عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
زاوية القراء
مساهمات
أسئلة وأجوبة
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
صحافة
وثائق
مقابلات
مختارات
FOREIGN RELEASES
ARTICLES
STUDIES
شؤون إجتماعية
البقاء للأمة
فرص عمل
نقابات وجمعيات
بيئة وصحة
البيئة
الصحة
الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
ثقافة
دراسات وأبحاث
شعر وأدب
مساحة رأي
المكتبة القومية
إصدارات
فنون جميلة
أخبار ثقافية
الإغتراب
أنشطة
تربية وشباب
رياضة
جامعات
مخيمات
العبور الى النهضة - تراث الترجمة والنقل-د.ق.الحسين طباعة ارسال لصديق
الخميس, 09 آب 2007

 

تعتبر حركة الترجمة والنقل من أهم الحركات الثقافية والعلمية التي ظهرت في تاريخ الحضارة العربيّة الاسلاميّة. فقد أصبحت ركناً أساسياً من اركانها. وعن طريقها تمكن العرب من الحصول على أمهات الكتب التي تعود لأعظم الحضارات في العالم القديم، مما ترك بصماته القوية على عملية النهوض الحضاري والثقافي والعلمي عند العرب والمسلمين.

رعاية الأمويين

وحين نتتبع حركة الترجمة والنقل منذ بدء ظهورها، سنجد حتما كيف مرّت بأدوار مختلفة، وكيف كان لها رعاة سهروا على نموّها وتطويرها، ابتداءً من العصر الأموي وصدر الاسلام، وصولا الى العصر العباسيّ الثاني، وهذا ما يدفعنا الى الاقتناع بأن هذه الحركة كانت قد نمت وتطورت عبر أربعة أدوار رئيسيّة هي:

•1-              العصر الأموي برعاية الخليفة عبد الملك بن مروان وخالد بن يزيد بن معاوية.

•2-              العصر العباسي الأول برعاية الخليفتين : المنصور وهارون الرشيد.

•3-              عصر الخليفة المأمون.

•4-              عصر ما بعد المأمون.

ولا شك أن العصر الأموي يمثّل الواقع الفعلي لتاريخ حركة الترجمة والنقل، حيث بدأت تباشيرها الأولى تظهر على يد خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85 هـ / 704 م) بجهوده المباشرة وغير المباشرة. وابتدأ العرب يطّلعون على تراث اليونان في حقول العلم المختلفة: الكيمياء والطب والهندسة والفلك، إذ كان لفشل الأمير خالد بن يزيد وإكراهه على التنازل عن عرشه المتوارث، أثره الكبير في نفسه، مما دفعه للعمل في حقل جديد مجاله العلوم وأبحاثها[1].

وهكذا بدا خالد، كأول حلقة من سلسلة عظيمة من دعاة الحركة العلميّة، حين دعا المتعلمين من الإغريق والعرب من الاسكندرية، وعهد إليهم بترجمة ونقل بعض المؤلفات اليونانيّة والقبطيّة الى اللغة العربيّة، مُصرّاً بذلك على أن يتعامل مع الثقافات المختلفة ، بالعربية وليس بلغاتها التي وصلت بها إليه. وفي أخبار ابن النديم أن خالد بن معاوية هو أوّل من ترجم له كتب الطب والنجوم والكيمياء، وأنه كان له في الكيمياء رسائل وأشعار بارعة، تدل على معرفته فيها. وهذا ما شكل الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل من أجل العبور الى النهضة.

أمّا الخليفة عبد الملك، فقد رعى حركة تعريب الدواوين بكل قوّة، وقد كانت حتى تاريخه تدون بالفارسيّة والروميّة والقبطيّة والحبشيّة[2]. وقد استتبع ذلك أيضا بتعريب العملة وتعريب القراطيس. أمّا الخليفة عمر بن عبد العزيز، فقد رعى ترجمة كتب الطب. وهو الذي دعا الطبيب البصري ماسرجويه الى نقل وترجمة كتاب "أهرن القس" في الطب، وهو الكتاب المعروف والمشهور بكتاب: "قوى الأطعمة ومنافعها ومضارها" وكتاب آخر هو كتاب "قوى العقاقير ومنافعها ومضارها".

ولا شك أن جهود الأمير خالد وجهود الخليفة عمر بن عبد العزيز، بالإضافة الى جهود عبد الملك بن مروان، هي التي أسهمت بشكل مباشر في تعزيز وتشجيع حركة النقل والترجمة من اللغات الأجنبيّة في ذلك العصر، الى اللغة العربيّة.

مشروع المنصور والرشيد النهضوي

إن رعاية الخلفاء للترجمة والنقل، كانت من أهم العوامل التي أدّت الى دفع حركتها خطوات واسعة الى الأمام. ففي العصر العباسيّ، يعتبر المنصور والرشيد الخليفتين اللذين أخذا على عاتقهما هذه الحركة وشدّا على أزرها. ولولا اهتمامهما بأمر هذه الحركة، لما جاءت نتائجها بالشكل الذي اسفرت عنه.

فقد عمل المنصور والرشيد، على تنشيط حركة الترجمة والنقل، مستخدمين في ذلك شتى السبل والأساليب، الماديّة والمعنويّة. غير أنه من الضروري، ونحن نتكلم عن دور المنصور والرشيد، كأهم عامل في رعاية وتوجيه حركة الترجمة والنقل، أن نوضح بأن هذين الخليفتين، لم يكونا على الدرجة نفسها، في أمر رعايتهما لهذه الحركة[3].

وفي هذا المجال يشير الأستاذ أحمد الأمين، إلى أن أكثر الخلفاء العباسيين ميلاً الى هذه الحركة الثقافية والعلمية الجديدة، كان المنصور والرشيد والمأمون. فقد حملهم اهتمامهم بها، على العناية بالطب والأطباء. وكان الرشيد قد ربّاه البرامكة على حبّ العلم. كما أدرك قادة المفكرين العرب، حاجتهم الماسّة الى علم الإغريق، مما أوجد بينهم عزيمة روحيّة، ذلّلت كل ما اعترض طريقهم للنهوض. وكان من نتائج اهتمام هؤلاء الخلفاء العباسيّين أن ظهرت أسر عريقة حضنت المشروع العلمي الثقافي وبذلت جهوداً عظيمة في سبيل إنجاحه. وقد كان لاهتمامها الكبير، الأثر الفعال في تشجيع وتنشيط حركة الترجمة والنقل في أيامهم.

فالأسرة البرمكيّة كانت مصدراً مالياً رئيسياً للكثيرين من المترجمين والنقلة. الذين جسدوا غايات الأسرة في هذا المجال. ويقول الأستاذ شوكت الشطي، إن الترجمة، كانت في العصر العباسي عمل دولة وأفراد، فتخصصت بعض الأسر بأعمال النقل، كما أقيمت مدارس خاصة لتعليم المترجمين وإصلاح ما يترجمونه[4].

