|
نوري السعيد مؤلف معاهدة 1930 كان رئيسا للوزراء لما وقعت الحرب العالمية الأولى. وكان يعتقد أن الحلف العراقي البريطاني هو أفضل شئ لأمن العراق، وأراد أن يعلن الحرب على ألمانيا لإيمانه بإنتصار بريطانيا، ولكن الوزراء لم يوافقوا معه على أساس أن نصر بريطانيا بتلك الحرب كان موضع شك. ولكن رئيس الوزراء أعلن العراق دولة محايدة وغير مخاصمة وقطع كل علاقات العراق الدبلوماسية مع ألمانيا. ولما دخلت إيطاليا الحرب سنة 1940, نوري السعيد كان وزير الخارجية في حكومة رشيد علي الكيلاني ولم يستطع إقناع الوزراء بقطع العلاقات الديبلوماسية مع إيطاليا.
الرأي العام العراقي تأثر كثيرا بنفوذ العروبيين في العراق وتغير تغييرا راديكاليا خصوصا بعد سقوط فرنسا، وتحول إلى وضع عدائي ضد بريطانيا لأن الدول العربية الأخرى ما زالت تحت السلطات الأجنبية. العروبيون في العراق ألحوا على زعماء العراق لتحرير سوريا وفلسطين وتحقيق الوحدة بين الدول العربية. والمتطرفون روجوا على التحالف مع ألمانيا على أن ألمانيا سترعى الاستقلال والوحدة بين الدول العربية.
في ذلك الحين كان رشيد عالي الكيلاني رئيس وزراء العراق ولم يوافق مع المتطرفين بل أعطى التحالف العراقي البريطاني دعما شفهيا. ولكن الشقاق بين الزعماء العراقيين أجبره على الوقوف إلى جانب العروبيين. وضباط الجيش أيضا تأثروا بالعروبة وشجعوا رشيد علي الكيلاني على فصل العراق من الحلف البريطاني. وخلال سنة 1941 و1942 ، رفض الضباط العسكريون التعاون مع البريطانيين، والزعماء العروبيين بدأوا مفاوضات سرية مع المحور. وبريطانيا قررت إرسال تعزيزات إلى العراق. ورشيد عالي الكيلاني، بينما سمح بإنزال قوة بريطانية صغيرة سنة 1940، أجبر على الاستقالة في مطلع سنة 1941 , ولكن الجيش أعاد اعتباره ورفض طلب بريطانيا لإرسال تعزيزات.
قوات بريطانية دخلت العراق من الخليخ الفارسي ومن القاعدة العسكرية الجوية في الحبانية في نيسان 1941، وتبع ذلك معارك عسكرية مسلحة مع الجيش العراقي والمعارك دامت ثلاثين يوما فقط وخلال هذه الحرب، فرّ عدد من الزعماء العراقيين من العراق بما فيهم ولي العهد عبد الإله ونوري السعيد . وفي آخر شهر أيار استسلم الجيش العراقي ورشيد عالي الكيلاني رئيس الوزراء وأعوانه غادروا العراق أيضا.
وعودة ولي العهد عبد الإله والزعماء المعتدلين تمت بتدخل البريطانيين، وكان لها نتائج بعيدة المدى. فقد أعطيت بريطانيا كل ما طلبته مثل إستعمال وسائل النقل والمواصلات وإعلان الحرب على قوات المحور في كانون الثاني سنة 1942. وقد طرد أنصار رشيد عالي الكيلاني من وظائفهم وبعضهم سجنوا طوال مدة الحرب. وأربعة من الضباط الذين كانوا مسؤولين عن الحرب العراقية البريطانية أعدموا شنقا.
إعادة التعمير والنهوض الاجتماعي من سنة 1945 - 1958 .
