الملاحم التاريخية، فأندرو مارك وهي تودع هكطور بكت واستحلفته ألا يخرج لملاقاة أخيل، أمّا النساء الجنوبيات فلقد ألهبن شعور المقاومين، وكن زينبيات يحرصن على أداء الدور المقاوم من أجل تثبيت الحق وإزهاق الباطل، ويحتفظن بوصية من يستشهد بكبر وإجلال ويشاركن في يوم زفافه التشيعيّ، على الرغم من ألم الفراق وما يتركه من ثكل وترمل ويتم.

تأسيسا على هذه المعطيات يمكن القول إنّ الفعل المقاوم خلق عملاّ ملحميًّا له مقوماته وخصائصه التي غيّرت من طبيعة المعادلات الدولية، والدليل على ذلك المعطيات المستمدة من المواقف الدوليّة، ومن قوة الجيش الإسرائيلي المندحر أمام إقدام مجموعات قليلة من المقاتلين المقاومين الذين خطوا بشجاعتهم وإقدامهم نظرية ملحمية، لها فرضياتها وبدهياتها ومعطياتها ونتائجها وقوانين تشكل فعلها الملحميّ المتجسد في:

1_ وجود القضية القومية:

لا يكون الفعل ملحميًّا إذا لم يتبن موضوعًا قوميًّا يحفّز على القتال والدفاع عن الأرض والكرامة والحقوق، وقضية الأرض اللبنانية المغتصبة، وحق الشعب الجنوبي في حياة حرة كريمة كانتا سببًا في ولادة نشاطات حزب الله الداعية إلى مقاومة الاحتلال، فدافع رجاله عن قضيتهم لأنهم مؤمنون بالأرض، ومتمسكون بالكرامة، وأقسموا على مبادئ الحزب والتزموا بالسرية التامة، فلم يخترقهم العملاء، ولم تنكشف مخططات دفاعهم وهجومهم وإمكانياتهم العسكريّة، مما أدهش العالم وأدخل حكومة العدو في حالة من التخبط والضياع،  ظهرت في تصاريح قادتهم المضطربة والمتناقضة حينًا، والكاذبة حينًا آخر، فلم يصدقوا في تصريح حول سلاح حزب الله وقوته العسكرية، وثبت كذب ادعاءاتهم أمام مستوطني إسرائيل، وانفضحت مزاعمهم عن قدرتهم على تفكيك الحزب والقضاء على سلاحه، لأنّ أحدًا لا يستطيع أن يتنبأ بقدرة سلاح حزب الله، والسبب يعود إلى الثقة المتبادلة بين القيادة والقاعدة، وإلى إيمان الجميع بقضيتهم القومية المحقة والعادلة.

2_ وجود المقاتلين الأبطال الملحميين

 إذا كان النصر يصنعه الرجال فلقد أكّد المقاومون على هذه الحقيقة عندما استطاع عدد قليل منهم أن يحاصروا كتائب العدو المدرعة أو المشاة بعد وضعهم في وسط الكمائن القاتلة، وخلق الإرباك عند وحدات المساندة التي تأخرت في الوصول من أجل سحب القتلى والجرحى، على الرغم من الغطاء الجويّ الكثيف، وهذا الإرباك فرض احتمالات، عند بعض السياسيين، تشير إلى رغبة إسرائيل في إيقاف الهجوم نتيجة الشعور بالإحباط بين عناصر جيش النخبة، وهذه الاحتمالات حوّلتها مواقف بعض الصهاينة من حكومتهم إلى حقائق، إذ اتهموها بأنها تنفذ مصالح أمير كية، لأنّ أميركا كانت قد تورطت بالحرب بشكل كامل، ولو كان قرارنا حرًا لقُدمَت شكوى أمام مجلس الأمن ضد أميركا، بدل أن تكون صاحبة القرار في الشؤون السياسية والاقتصادية والعسكرية اليومية.