ومن وزراء الدولة العباسية الذين اهتموا بهذه الحركة، يطالعنا في هذا الباب يحيى بن خالد البرمكي (ت 190هـ /805 م) وهو وزير الرشيد. وكان ينحو نحو تأييد الثقافة الفارسيّة. فبرزت في عهده مدرسة جنديسابور وما تفرع عنها والتي تؤيد الثقافة اليونانيّة، كما برز الأطباء الهنود الذين يؤيدون الثقافة الهنديّة. وقد شجّع الأطباء العرب على الاحتكاك بهذه الثقافات ونقل ما يمكن أن يفيد منها، لخدمة المشروع الثقافي النهضوي.

وقد كان أكثر الوزراء والكتاب في هذا العهد من أصحاب الثقافة الفارسية العربية، كما أن أكثر أطباء القصور من النساطرة أصحاب الثقافة اليونانية العربية. وقد شكل ذلك كله عاملا أساسيا في ازدهار حركة الترجمة والنقل الى العربية.

فالخلفاء العباسيون كانوا مقبلين على تشجيع حركة الترجمة تشجيعا عظيما. وكانوا يثيبون المترجمين ثواباً مادياً عظيماً مجزياً. كما كانوا يوجهونهم تارة الى تيارات حركة الترجمة وموضوعاتها، ويتركونهم تارة أخرى لحريتهم في اختيار الأصول المترجمة. ويقول الأستاذ ريتشارد فالتزر "حظي المترجمون برعاية الخلفاء وتشجيعهم، خصوصا في عهد المأمون. وكانوا يقومون بعملهم في جماعات منظمة. أما السبب الذي دعا الخلفاء الى تشجيع الترجمة خلال مدّة طويلة من الزمن انتهت أيام خلافة المتوكل، فليس واضحاً. وليس من السهل على المرء أن يعتقد بأن تعطّش الخلفاء الشخصي للعلم، وتغلب حركة المعتزلة، كانا سبب هذا الاقبال الشديد على تشجيع الكتب الفلسفية والعلمية، ونشرها، وإعانة القائمين بها بأموال الدولة"[5].بل ربما شكل ذلك مشروعاً تأسيسياً نهضوياً.

دور يحيى البرمكي

ومن الضروري الإشادة في هذا المجال بالدور البناء الذي لعبه يحيى البرمكي وبعض أفراد الأسرة البرمكية على صعيد حركة النهوض بالترجمة والنقل وتشجيعها.

فقد كان يحيى بن خالد البرمكي، هو الذي أخرج الكتب اليونانية التي كانت ببلد الروم كما يقول السيوطي. فحين أفضت رئاسة الدولة إليه، نراه يصانع ملك الروم وقد طلب الكتب العلمية من بلاده بصورة شخصيّة. ولما وصلت اليه، جمع عليها العلماء والفلاسفة، فأخرج منها كتاب "حدّ المنطق". ثم جعل يحي المناظرة في داره وأدار الجدل بين العلماء بنفسه. وكان يضع حدا للنقاش الذي لا يجدي. وقد حدث ذلك في زمن الخليفة الرشيد.

وإلى يحيى بن خالد البرمكي يشير ابن النديم في أنه أحضر علم الهند وعلماءها. وعني بتفسير وترجمة كتاب "المجسطي" لبطليموس. وقد ندب لتفسيره "أبا حسان"، و"سلم" صاحب بيت الحكمة، فأتقناه واجتهدا في تصحيحه، بعد أن أحضر النقلة المجودين، فاختبرا نقلهم وأخذا بأفصحهم وأصحه. أمّا اليعقوبي فيقول: "وكان يحيى بن خالد يحب الحكمة والكلام والنظر، ففي أيامه كثر المتكلمون، وجادلوا وناظروا ووضعوا الكتب، وهو أيضا نظر في كتب الكيمياء"[6].


 

جهود آل بختيشوع

في هذا المجال أيضا نذكِّر بـ جبرائيل بن يختيشوع الطبيب العظيم، الذي كان أحد الرعاة الذين شجعوا حركة الترجمة من اللغة اليونانية الى العربية، وبخاصة تلك الترجمات التي تناولت تراث اليونان الطبّي. وقد أحاط النقلة برعايته، ممّا جعل معظم المصنفات الطبّية تقترن باسمه.

وقد برز أيضاً ابنه يختيشوع بن جبرائيل بن يختيشوع كراع للطب والأطبّاء، بعد وفاة والده، فترجمت باسمه الكتب الطبّية اليونانية على وجه الخصوص. وعرف عنده حنين بن اسحاق العبادي، وهو الذي ترجم باسم معظم هؤلاء الرعاة، أكثر من ترجمة. وقد ساهم هذا العالم في دفع حركة الترجمة والنقل خطوة الى الأمام بإفادتها من تاريخ الإغريق الطبّي. وهذا ما زاد من زخم تلك الحركة الثقافية، فعظم حجم المكتبة العربية، لما تم من ترجمات باسمه، أو ما قام هو بتأليفه[7]. وباسم هؤلاء الرعاة جميعا، عظمت حركت الترجمة والنقل وبلغت طورا قل نظيره.

مراكز الترجمة القديمة

برأينا أن مراكز الترجمة والنقل التي نشأت في ظلّ الدولة العربيّة الاسلامية، كانت من العوامل الأساسية التي ساهمت في نقل تراث الأمم التي اعتمد عليها العرب في بدء تكوين حضارتهم الجديدة. وعلى الرغم من تعدد هذه المراكز، واختلاف أهمية بعضها عن بعضها الآخر في عملية الاسهام بترجمة ونقل ذلك التراث، إلاّ أنها كانت في مجموعها ذات أثر فعّال ومباشر في ذلك الازدهار الذي تميزت به حركة الترجمة والنقل في بعض الفترات من تاريخها. فهي التي أمدتها بالمشاهير من المترجمين والنقلة، ومن بعضها جاء أشهر رعاة حركة الترجمة والنقل[8].

فمراكز الترجمة والنقل، كانت من العوامل المهمة في ازدهار حركة الترجمة والنقل نفسها. وقد كانت هذه المراكز موجودة قبل ظهور الاسلام، ولكنّها في أعمالها ومهامها الأساسية، من الناحيّة الثقافيّة والعلميّة والفكريّة والأدبيّة، ظلّت قائمة بعد ذلك التاريخ. وهذا ما جعل الحركة الثقافية العربية تفيد منها فائدة كبيرة. وقد بان أثرها في حركتهم العلمية الجديدة، مما جعل الحضارة العربية تشق طريقها الى الخلود. كما جعل العلوم العربيّة والاسلاميّة، تنافس أرقى الحضارات العلمية التي كانت معروفة حتى ذلك العصر[9].

