أطلت المطربة اللبنانية ماجدة الرومي منذ سنوات بعيدة على جمهورعربي كبير ومتنوع الهويات والانتماءات..انتظرها بفارغ صبر في قاعة "الناسيونال" الباريسية الضخمة، قدمت كلمات ترحيب قليلة وتلقت الكثير من باقات الورد، ثم أطلقت حنجرتها للسماء فوق سقف القاعة، تلهب ايقاع الموسيقى وتحفر بجنون أحرف القصيدة الملتهبة سقط القناع للشاعر الكبير محمود درويش:
حاصر حصارك لا مَفَرُ
اضرب عدوك لا مَفرُ
سقَطَت ذراعك فالتقطها
وسقطتُ قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن حرٌ وحرٌ وحرُ
وقفت القاعة الكبيرة الواسعة على رأسها، وأطلق مئات الشبان قبضاتهم وسواعدهم في الهواء باتجاه المطربة، وهم يصرخون بقوة وبأعلى صوتهم: جنرال..جنرال. اقتربت من زميلي مجدي المالكي متسائلا عن سر هذا الجنرال العسكري الذي احتل بنياشينه الغائبة عن المسرح أمسيتنا الموسيقية الطربية، تحت قبضات أعداد كبيرة من أنصاره: الجنرال ميشيل عون يا صديقي..إذاً هل لنا أن ننسحب من الحفلة؟ لكن ما ذنب المطربة وضياع فرصة يتيمة لسماع صوتها مباشرة؟
كان صعباً استيعاب الحدث: كيف تحولت قصيدة مقاتلة بمواجهة الاحتلال الاسرائيلي لتساند الجنرال في حربه مع القوات السورية، وكانت قد حاصرته وقصفته بالقصر الجمهوري في بعبدا، وأجبرته على تسليم نفسه للسفارة الفرنسية في بيروت ثم المغادرة إلى فرنسا..جرى كل ذلك قبل أن تستبدل قوى لبنانية متعددة مواقعها على طرفي معسكر النزاع والانقسام التاريخي في لبنان: مقاومة وأعداؤها.
لمع المشهد كاملا في ذاكرتي أثناء متابعة برنامج "الحوار المفتوح" الأسبوع الماضي على فضائية الجزيرة، وقد حاصر الاعلامي البارز غسان بن جدو المطربة ماجدة بأسئلته السياسية التي اعتاد طرحها على ضيوف برنامجه الحواري..لم تكن موفقة كثيراً في الاجابات المتملصة التي يبرع بها السياسيون عندما يمارس أغلبهم الكذب العلني على الجمهور، لكن ماجدة كانت نبيلة بكل معنى الكلمة: استهلت اللقاء المتلفز المباشر من بيت والدها الموسيقار الراحل حليم الرومي في بلدة كفر شيما الجنوبية، بكلمة تقدير لكفاح الشعبين الفلسطيني والعراقي متمنية لهما راحة البال وتحقيق أمنيتهما بالتحرر والاستقلال، وطرقت جوانب كثيرة في الشأن اللبناني والعربي ومستوى الفن والموسيقى وغيرها.
اللافت في اللقاء اصرارها على الاعتراف برغبتها الجامحة بالاطلالة على فلسطين عبر نهر الأردن، عندما كانت في زيارة للعاصمة عمان..نظرت نحو الأفق الغربي وهي تشير إلى فلسطين: هذا الوطن الملائكي لنا ولن نتنازل عنه.
أثناء متابعتي لأحد لقاءاتها المباشرة، وصلها صوت حيفاوي نسوي عبر الهاتف، يؤكد لها أن الرسوم الفنية لجدها لا زالت محفورة على جدران كنائس حيفا وزجاجها المُلون بابداع..صمتت ماجدة وغاصت في حزن كبير وكاد دمعها ينفجر على مشهد من الكاميرا لولا قدرتها على التماسك.
انتقل جدها عوض البرادعي من بلدته الأصلية كفر شيما المجاورة لمدينة صيدا الجنوبية إلى حيفا واستقر فيها، تزوج وأنجب حنا الذي التحق بمعهد موسيقى حيفا كأصغر طالب، وبرز ولعه بالموسيقى فأكمل دراسته في القاهرة، وعاد عام 1945 باسمه الفني حليم الرومي، ليعمل رئيساً لقسم الموسيقى في اذاعة الشرق الأدنى في حيفا ويلتقي زوجته ماري لطفي. عاد إلى لبنان بعد نقل مقر الاذاعة إلى قبرص عقب النكبة عام 1948 وأشرف على تنظيم قسم الموسيقى بالاذاعة اللبنانية، وعمل بها ثلاثين عاماً قبل رحيله أواخر عام 1983 وكان قد اكتشف صوت فيروز مبكراً وقام بتلحين أول أغنية لها وبثها عبر الاذاعة اللبنانية عام 1950. أعلنت ماجدة صراحة أنها لبنانية لكن جدتها فلسطينية..هل لنا نصف حنجرتها الذهبية؟ هل نسمع صدى صوتنا في مجد صوتها الذي يشق عالياً غبار السماء؟
حنجرة لبنانية متميزة تمتلك مساحة جمالية واسعة..ملكٌ للبسطاء من الناس الذين ناصرتهم أثناء عدوان تموز الأخير على لبنان، وقفت إلى جانبهم رافضة الرحيل عن بلدها رغم شدة قصف الطيران الاسرائيلي..وفوق كل ذلك صوتٌ يعلن جهاراً أنه ليس للايجار، ولن تنجح كل الاعلانات التجارية التي تروج لشركات عملاقة عابرة للقارات من صيده بفخ ملايين الدولارات، وتحويله لسلعة تجارية على ظهر قارب أو رقصة تحت رذاذ المُنعش!!..أبدع الاعلامي بن جدو في اختياره مفتتحاً برنامجه الحواري للعام الجديد..بدا الحوار مثيراً وثميناً وأظهر أن الصوت الملائكي على تواضعه يحمل في قلبه موقفاً عروبياً وطنياً صادقاً دون ادعاء أو ترفع مزيف..تستحقين كل التقدير وأنت تنشدين بصدق وحزن أغنيتك المحاصرة رسمياً في العالم العربي: سيدي الرئيس..أتسمع الأحرار حين يسألون؟!
كنعان اونلاين 18-01-2008
|