 أثبتت الأحداث أنّ المعركة التي خاضها المقاومون هي حرب عالمية تهدف إلى القضاء على موروثنا الفكري والحضاري والثقافي، وتفتيت المنطقة إلى دويلات تضمن أمن وسلامة إسرائيل، ومن ثمّ  السيطرة على مخزون النفط العربيّ والثروات الطبيعية، فأفشل المقاومون المخططات، وشاركوا في صناعة التاريخ، وتدوين الأحداث، وسجّلوا انتصارهم على دول وجيوش منظمة ومدربة، وأنزلوا الذعر في قوات " غولاني" و" النحال" و" المظليون"، فدمروا الدبابات وقصفوا السفن والطائرات غير مبالين بالأسطورة التي لا تقهر، وغير مكترثين بمواقف السياسيين الأميركيين الذين وصلت وحشيتهم حدًا لا إنسانيا جعلهم يرفضون المساواة بين الضحايا المدنيين في إسرائيل وبين ضحايا لبنان المدنيين، فأية ديمقراطية ينادون بها؟ وأية أمم متحدة؟

 يتمايز مقاومو حزب الله بالإيمان بالقضية، وبالوثوق التام بالقيادة، وبالعشق الروحي والوجداني والعقائديّ لمعنى الشهادة، فازدادوا حكمةّ وهدوءًا وصبرًا وذكاءً، وقدرة على المبادرة والتخطيط، تجلى ذلك في التكتيك الحربيّ، وفي أسلوب قصف المستعمرات الإسرائيليّة، وفي دقة  إصابة مراكز عسكرية ومواقع استراتيجية، مما خلق الذعر والخوف في نفوس المستوطنين وأجبرهم، لأوّل مرة في تاريخ قيام الكيان الصهيونيّ، على ترك منازلهم ونزوحهم إلى الجنوب، والمطالبة بإعادتهم إلى أوطانهم الأصلية.

3_ وجود الخوارق التي ترتبط بالنصر الملحميّ

لقد باءت محاولات وحدات النخبة، والأعداد الضخمة من جيش العدو والقنابل الذكية،  في إحراز أي تقدم على الجبهات، على الرغم من التفوق العسكريّ البريّ والجويّ والبحريّ،  فشهدت عيتا الشعب ومارون الراس، ومروحين، وكفر كيلا، والعديسة ومركبا وعيترون والخيام وقانا والغازية وصور والغندورية ومرجعيون وغيرها من مواقع الكرامة تحطيم العنجهية الإسرائيلية وتدمير آلياتها العسكرية المتطورة، فتراجع جيش العدو أمام صمود المقاتلين الذين حطّموا دباباته الحديثة، وأذلوا قواته العسكرية، وزرعوا الخوف في نفوس عناصر النخبة، فأصيب بعضهم بأمراض نفسية، مازالوا يعالجون منها في مراكز صحية، وفق ما نقلته بعض وسائل الإعلام، واقترن خوفهم من المقاومين بسرد قصص أشبه بالخرافات الواردة في الملاحم التاريخية المدونة، كأن يروي أحد الجنود الإسرائيليين عن وجود أشباح تقاتل من دون رؤوس، ولعل هذا نوع من المصالحة مع النفس من أجل تبرير الانهزام والخوف من بسالة المقاومين ورهبتهم، لأنّ الأحداث أثبتت هلع عناصر النخبة عندما يبصر أحدهم مقاوماً على مقربة منه فيفرّ هارباً مولولاً صارخًا مع مجموعته.