مركز الاسكندية

ويبدو لنا، أنه منذ مطلع العصر الأموي، برزت مدينة الاسكندرية كراعية لحركة الترجمة والنقل في ذلك العصر. ذلك أنّ أحداث الفتح الاسلامي، ساعدت على استغلال جهود علماء الاسكندرية إلى أقصى حدّ خلال العصر الأموي. فاتخاذ الفسطاط عاصمة جديدة لمصر، أدى الى اضمحلال شأن الاسكندرية، مما جعل علماءها يقصدون دمشق التي غدت مقر الخلفاء.

ولا شك أن الاسكندرية ظلت طيلت العصر الأموي، تستهوي العلماء من أماكن بعيدة. وقد كانت هذه المدينة، عبارة عن منارة فكرية تنبعث منها العلوم والفلسفة الى سائر أنحاء الشرق. وقد استطاعت في العصر الاسلامي وحتى العصر الأموي أن تتميز بصفة خاصة بالفلسفة والطب والكيمياء. ونحن نعلم أن علمي الطب والكيمياء، كانا من أكثر العلوم أهمية ورواجا في العصر الأموي، وذلك بتشجيع من الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية أوّلاً، وبتكليف من الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ثانياً[10].

ويذكر أبو الحسن عليّ بن رضوان بن جعفر المصري، أن العلماء العرب كانوا قد أفادوا من مركز الاسكندرية زهاء عشرين كتابا في الطب، أربعة منها، هي من كتب أبقراط، وستة عشر من كتب جالينوس.. كما افادوا من صناعة المنطق، كتب الأُوَل : "قاطاغورياس" و"باري أرميناس" بالإضافة الى كتب القياس والبرهان. وقد استمرت جهود علماء الإسكندرية في تقديم العون الأدبي والعلمي للعلماء العرب إلى أيّام عمر بن عبد العزيز.

مركز أنطاكية

في الواقع ان مركز انطاكيا العلمي للترجمة والنقل، ما كان له أن يبلغ ما بلغه من الازدهار لولا انتقال مدرسة الاسكندرية إلى إنطاكيا وذوبان حركتها العلمية فيها. وقد شكلت العلوم اليونانية، نواة هذا المنهج النهضوي، إذ كانت انطاكيا مركزا للثقافة اليونانية قبل أن تخربها الحملات الفارسية. كما استمرت كذلك طيلة العصر الاسلامي الأوّل، وذلك قبل أن تنتقل الحياة العلمية من أنطاكية الى حرّان، والتي تقع في وسط منطقة الثقافة اليونانية.

ولا شك أن اختيار انطاكية كمركز من المراكز العلمية في عصر الدولة العربية، كان لأسباب لها علاقة بسهولة احضار المخطوطات اليونانية من آسيا الصغرى، خصوصاً وأنّ القوم، كانوا يجدّون في البحث عن متون هذه المخطوطات. وقد أصبحت إنطاكيا بفضل تلك الجهود، المركز الجديد لتعاليم مدرسة الاسكندرية، بحيث تركت بصماتها القوية على الثقافة العربية، إذ استطاعت انطاكية أن تهيء معظم المستلزمات لأولائك العرب الذين كانوا يجوبون البلاد للبحث عن المعارف لدى العلماء أو في بطون المخطوطات. ومن هذه المدينة سينتقل مركز التعليم ثانية الى مركز جديد من مراكز النشء الثقافي والحضاري اليوناني في مدينة حرّان موطن الصابئة[11].

مركز حران

تعتبر حران الحلقة الثانية والأخيرة في عملية انتقال مجلس التعليم إليها بعد انتقالها من انطاكيا، التي استقبلت مجلس التعليم في الاسكندرية قبلها بوقت قصير. وقد غدت حرّان مركزاً هاماً للثقافة اليونانية في المنطقة التي يتكلم أهلها اللغة السريانية. تماما كما كانت مركزا للتبادل الثقافي. وما يدل على أهمتها، أن آخر الخلفاء الأمويين، وهو مروان بن محمد، كان قد نقل خلافته حيناً إليها. وكان أهلها من أساطين علماء الفلك. الذين وصلت علومهم الى العرب، فطوّروها وبرعوا فيها.

وفي مدينة حران العربية، برز مشاهير علماء الطب عند العرب، ومشاهير علماء الرياضيات والفلك. وقد خرج منها أيضا المترجمون والنقلة الذين برعوا في هذا الميدان، نذكر منهم ثابت بن قرة وولده سنان بن ثابت بن قرة والبتّاني، صاحب الزيج. ورغم أهمية حرّان قبل عصر المتوكل، غير أنها منذ عهده، أصبح لها القدح المعلّى في انشاء مركزٍ لعلماء ورياضيين وفلكيين. ولهذا فقد استطاع مركز حرّان العلمي، أن يؤثر تأثيراً بيناً في عملية ازدهار الحضارة العربية، وذلك بما أنجبته هذه المدينة من علماء في شتّى الميادين[12].

مدرسة نصيبين

وانبعثت نصيبين كمركز للحياة العلمية على يد النساطرة، إذ كانت بؤرة تشع منها التعاليم النسطورية التي هي وجه من وجوه المسيحية الشرقية. وقد ترجم النساطرة كتب أرسطو وعلقوا عليها لأنهم وجدوا فيها ما يساعدهم على فهم المسائل اللاهوتيّة. وما لبث إشعاع هذه البؤرة العلمية اليونانية، أن بلغ العالم العربي، فكان تأثير هذه المدرسة واضحا في نهوض الوطن العربي الكبير في العصر الوسيط. ونحن نذكر أن أساتذة مدرسة نصيبين هم الذين تولوا ترجمة الكتب الفلسفية اليونانية، لاسناد مذهبهم في طبيعة المسيح، مما خدم العرب، وجعلهم يقفون بفضلهم على الآثار الفلسفية اليونانية. فغدت نصيبين مركزا آخر من مراكز الترجمة والنقل.

مدرسة الرها

وكانت هذه المدرسة من أهم المراكز التي أوصلت الثقافة الى العرب، يقول جورج حداد: "ومدرسة الرها هي من أهم مراكز عبور الثقافة الى العرب، وقد ازدهرت في القرنين الرابع والخامس. وكانت أهم مركز للسريان والنساطرة، ولامتزاج الفكر اليوناني بالفكر السوري". ولقد انتقلت إليها مدرسة نصيبين، بحيث أصبحت فيما بعد متمّمة لها في مبادئها وأهدافها والأسس التي قامت عليها. هناك من يقول: إن هاتين المدرستين، كانتا منبعين آخرين وإنْ متشابهين، أمدّا الحضارة العربية الاسلاميّة، بما كان يلزمها من أجل تجديد ثقافتها وتطويرها[13].

