|
يبدأ المشهد وسط صخب القنابل وهول الدمار الذي أحـدثه العدوان الاسرائيلي على لبنان صيف العام 2006 ، يخـرق هذا الرعب ثوب ازرق يضفي على المشهد احساس دافئ باستمرارية الحياة في هذا البلد الجريح .
في سياق درامي بين النازحين والبيوت المهدمة ومشاهد القتلى والتوابيت وهلع الام التي تبحث عن ابنها المفقود دون امل في بادئ الامر على انه ما زال حياً ، تجتاح الاطار شخصية طوني (جورج خباز) الذي يمزج السم بالعسل بتعليقاته الساخرة من الوضع العام آناً ومن وضعه الخاص آونة أخرى ليجعل قصة لبنان مضحكة مبكية ، تحت وطأة ما يعانيه ، على طريقة زياد الرحباني .
تلفتك هذه الشخصية البسيطة والطامحة التي عانت طويلاً ومع ذلك متسلحة بغدٍ مرجوٍ أفضل ..
تدخل الشخصيات سريعاً الى اذهاننا وتعبر حواجز الاحزاب والطائفة ، تشدنا الى انسانيتها لتنقل مأساة زينة ( ندى بو فرحات ) الجنوبية من خربة سلم ، يؤازها السائق طوني من القليعة ، من تمثيل الصورة الى ايقاع الواقع ، فتحضر امامنا معاناة الآلاف الذين فقدوا عزيزاً او تاه عنهم آخر .
لا تخلو المأساة من بعض الآراء التي تمر مستغربة ، ففي اول مدرسة تدخلها زينة في رحلة بحثها عن اقاربها تبادرها احدى النازحات بالقول : " شو حصلنا من الحرب .. شو الروح بترجع .. " . ودون ان يتبنى السيناريو موقف واضح من القضايا الاساسية فإن مبدأ السلامة هو الظاهر في أكثر من جملة او عبارة ، واذ بزينة تقول بعد رؤية تشييع الشهداء في قانا الجليل ، الذي جاء هو بدوره ليحشر المقاومة بطرف دون آخر ، " كتير علينا الحياة .. مش حربك يا ماما ، بالاول لازم انفتش عليك وبعدين المقاومة .. أميركا ، " اسرائيل " ، سوريا ، حزب الله ، ما مهم ... " ، وكأن بنهج السلامة لأجل انقاذ الفرد هو المهم وله المرتبة الاولى في اولويات اللبنانيين وإن بدا الامر كحزن ام على طفلها إلا ان العبارة بحد ذاتها تشكل تعدياً واضحاً على قيم دافع مقاومون كثر عنها وسقطوا شهداء لأجل الحفاظ على استقلال لبنان ووحدته منذ قيامه وصولاً الى تحقيق انتصار جبار في وجه جبروت الآلة العسكرية لأعتى عدوٍ في المنطقة .
علامة استفهام جديدة توضع حين يصل السائق طوني والست زينة الى منزل عمته حيث يجتمع مع ابنائها على مائدة العشاء . في جو مخابراتي او شبه مخابراتي يدور حوار خطير بين مجموع الشباب ، منهم من يجعل " اسرائيل " حلاً وينوي التعامل معها مع رفض طوني المطلق لهذا الخيار واصراره على الابتعاد عنه لأن اليهود يغرون الشباب ولا يقدمون شيئاً ومن كان مع لحد فُرض الامر عليه ولم يكن قـراره التعامل . هكذا هي صورة هذه الشريحة في أكثر من مشهد وكأن التعامل كان فرضاً وليس خياراً ...
الفيلم بشكل عام يستحق المشاهدة ، اذ يضيء على اكثر من شريحة موجودة في المجتمع اللبناني مع ما يتضمنه من جمالية صورة الرائعة ندى إلا انه يتغاضى عن الاهتمام بالجماعة وجعل كريم " الطفل الضائع " جزءً من كل ، كما يشكل تخطي لمسألة العمالة مع اليهود اثناء الاحتلال وكأن بالأمر عادي جداً ويمكن ان يتغاضى عنه والقول بأن الامور كانت فرضاً وليس فعلاً من قبل الاشخاص الذين انضموا الى لحد بعد الاجتياح في سبيل المصلحة المادية .
من جهة ثانية تستحق المقاومة ان يشار إليها بأكثر من صورة البوستيرز على الطريق الى صيدا (victory) وأكثر من بعض الكلمات عن الشهادة ، لإعطاء هذه الثقافة حقها.
|