أثبتت المقاومة قدرتها على إفشال الإنزالات الإسرائيلية، وأكّد المقاومون على بسالتهم وإيمانهم، إذ جعلوا من مواقع المعارك مقابر لدبابات العدو، واستدرجوا عناصر جيش النخبة إلى كمائن محكمة بذكاء، ولاحقوا الجنود الفارين إلى داخل البيوت ودارت الإشتباكات بين غرفة وغرفة،  وكان المقاوم الواحد يتكفل بإعاقة وقتل مجموعات من قوات العدو المجهزة والمحصنة بأحدث الأسلحة، ولقد أكد المتحدثون من القرى الأمامية على إصرار المقاتلين الجرحى على مواصلة الدفاع عن كرامة الأرض غير مبالين بالجراح، فكيف يستطيع بعض المراهنين ألا ينحنوا إجلالاً أمام هذه الثلة المباركة التي فاق أداؤها القتالي التصور والخيال، إنهم مجموعات قليلة بعددها، عظيمة كبيرة بقدراتها وإيمانها وعشقها للشهادة. 

4_تجليات النصر الملحمي

 لقد أصيبت إسرائيل بهزيمة تكاد تقتلها، وحكومتها تعيش حالة تخبط، منذ أيام الحرب الأولى، إذ عكس إعلامها خزي وكذب مزاعم القيادات السياسية والعسكرية، الذين أعلنوا عن انتصارات وهمية دحضها فعل أبطال المقاومة، والكذب دائمًا دليل ضعف وفشل، كشفته خطابات الصدق والشفافية التي عُرف بها سيد المقاومة، فكانت سببًا في متابعة أهل المستوطنات تصريحاته، لأنها تنطق بالصدق والحق، وتتسم بالوضوح على عكس تصريحات قادتهم.

خلقت الحرب الإسرائيلية التموزية على لبنان هوة كبيرة بين الحكومة وسكان المستوطنات، وبين أعضاء الحكومة نفسها، وسيطر الإرباك على المسؤولين السياسيين وعلى القادة العسكريين، وانتقل الوضع المربك إلى أميركا وبريطانيا، فلقد أعلنوا، نتيجة غرورهم وعنجهيتهم، عن تصميمهم على تفكيك حزب الله والقضاء على سلاح المقاومة، في خلال أيام، ولكنّ المقاومة أثبتت عجز إسرائيل عن تحقيق ذلك بعد أن حوّلت دبابات العدو إلى توابيت، وقطّع الأبطال الشجعان أوصال القوات الغازية، وكبدوهم خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، وأكبر دليل على ذلك ما أصاب جيش العدو الذي حوصر وانقطع عن الإمدادات مدة 36 في مرجعيون، فتدخلت رموز عربية وغير عربية لحمايتهم من سلاح حزب الله، ونقل بعض الشهود حالة الإعياء والجوع والعطش التي كانت مسيطرة على جنود العدو، فسعوا إلى تحويل صورة النصر إلى لعنة ذل في ثكنة مرجعيون، بعد أن دُنسِت بتصرفات مخزية.

 التاريخ ذاكرة تحتفظ بصورة اهتزاز حكومة الدولة العبرية التي تشهد، يوميًّا، تداعيات الحرب على لبنان، فترتفع أصوات تدعو إلى استقالة الحكومة، واستقالة رئيس الأركان، وتدعو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان إلى تشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات الحرب، وأفرزت الاضطرابات والتداعيات تغييرات جذرية في جهاز الموساد بعد فشلهم في تقدير سلاح حزب الله، وكانت استقالة قائد المنطقة الشمالية أول مشاهد الانهيار، ليأتي إقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بإخفاقات وثغرات في حربه على لبنان وإعلانه عن إنشاء لجنة تحقيق تأكيدً واضحًا على عجز وفشل الجيش الجبار عن تحقيق أهدافه وأهداف الدول الداعمة.