مدرسة جنديسابور

وتعتبر هذه المدينة مركزا للترجمة والنقل في العصر العباسي. فمنها جاء بعض الأطباء العرب، الذين نالوا شهرة في مجال الترجمة والنقل، ومنها جاء من رعى حركة الترجمة والنقل فيما بعد. وقد كانت هذه المدينة معبراً لانتقال الثقافة الإغريقية إلى العرب، فكانت بذلك رافداً مهماً من الروافد التي اعتمدت عليها الحضارة العربية أيام صيرورتها ونهوضها.

ولا شك أنه بمثل هذه المراكز الثقافية التي انتشرت في العواصم والأمصار العربية، تم نقل العلوم عند العرب من صعيد بدائي الى صعيد حضاري ثقافي شامل، استطاعت من خلاله تثبيت حضورها في كبرى الأكادميات الغربيّة فيما بعد[14].

جيل الروّاد/ ابن المقفع

إنه أبو محمد عبـد الله ابن المقفع. عاش ما بين عامي (106-142) هـ / (724-759) م، أصله من الفرس. ولد في العراق مجوسيّا (مزدكياً)، وأسلم على يد عيسى بن علي (عم السفاح)، وولي كتابة الديوان للمنصور، الخليفة العباسي. وكان يكنى قبل اسلامه "أبا عمرو". أما اسمه الأصليّ فهو "روزبه بن دادويه". ويقال إن والده من مدينة جور (فيروزباد)، إحدى مدن فارس. وقد وكل إليه الحجاج بن يوسف، جباية الخراج في العراق وفارس، فاحتجن شيئاً من مال السلطان فضربه ضرباً مبرحاً، فتقفعت يداه، فكان لقبه بذلك[15].

ويقول ابن مكيّ، في كتاب "تثقيف اللسان" -كما ذكر ابن خلِّكان- : ابن المُقَفَّعْ (بفتح الفاء) والصواب ابن المقفِّع (بكسر الفاء)، لأن أباه كان يعمل القِفّاع ويبيعها. والقِفَّاع بكسر القاف جمع قَفْعة (بفتح القاف)، وهي شيء يعمل من الخوص شبيه الزبيل لكنه بغير عروة. والقول الأول هو المشهور بين العلماء. أي لقب بابن المقفع، لأن يده تقفعت من شدّة الضرب.

وفي مسألة اسلام عبد الله بن المقفع، نورد ما ذكره ابن خلكان في هذا الشأن، حيث يقول: "وكان عبد الله بن المقفع مجوسيّاً، فأسلم على يد عيسى بن علي عمّ الهيثم بن عدي".

أشهر المترجمين والنقلة

يعدّ ابن المقفع واحداً من أشهر النهضويين الذين عرفتهم حركة الترجمة  والنقل في زمن الخليفة المنصور. ولا شك أن وراء شهرته في هذا الباب، عوامل عديدة، فهو الأديب والكاتب من جهة، وهو المترجم والناقل من جهة أخرى. وفيما يخص عبد الله بن المقفع الأديب والكاتب، فنحن نعلم أنه عرف بكتاباته القيمة في ميدان الأدب. ولا ريب ان فصاحته باللغتين العربية والفارسية، قد زادت من اهمية مصنفاته في هذا الميدان، وجعلته يحتل مركزا مرموقا في مشروع النهضة[16].

أمّا ابن المقفع المترجم والناقل، فهو الذي يهمنا من حياة عبد الله بن المقفع العلميّة، لأنه عرف بين أشهر المترجمين والنقلة في زمن المنصور. وفي هذا السياق، يقول صاحب الفهرست: "وكان عبد الله بن المقفع في نهاية الفصاحة والبلاغة، كاتبا شاعراً فصيحاً.. وكان أحد النقلة من اللسان الفارسي الى اللسان العربي، مضطلعاً باللغتين، فصيحاً بهما".

ولا شك أن عبد الله بن المقفع بلغ ما بلغه على هذا الصعيد، لأنه، كان أول المترجمين والناقلين من اللغة الفارسيّة الى العربيّة. إن معظم المصنفات اليونانية والهندية في مختلف حقول العلم والمعرفة، والتي كان الفرس، قد ترجموها من لغتها الأصلية الى الفارسية، فقد نقلت بدورها الى العربية، على يد عبد الله بن المقفع. فقد ذكر ابن النديم: "... وعبد الله بن المقفع هو الذي نقل إلى العربية ما قد كانت الفرس في القديم، قد نقلت شيئاً من كتب الطب والمنطق إلى اللغة الفارسيّة".

وإذا ما علمنا أن الفارسية، كانت قد دوّنت الحضارات الثلاث: اليونانية والهندية والفارسية على أقل تقدير، ونقلت ما كان فيها من حقول المعرفة والعلم، فإن هذا التراث سرعان ما وصل الى الحضارة العربيّة الاسلاميّة، وكان ابن المقفع هو المعلم الأهم الذي أضاء المرحلة وأوصل هذا التراث الينا في العصر العباسي[17].

الدقة في النقل والترجمة

ويتحدث الباحثون عن الترجمات والنقول التي قام بها ابن المقفع من الفارسية الى العربية، وكانت تتميز بالدقة والحصافة والجودة، على صعيد اللفظ والمعنى. وكان أسلوبه في ذلك مميزا، مما جعله يحقق منزلة رفيعة بين من عاصره من المترجمين والنقلة. وهذا ما حدا ببعض المؤرخين أن يقولوا فيه: "أنه عبّر عمّا ترجمه من كتب ارسوطوطاليس المنطقية الثلاثة بعبارة سهلة قريبة المأخذ".

والواقع إن ابن المقفع كان من أوائل المترجمين الجيدين في زمن المنصور. وهو الذي حظي بشهرة واسعة في علم المنطق دراسةً وترجمةً، مما جعل صاعد الاندلسي يقول عنه: "إن أول علم اعتنى به من علوم الفلسفة، علم المنطق. وأول من اشتهر به في الدولة (العباسية) عبد الله بن المقفع الفارسي.. فإنه ترجم كتب أرسطو طاليس الثلاثة: .. وهي كتاب قاطاغورسيان، وكتاب باري أمينياس، وكتاب  أنالوطيقا". ويضيف صاعد قائلا: "وترجم مع ذلك المدخل الى كتب المنطق بايساغوجي فرفوريوس الصوري". كذلك ترجم الكتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة.

وأهم المصنفات الفارسية التي ترجمت الى العربية على يد عبد الله بن المقفع هي: كتاب "خداي نامة" في السير، وكتاب "آيين نامة" في الآيين، وكتاب "مزدك"، وكتاب "التاج في سيرة أنو شروان"، وكتاب رسائله، كتاب جوامع كليلة ودمنة، وكتاب رسالة في الصحابة[18].

معارضة المستشرقين

وإذا كانت بعض المصادر قد اتفقت على ما أنجزه ابن المقفع من ترجمات لبعض مصنفات أرسطو، فإن الأستاذين فرنشسكو جبرييلي وبول كروس، قد عارضا ما أوردته هذه المصادر، حيث ذكر جبرييلي أن الرواية التي تقول أن ابن المقفع قد ترجم جزءاً من مؤلفات أرسطو غير صحيحة، لأن ابن المقفع لم يكن يعرف اللغة السريانية، التي كانت تكتب بها هذه المختصرات للنصوص الفلسفية اليونانية. والاعتقاد بوجود ترجمة فهلوية لها غير صحيح، مما يمنع الاعتقاد السائد في المصادر العربية، أن ابن المقفع كان قد نقل النصوص اليونانية الى اللغة العربية.

وبرأينا أن آراء غبرييلي مجافية للصحة. ذلك أن عبد الله بن المقفع، قد نقل الى اللغة العربية ما كان الفرس قديما قد ترجموه إلى لغتهم من تراث يونانيّ وهندي. وما من شك أن ما نقل الى اللغة الفارسية عن التراث اليوناني كان غنيا للغاية. وقد اهتم المترجمون والناقلون المسلمون بنقل التراث الفارسي الأصيل الى العربية. وإذا كان ابن المقفع هو من أعظم النقلة والمترجمين المسلمين الذين قاموا بجهود عظيمة لنقل ما في التراث الفارسي الى العربية بدوافع الاهتمام الديني والأدبي والحضاري، فإنه من المشكوك فيه أن لا يكون قد وفّى الغرض في ذلك بنقل ما ضمه التراث الفارسي من التراث اليوناني من أجل استكمال مشروعه التنويري الثقافي[19].

ابن مطر / النقل الهاروني والنقل المأموني

يعتبر الحجاج بن يوسف بن مطر، من أبرز المترجمين الذين ساهموا في عملية ازدهار حركة الترجمة والنقل إبان القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. ولعلّ أشهر ما اشتهر به ابن مطر في هذا المجال من البحث، قيامه بنقل كتاب أصول الهندسة لإقليدس مرتين:

النقل الأوّل: وكان في زمن هارون الرشيد، ولذلك فقد عرف بـ "النقل الهاروني"، نسبة الى عصر هارون الرشيد الذي تم فيه النقل المذكور.

النقل الثاني: وقد تمّ على ما يبدو، في زمن الخليفة العباسي المأمون. وعليه فقد عرف هذا النقل بـ "النقل المأموني" نسبة الى الخليفة العباسي المأمون، وهو ابن الخليفة هارون الرشيد، الذي ولي الخلافة من بعده.

ويبدو لنا من خلال ما ذكره ابن النديم في حديثه عن الترجمة والنقل في العهدين الهاروني والمأموني، أن الحجّاج بن يوسف بن مطر، كان قد أجاد في النقل المأموني، أكثر منه في النقل الهاروني، وعليه فإن علماء الرياضيات والفلك العرب الذين كانوا بحاجة الى كتاب "إقليدس" الذي نقله ابن مطر مرتين، لاستخدامه كعامل مساعد لهم في أبحاثهم الهندسيّة والفلكيّة، كانوا يعوّلون على النقل الثاني أكثر من سابقه.ومن المصنفات الأخرى التي أقدم ابن مطر أيضاً، على ترجمتها الى العربية،  كتاب المجسطي.

ولا شك أن الحجّاج بن يوسف بن مطر، كان أحد المترجمين والنقلة، الذين ساهموا في عملية ازدهار حركة الترجمة والنقل داخل بيت الحكمة في بغداد، زمن المأمون. وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نستنتج أن ابن مطر هذا، كان له دوره المشهود به، في مضمار ازدهار حركة الترجمة والنقل في القرنين الثاني والثالث الهجريين/ الثامن والتاسع للميلاد. ذلك الازدهار الذي ترتب عليه قيام أعظم يقظة فكرية في التاريخ العربي والإسلامي[20].


 

دور أبي يحيى البطريق

ومن المترجمين والنقلة الذين عرفتهم حركة الترجمة والنقل زمن المنصور، المترجم والناقل أبو يحيى البطريق، فقد ترجم للمنصور، مجموعة من المصنفات اليونانية. ومن بين هذه المصنفات، كتاب "المقالات الأربع" لبطليموس في التنجيم. وعلى الرغم مما تميزت به ترجمات ومنقولات البطريق من دقة في المعنى وجودة في التعبير، فقد وجد ابن أبي اصيبعة، أنه لم يبلغ بها إلى مصاف المترجم والناقل حنين بن اسحق العبادي[21].

وقد وقف ابن أبي أصيبعة بنفسه على الكثير من المصنفات الطبية اليونانية، وبخاصة مصنفات أبقراط وجالينوس، والتي ترجمت إلى العربية على يد أبي يحيى البطريق. ولهذا نحن نعتقد أن آراء ابن أبي أصيبعة التي قيم بها ترجمات ونقول البطريق، إنما كانت نتيجة المشاهدة والمعاينة لها. وإذا ما أضفنا الى ذلك خبرة ابن أبي أصيبعة في هذا المجال، فإن رأيه يصبح من الأمور القطعية الدلالة. ومهما قيل بصدد نوعيّة ترجمات ونقول أبي يحيى البطريق، فإننا نعتقد أن ما أنجزه هذا الرجل على هذا الصعيد من ترجمات ونقول لمختلف المصنفات، يستحق منا وقفة تقدير وإجلال، إذ كان بحق، أحد الذين ساهموا في الوصول بالثقافة العربية، إلى مقاربة النهضة في العصر الوسيط[22].

دور يحيى البطريق

يبدو أن ابن البطريق يحيى، كان قد سار في إثر ابيه، وأفاد منه في ميدان الترجمة والنقل فائدة كبرى. ولذلك سرعان ما أصبح أحد المترجمين والنقلة الذين ساهموا في عملية ازدهار حركة الترجمة والنقل أيام المنصور.

وبحسب آراء "ابن جلجل" فإن أبا زكرياء يحيى بن البطريق، كان يتمتع بجميع خصال المترجم والناقل الجيد، وهو الذي يقول فيه كما نقل عنه ابن أبي أصيبعة: "أما ابن البطريق يحيى فكان أمينا على الترجمة، حسن التأدية للمعاني. وترجم كثيرا من كتب الأوائل. وهو الذي ترجم كتاب السياسة في تدبير الرياسة للفيلسوف اليوناني أرسطو".

وقد عمل أبو زكرياء يحيى بن البطريق، مع جملة الحسن بن سهل بن نوبخت، الذي كان أحد المترجمين والنقلة من الفارسية الى العربية. ومن هنا فقد كان ليحيى البطريق الأثر المباشر في عملية ازدهار حركة الترجمة والنقل زمن المأمون، وذلك نتيجة لترجماته غير المحدودة في أشهر مركز عرفته حركة الترجمة والنقل في تاريخها القديم، عنيت به، بيت الحكمة في بغداد. وما شهدته حركة الترجمة والنقل من ازدهار إبان المرحلة المزدهرة من تاريخ الثقافة العربية، إنما كان ليحيى بن البطريق، ولوالده من قبل، أثره المباشر والعظيم في سبيل تحقيقه[23].