عندما بدأ غرور القوة العسكرية الإسرائيلية يعربد في حرم الوطن بريًّا وبحريًّا وجويًّا سقطت أقنعة الانتماء والعروبة، وتغيرت منظومة الجيش الذي لا يقهر بعد أن كسر المقاومون العنجهية الإسرائيلية بصمود ملحمي قلّ مثيله في التاريخ، وكشفوا عن هشاشة أسطورة القوة العسكرية، لأنّ الأبطال آمنوا بقضيتهم وبسيادة واستقلال الوطن فأضافوا في كل لحظة عنوانًا مشرفًا يزيد من صلابة الحزب، ومن احترام وتقدير الشعوب الحرة لرجال وعدوا وصدقوا.

لقد أربك صمود حزب الله حكومة الكيان الصهيوني، فحرصت على وجود قوة متعددة الجنسيات لحماية كيانها الجغرافي المُغتصَب، وهذا دليل على قلق الدولة العبرية وعدم قدرتها على حفظ أمنها واعتراف صريح بخوفها من شجاعة مقاومي الحزب الذين كشفوا عن الإخفاقات العسكرية في صفوف النخبة، وعن الصراع الداخلي الذي يظهر يومًا بعد يوم، وعن كذب وغدر الكيان الصهيوني وعدم تطبيقه القرارات الدولية، ففي الوقت الذي يلتزم فيه الحزب، وهو المنتصر، بقرارات الأمم المتحدة، تسجل الدولة العبرية خروقات بحرية وجوية وبرية، تعكس خوف وقلق حكومة تحاول التعويض عن هزيمتها العسكرية بانتصارات سياسية يعمل على تحقيقها رموز سياسية عربية وأميركية وأوربية. ولكن إلى متى ستبقى المقاومة تمارس عملية ضبط النفس؟

5_ النصر والمواطنية الصحيحة

سطّرت بطولة المقاومة في جنوب لبنان عنوانًا حقيقيًّا لمفهوم المواطنية، فأثبت الجنوبيون مواطنية حقيقية وسليمة، جسدت الانتماء إلى الأرض، وعكست فعل المواطنية المستمدة من صلابة جبل عامل، فكانت مواطنية تنبئ بالتأسيس لوطن قومي يحترم أبناؤه التقاليد والقيم، ويرسّخ أسس المعرفة الصحيحة،  ويتبنى روحية التطور على أصول ومبادئ تكرس الفضيلة السياسية مطلبًا تربويًّا، ليكونوا أعضاء في الدولة، وهذا ما يفسر التزامهم بالتفوق الأخلاقي والاجتماعي والنضالي، واحترامهم للحرية والسيادة الوطنية، فكانت كربلاء في وجدانهم رمزًا للنضال والشهادة من أجل تثبيت القيم الأخلاقية والدينية، وتعزيز حرية الفكر والمعتقد.

يشكل الالتزام الأخلاقي عاملاً رئيسًا في انتصار المقاومة، فالنصر يتحقق بوجود القضية العادلة والمحقة، ووجود القائد الرمز،  ووجود المقاومين الأبطال المؤمنين بالقضية، وبمصداقية القائد، فتفرض هذه الأسس الأولية الالتزام بسرية العمل التنظيمي، وتُنتج حالة من الوحدة الكيانية والعاطفية بين المجموعات تدفع بهم إلى العمل والتضحية كجسد واحد من أجل التأسيس لمستقبل أكثر أمنًا وسلامًا واستقرارًا،  فتُحفظ السيادة الفعلية، وتتحقق الحرية والديمقراطية، فلا يمكن للشعب أن يكون حرًا إذا لم يكن سيدًا، والدولة القائمة على الحرية مستحيلة من دون مواطنين مقاومين، فنحن مدينون إلى أبطال المقاومة الذين جسدوا مفهوم المواطنية الصحيح في نفوس شبابنا، شريطة ألا يسيء إليها بعض السياسيين المقاولين الذين شتتوا أفكار الشعب بين قطبي الرفض والقبول، وبين مفهومي السيادة والتبعية.