 

دور ابن يختيشوع

وما دمنا نعرض لأهم النقلة والمترجمين الذين كانت لهم أفضال جُلّى على عملية الترجمة والنقل في العصور العباسية، فمن الضروري التوقف أيضاً عند دور الطبيب النسطوري جورجيس بن جبرائيل بن يختيشوع، أحد المترجمين والنقلة الذين اشتهروا في عصر المنصور. ومساهمة ابن بختيشوع في هذا الحقل، كانت عن طريقين:

•1-  فقد قدم ترجمات عظيمة لمجموعة من المصنفات الطبية اليونانية الى العربية.

•2- وكذلك نقل مختلف المصنفات اليونانية التي عرفتها السريانية الى العربية. ولا شك أنه كان لدعم المنصور له ماديّا ومعنويّا، الأثر الفعال في ذيوع شهرته في هذا المجال.

ولا شك أن المصادر ذات الصلة بهذا البحث، لم تحفظ لنا في صفحاتها سوى هذه السطور القليلة عن الطبيب جورجيس بن جبرائيل بن يختيشوع، غير أن ما تقدم، لهو دليل واضح على مساهماته العظيمة في حقول الترجمة والنقل، مما جعل المنصور كثير الاحسان له والثناء عليه.

وجملة القول في هذا المجال، أن هؤلاء المترجمين والنقلة، كانوا بحق، أحد العوامل الهامة في باب ازدهار حركة الترجمة والنقل إبان القرن الثاني الهجري. وإليهم يعود الفضل في وقوف العرب على تراث أشهر الحضارات في العالم القديم عصر ذاك: اليونانية والهندية والفارسية. فقد كانوا حلقة الوصل بين تلك الحضارات - من خلال تراثها - وبين طلاب العلم والمعرفة من العرب والمسلمين.

والواقع إنه لولا ذلك الدور الذي اطلعوا به، لما تمكن العرب من الاطلاع على حضارات تلك الأمم والشعوب. وقد نقل وترجم الى العربية على يد هؤلاء المترجمين والنقلة، أشهر المصنفات في شتى مجالات الغلم والمعرفة. وقد اقبل الطلاب العرب والمسلمون على درسها وتأملها، مما جعل الفكر العربي الاسلامي يأخذ طريقه الى الابداع في جميع الحقول التي أبدع فيها كل من الفكر اليوناني والهندي والفارسي. ولهذا فقد كانت حركتهم حركة نهضوية مباركة، نهضت بالحضارة العربية الاسلامية من صعيد التبعية للأقدمين الى صعيد الاستقلالية. بحيث حققت قصب السبق في كافة العلوم والمعارف ورسمت، أو كادت، خارطة الطريق الى النهضة[24].

النهضوي/نقل الكتب

ابتداءً من منتصف القرن الثاني الهجري، كانت بغداد تتحوّل بسرعة الى  مركز هام من مراكز الثقافة العربيّة الاسلاميّة. وذلك أن اهتمام الخلفاء وكبار الدولة، أخذ يتجه الى نقل الكتب من الفارسية واليونانية والهندية الى اللغة العربيّة، خصوصا بعدما وجد القيمون على الحياة العامة في الدولة ان اختلاط العرب بالفرس والروم أبرز حاجة جديدة وماسة، تدعو الى معرفة علوم الفرس واليونان، مما جعل أبا جعفر المنصور، يوجّه اهتمامه إلى ترجمة الكتب للبدء بمشروع النهضة.

وفي هذا لمجال يذكر المسعودي في كتابه "مروج الذهب" ان المنصور، كان أول خليفة قرّب المنجمين وعمل باحكام النجوم، وكان معه "نوبخت المجوسي" المنجّم الذي أسلم على يديه، وهو ابو هؤلاء النوبختيّة، وابراهيم الفرازيّ المنجّم صاحب القصيدة في النجوم وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعليّ بن عيسى الاسطرلابي المنجّم"[25].

وإذا كان المسعودي قد ذكر لنا أسماء بعض علماء الفلك الذين قربهم الخليفة المنصور من ديوانه وشغلهم بهذا العلم الذي كان يهتمّ به، فإن اليعقوبي أيضا، يقول في تاريخه، إن هناك كتباً هامة، ترجمت في عهد المنصور، وهي كما يذكرها لنا: "كتاب كليلة ودمنة، وكتاب السند هند، وكتاب أرسطوطاليس، وكتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب إقليدس، وكتاب الأرثماطيقي، وسائر الكتب العجميّة في النجوم والحساب والطب والفلسفة وغير ذلك". امّا ابن خلدون فقد ذكر في المقدمة "ان المنصور، كان قد نظر في العلم، وروى الحديث. وكثرت علوم الناس وروايتهم في أيامه"[26].

وبرأي أكثر المحدثين، ومنهم الأستاذ جرجي زيدان، إن المنصور هو أول من عني بنقل الكتب القديمة، ولكنه اقتصر منها على النجوم والهندسة والطب. وأمّا الفلسفة والمنطق وسائر العلوم العقلية، فقد ترجمت في أيام المامون كما يقول زيدان نفسه[27].

ولعل ما ذهب اليه الأستاذ زيدان، في أن المنصور انشغل بعلم النجوم والهندسة والطب، عن الفلسفة والمنطق، أمر تنفيه الروايات التاريخية لدى كثير من المؤرخين.

فقد ذكر المؤرخون، أن كتبا عديدة في الفلسفة والمنطق كانت قد ترجمت في زمن الخليفة المنصور، على يد عبد الله بن المقفع. كما ذكر المسعودي أيضا في كتابه مروج الذهب، أن المنصور كان "أول خليفة ترجمت له كتب أرسطوطاليس من المنطقيات وغيرها".

وفي هذا المجال يقول الأستاذ "دي بارو" في كتابه تاريخ الفلسفة في الاسلام (ص 29) "إن كتب المنطق، لم تنقل الى اللسان العربي إلا في عهد المنصور. وقد أخذ ابن المقفع بنصيبٍ كبيرٍ في هذه الحركة، ولم يختلف عنه ما جاء بعده إلا باصطلاحات انفردوا بها، ولم يخلص إلينا شيء مما ترجمه في الفلسفة".والى ذلك نضيف رأي الأستاذ كردعلي، الذي يقول: إن عصر المنصور قد شهد همة غريبة في ترجمة كتب الحكمة والفلسفة.

ولعلّ هذه الآراء بجملتها تؤكد بطلان رأي الاستاذ زيدان في أن كتب الفلسفة والمنطق ترجمت في عهد المأمون، وليس في عهد المنصور، نظراً لكثرة الشواهد التي يمكن لنا ان نستنتجها من خلال الروايات التاريخيّة، والتي تؤكد لنا أن عهد المنصور، كما كان قد شهد ترجمة ونقل كتب النجوم والفلك والهندسة والطب، فقد شهد أيضا نقل وترجمة كتب المنطق والفلسفة.


 

النهضوي/العلمي

ويبدو أنه كان للمنصور اهتمامات علمية بارزة. إن على صعيد العلوم النقلية، أو على صعيد العلوم العقلية. ذلك أنه كان عالماً، كما كان في الوقت نفسه أديباً. ولذلك نراه يخوض في بحوثه مختلف العلوم والمعارف، من أجل استكمال مشروعه النهضوي. في هذا المجال يذكر صاعد الأندلسي في "طبقات الأمم": "أن الخليفة المنصور كان أول من عني من خلفاء بني عباس بالعلوم، فكان مع براعته في الفقه، وتقدمه في علم الفلسفة، وخاصة في علم صناعة النجوم، كلفاً بها وبأهلها"[28].

وكذلك نرى المسعودي يؤكد أن الخليفة المنصور، قد نظر في العلوم وقرأ المذاهب، وارتاض في الآراء، ووقف على العلل وكتب الحديث، فكثرت في أيامه روايات الناس واتسعت عليهم العلوم. أمّا السيوطي فيذكر أن المنصور كان جيد المشاركة في العلم والأدب، وأنه كان فقيه النفس، ولذلك كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة. وقد اعتبر السيوطي ان ابا جعفر المنصور، هو أول خليفة عمل بأحكام النجوم، وهو الذي ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربيّة[29].

ويذكر صاعد الأندلسي أنه في سنة ست وخمسين ومائة، قدم على الخليفة المنصور، رجل من أهل الهند، عالم بالحساب المعروف بالسندهندي في حركات النجوم، فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب الى اللغة العربية، وأن يؤلف منه كتاب تتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن ابراهيم الفرازي، وعمل منه كتاباً يسميه المنجمون بالسندهند الكبير. فكان أهل ذلك الزمان يعملون به حتى أيام الخليفة المأمون.

والحق يقال إن المنصور كان قد اهتم فعلا بجمع علماء الفلك والمهندسين والأطباء وأهل المنطق في بلاطه. وابتدءً من أيام دولته نشطت ترجمة الكتب العلمية الى العربية من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية. وقلّما عهد بترجمة شيء منها الى العرب في ذلك الوقت، بل كان يقوم بالترجمة عادة أهل الشام من المسيحيين والفرس،وقد شكل هؤلاء طلعة المشروع النهضوي العربي.

فالخليفة المنصور، هو أوّل من ازدهرت في عهده هذه الحركة العلمية النشطة. وقد اقترن تاريخ ظهورها وتطورها بتاريخ دولته. ذلك أنّه أمدّها بكل ما احتاجت اليه من المال والجاه، على الرغم مما اشتهر به من التقتير في الانفاق، مما حدا بنا أن نشهد ظهور نهضة علمية وثقافية زاهرة في عصره. وقد كان انتشارها وازدهارها، نتيجة حتمية، لما تمّ ترجمته ونقله من مؤلفات شتى في جميع الميادين التي عرفتها اللغات القديمة مثل: اليونانية والسريانية والسنسكريتية والفارسية والهندية، الى لغتنا العربية.

المسيرة النهضوية

وبعد المنصور وتسلّم ولديه المهدي والهادي الخلافة من بعده، كادت الحياة العلمية في الدولة العربية الاسلامية، أن تشهد حتفها أو تشهد على مواتها، بسبب ابتعاد ولدي المنصور عن المشاركة فيها، أو العمل على تنشيطها وتطويرها. وقد ظلت الأمور تراوح مكانها، حتى كانت خلافة هارون الرشيد. إذ سرعان ما انبعثت هذه الحركة العلميّة وتطوّرت تطوراً سريعاً، نتيجة الجهود التي بذلها على هذا الصعيد، خصوصا وقد كان الرشيد يراهن على تقدم الحياة العلمية ومشروعية نهوضها، حتى يمكن له أن يسير بأجهزة الدولة الى التقدم والرقي، ويصبح بمقدوره منافسة العالم الغربي عصر ذاك.

ويعتبر عصر الرشيد من أزهى العصور التي مرت بها حركة الترجمة والنقل، حتى مطلع عصر المأمون. فقد وصلت الحركة في عهده حدّا من التطور الكمّي والنوعي، لم تصل إليه من قبل. وقد كان للرعاية التي أولاها الخليفة هارون الرشيد لهذه الحركة، وتشجيعه المادي لها، من أهم الأسباب التي حدت بها أن تبلغ ما بلغته في ذلك الوقت. وليس الأمر بكثير على الرشيد الذي اشتهر بحبه للعلوم والآداب والفنون وبحبه القائمين بها، مما كان له أبلغ الأثر في تطوّر ما بدأ به الخليفة المنصور في عهده.

وفي هذا المجال يقول عمر بن الحسن بن دحية الكلبي: " وكان الرشيد من أهل العلم، متضلعا في الأدب ويزور العلماء". كما يقول الدميري عنه: "وكانت للرشيد معرفة جيدة بالعلوم"[30].

الى ذلك، فقد اعتبر الرشيد من أشهر خلفاء بني العباس وأكثرهم ذكراً، حتى في المصادر الأجنبيّة. وقد برز اسمه في العالم الغربي، كممثل لأعظم العصور العربية في العصور الوسطى، وكقائد لأعظم دولة عربية اسلامية في الشرق. ناهيك عن مكانته العظيمة كناصر للآداب والعلوم وراعٍ قادرٍ لحركة النقل والترجمة من اللغات القديمة الى اللغة العربية، خصوصا بعد أن ترجمت حكاية ألف ليلة وليلة إلى معظم اللغات الأوروبية المعاصرة.

جهود على طريق النهضة

وطوال سنوات خلافته التي امتدت زهاء ربع قرن من الزمن، كان الرشيد يظهر ميلا شديدا للعلم، وقد نضجت تحت رعايته حركة الأخذ من الثقافة الهلينستية. وقد عدّ عصره لهذه الأسباب عصراً ذهبياً.

وكان الرشيد يمنح العلماء الذين يدرسون كتب العلوم اليونانية ويترجمونها المساعدات المالية العظيمة. وكان يرسل الى ملك الروم البعثات العلميّة لشراء المخطوطات اليونانية والوقوف على الآثار العلميّة هناك، ويخصص لهم المخصصات المادية الجمّة. وبمثل هذه السياسة السخيّة التي تنفق الأموال الباهظة على العلم وأهله، استطاع الرشيد أن يجذب قدراً كبيراً من العلوم الهامة الى بغداد[31].