أفرزت المقاومة بالسلاح مقاومةً ترسخ الانتماء إلى جغرافية المكان، فلم يأبه الجنوبيون إلى الدمار والخراب إذ أسرعوا إلى ديارهم يفترشون الدمار ويلتحفون سماء شوّه صفاءها ما خلفته الهمجية الإسرائيلية في أرضنا وسمائنا من أثار قنابله الذكية والعنقودية، وأصر الجنوبيون على أن يرسموا صور العز والكرامة فتشبثوا بالأرض التي انغرسوا في تربتها رافضين الحزن لأن المقاومة قرار، فأسسوا بتضحياتهم وانتمائهم أسسًا لنظرية ملحمية جديدة ومغايرة، فكان الفعل المقاوم حدث ثبات القيم وتغيير المفاهيم والمخططات الدولية.

خامسًا: النتيجة الموضوعية

سحقت المقاومة الأسطورة الإسرائيلية، فلم تحقق إسرائيل من حربها على لبنان سوى الهزيمة، وتحطيم هيبتها العسكرية، وفضح همجية عناصر جيش النخبة، ووحشيته، وتخلفه، وأخلاقه المنحطة، فسولت له دناءته سرقة الأموال والمجوهرات وتخريب البيوت وإفسادها، فكشفوا عن حقيقة وجههم الحضاري، وعن هويتهم الحقيقة، وعن انتمائهم إلى مجموعات اللصوص والمرتزقة، وعن جبنهم وخوفهم وضعف إيمانهم.

إنّ ما أصاب إسرائيل من خسائر عسكرية ونفسية في جنوب لبنان هو نصر معنوي لجميع العرب، فلن تجرؤ حكومة العدو على خوض معارك جديدة، ولكن نتمنى ألاّ يكون القرار 1701 حصان طروادة الذي يسمح لإسرائيل بتحقيق انتصارات لم تكن لتحققها في أيام الحرب، لذلك علينا ألا نثق بقرارات الأمم المتحدة التي لم تتجرأ على إدانة إسرائيل، ولم يتردد عناصر قواتها، في بعض قرى الجنوب، في دفع أبنائنا إلى مجازر أوقعت عددًا كبيرًا من الضحايا، معظمهم من النساء والأطفال من دون أن يدين أمينها العام همجية حكومة الكيان الغاصب.

إن الذي يدافع عن قضية محقة لا يهاب الموت والجيش الصهيوني يعلم في أعماق نفسه أنه مغتصب، وتجلت قناعاته الدفينة بممارسات قبلية وهمجية وبدائية، ظهرت في تصرفاته الدنيئة، فنهب وسرق وأحرق وخرّب المنازل التي التجأ إليها هربًا من مقاتلي حزب الله، شأن اللصوص والصعاليك. فأيّ جيش حضاريّ هذا؟ وأي نموذج للقوة؟

 يشهد التاريخ أننا شعب مازالت فيه جذوة حق، لا تسكت على الباطل، وما الصمت إلاّ   كمون رفض يفجّر أصالتنا بذارًا، تستنبتها القضية رجالاً يسطّرون ملاحم بطولية" صدقوا ما عاهدوا الله به وما بدلوا تبديلاً"، هؤلاء هم المقاومون اللبنانيون المغامرون الشجعان الذين كشفوا القناع عن حقيقة الجيش المقهور والمهزوم، والمستغيث في أرض الجنوب، هؤلاء هم المقاومون المتمايزون بالسمو الخلقي والإباء والكرامة والعزة، والقابضون على دينهم وحقهم كمن يقبض على النار، هؤلاء هم فعل الثبات والتغيير الذين يكرسون نتاج حراكهم الملحميّ ثوابت وحقائق وطنية وقومية تؤسس لنظرية المواطنية الصحيحة وما ينبثق عنها من حركات، يتبناها الفعل المقاوم، فيضع الحد الفاصل بين مصداقية العمل وكذب الدعاية.

د.مها خيربك ناصر

الجامعة اللبنانية

 
< السابق   التالى >