ويتحدث المؤرخون عن كرمه العظيم على الرسل الذين كان ينفذهم الى الجهات المختلفة، وخصوصا الى بلاد الروم، بحيث يحملون معهم الهدايا وينفقون بسخاء على المخطوطات والمترجمين. وقد حصل بهذه الطريقة على مخطوطات طبية قيمة وعلى رسائل هامة في العلوم الهندسية والفلكية. وكان يشرف على جميع المراكز العلميّة في العواصم والأمصار الإسلامية، وينفق عليها ويوجهها بحيث يحصل منها على ما يفيد تقدم الحركة العلمية التي يرعاها ويسهر على تقدمها وازدهارهافي الرها وجنديسابور وأنطاكيا ونصيبين، بالإضافة الى دمشق وبغداد والفسطاط[32].

العبور إلى النهضة

والحق أن عصر الرشيد، كان يطلق دعوة عظيمة للأخذ بالثقافة الهيلينستية والتي عرّفها المؤرخون بأنها تمثل الثقافة اليونانية الشرقيّة. ذلك أن الرشيد بصفته العلمية والأدبية، كان قد وجد أن الثقافة اليونانية الشرقية، تشكل مزيجا من الحضارة اليونانية ومختلف الحضارات الشرقية القديمة، كالمصرية والسورية والفارسية والهندية. وقد سمّي هذا العصر بالعصر الهيلينستي، تمييزاً له عن الطور الهيليني الذي كان سائدا، والذي كان يمثّل عصر الثقافة اليونانية الصرفة.

فقد أدرك الرشيد، بحسّه العلميّ والنقديّ مدى مساهمة الأمم والشعوب الشرقية في الحضارة اليونانية والعالمية عصر ذاك. فرأى أنه من الضروري الاستمرار بذلك، من أجل التمهيد لقيام الحضارة العالمية وعولمتها تحت رعاية العرب والدولة العربية الاسلامية.

لذلك نرى الرشيد يجذب انتباه أطباء جنديسابور وسائر المراكز العلميّة في ذلك العصر، للإنخراط في مشروع عولمة التراث العلمي الإنساني، حتى لا يظل يونانياً صرفاً، فيحافظ على مسحته الغربيّة الصرفة. ومن هنا نراه يمضي قدماً في ترجمته ونقل التراث الشرقي والغربي معاً، من الاصول الفارسية والسريانية والإغريقية اليونانية المختلفة، الى اللغة العربية، حتى يأخذ مشروع النهضة الشرقية طريقه إلى العصر.

الرحلة في طلب العلم

وإذا كان الرشيد قد أمر بنقل الألوان المختلفة من علوم ومعارف الأمم المتحضرة الى اللغة العربية وإحضارها إليه في بغداد ليشرف عليها بنفسه، ويتأكد من فائدتها في مجالسه العلمية التي كان يترأسها في أبهاء قصره، فقد كان يأمر أيضا في الانتقال والارتحال، بقصد طلب العلم من مظانه التي اشتهر به، مما جعل من ذلك علامة مميزة في تاريخ حياة العرب الثقافية.

وتأكيدا لما نذهب إليه، نقرأ ما كتبه السيوطي عن الرشيد في مجال آخر من مجالات الاستطلاع للرحلة في طلب العلم، إذ يقول عنه: "... ولم يعهد ذلك لملك بعد هارون الرشيد، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون إلى الإمام مالك لسماع الموطأ، وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين"[33].

ولهذا فقد أصبح الرشيد في هذا المجال مثالاً يقتدى به عند أبرز أهل السياسة في عصره وفي سائر العصور الأخرى في الشرق والغرب على حدٍّ سواء. ودليلنا على ذلك أن المستشرق آدم ميتز يستشهد به، حين يتحدث عن ابن عبّاد زمن البويهيين، وكيف كان قد جعل مجلسه، مجلساً للعلماء والأدباء من حوله، فيقول ميتز: "وكان ابن عبّاد وزير بني بويْه بالرّي، من الأدباء، ومن المعنيين بأهل الأدب. وقد شبهه مادحوه بهارون الرشيد، ذلك لأنه أشبه الرشيد بأنه جمع حوله أحسن أهل اللسن"[34].

عصر التنوير المبكر

والواقع، أنه بمثل هذه الجهود العظيمة في تنشيط الحركة العلمية، كان الرشيد يؤسس لتدشين أعظم عصر للعلم العربي، خصوصا بعد تشجيعه حركة الترجمة والنقل من المصنفات الإغريقية وغيرها، حتى بات يعرف لدى المستشرقين بعصر التنوير المبكر.

وكان الشغل الشاغل للعرب في أول أمرهم الكشف عن تلك المصنفات المخبأة والمهملة من علوم ومعارف الإغريق، ثم العمل على ترجمتها إلى العربية كخطوة ثانية، لتأتي بعد ذلك الخطوة الثالثة التي كانت تختصّ بمرحلة الإضافة والإبتكار.وهذا التدرج في تحقيق متطلبات حركة الترجمة، يدلّنا تماماً على المستوى الفكري لكل من خطط له أو قام بتنفيذه. وقد أصبحت حاضرة الخلافة العباسية في هذا العصر، المركز الرئيسي لأهل العلم والمعرفة، وبذلك استطاع العرب أن يضيفوا بحركتهم النهضوية هذه صفحة مشرقة أخرى، إلى سجل الحضارة العالمية، تلك الحضارة التي أينعت ودَنَتْ قطوفها في العصر العباسي. ولعل ما بذله الرشيد من جهود جبّارة في هذا المجال، هي التي جعلت من اسمه ومن حاضرة دولته توأمين لا يفترقان في الشرق والغرب على درب النهضة المبكرة.

 


 


 

1   - د. عبد الرحمن مرحبا: تاريخ العلوم عند العرب. دار السائح. طرابلس 1985: ص85 .

2   - ابن النديم: الفهرست. رضا وتجدد. طهران: 1990: ص120.

3   - فيليب حتي: المطول في التاريخ. دار العلم. بيروت 1973: 2 /96.

4   - دي لاسي أوليدي: الفكر العربي ومركزه في التاريخ. دار الكتاب العلمية. بيروت 1981: ص 100.

5   - د. قصي الحسين: تجديد الدولة العربية. الشركة العاليمية للكتاب. بيروت 1997. ص 210.

6   - د. لطيف زيتنونة: حركة الترجمة في عصر النهضة. دار النهار. بيروت 1994: ص11.

7   - الأب أنستاس الكرملي: دقائق التعريب. المشرق 63 (1903) ص1038 و 1077.

8   - حفني ناصف: التعريب المقتطف، م 33 (1908) ص 408.

9   - نقولا فياض: ذكريات أدبية. محاضرات الندوة اللبنانية. النشرة (3-4) ص 289.

10 - الخوري يوسف فارس: الترجمة والمترجمون. المشرق م 30 (1932) ص 289.

11