خلال الحرب العالمية الثانية بدأ المعتدلون واللبراليون يلعبون دورا سياسيا ناشطا وإن دخول أمريكا والاتحاد السوفياتي في الحرب وإعلانهم لصالح الحرية الديمقراطية عزز كثيرا موقف الديمقراطيين العراقيين. تحمل الشعب نقص المواد والقوانين التي تحد من الحرية الشخصية وحرية الصحافة، على أمل أن نهاية الحرب ستجلب الحيات الأفضل الموعودة.
ولكن الحكومة لم تعر إنتباها للروحية الجديدة وقوانين الحرب والحد من الحرية الشخصية والصحافة بقيت سارية المفعول بعد الحرب. دعا ولي العهد عبد الإله زعماء البلاد إلى اجتماع سنة 1945 وألقى خطابا وعزا عدم الرضا الشعبي لعدم وجود نظام برلماني يمثل إرادة الشعب. وأوعز بتأليف الأحزاب السياسية ووعد بالحرية الكاملة لنشاطاتهم وإطلاق إصلاحات اقتصادية واجتماعية.
وكانت ردة الفعل على خطاب ولي العهد إيجابية ومؤيدة، لكن لما تأسست الأحزاب السياسية سنة 1946 وبعض القوانين ألغيت، اعترض السياسيون القدامى وبعض المصلحين على ذلك.
الحكومة التي تشكلت سنة 1946 أسقطت بعد بضعة شهور من تأليفها. وبعد ذلك ألف نوري السعيد حكومة جديدة وحاول الحصول على تعاون الأحزاب السياسية ، ولكن الإنتخابات العامة التي أجريت تحت رعاية حكومته لم تكن مختلفة عن الانتخابات المحكومة السابقة. قاطعت الأحزاب الانتخابات ونوري السعيد استقال في آذار سنة 1947 وصالح جبر شكل حكومة جديدة.
صالح جبر كان أول سياسي شيعي يصبح رئيسا للوزراء ويشكل حكومة عراقية جديدة وضم في حكومته عدد من الشباب، لكن هو نفسه لم يكن مقبولا لدى الكثيرين من عناصر اللبراليين والوطنيين الذين عاملهم بخشونة عندما كان وزيرا للداخلية أيام الحرب. حاول جبر مساعدة العرب في فلسطين لتحسين صورته لدى زعماء المعارضة ولكنه أساء التعامل مع زعماء المعارضة وكانت محاولته لتغيير المعاهدة العراقية البريطانية الموقعة سنة ،1930 دون أن يستشير الزعماء العراقيين. ولما طلب منه أن يستشير الآخرين استدعى فقط السياسين المسنين واستثنى الزعماء الأفتى.
بدأ جبر بمفاوضات مع البريطانيين في محاولة يائسة لتحسين موقفه. ولما عرف أن بريطانيا تريد أن تبقي سيطرتها على القواعد الجوية البريطانية، أصرّ هو على بريطانيا لتقبل بالسيطرة العراقية على القواعد، والعراق يسمح للبريطانيين استعمال القواعد في حالة حرب وهدد بلاستقالة إذا رفضت بريطانيا مشروعه.
على أساس هذا التفاهم ذهب جبر إلى بريطانيا للمفاوضات في مطلع سنة 1948 على معاهدة جديدة. هو وآرنست بافين وزير الخارجية البريطانية ، وصلا بسرعة إلى اتفاقية لعشرين سنة ووقعاها في بورتسموث في 15 كانون الثاني سنة 1948. نصت الاتفاقية على حلف جديد بين العراق وبريطانيا على أساس المساوات والاستقلال التام واشترطت على الفريقين العاليين بألا يعتمد أحدهما سياسة في أي بلاد أخرى تخالف شروط المعاهدة أو التي يمكن أن تخلق متاعب للفريق الآخر. نصت المعاهدة الجديدة على تحسين شروط معاهدة 1930 على أساس المصالح المتبادلة. وأعيدت القاعدتان الجويتان اللتان كانتا موضع إنتقاد إلى سيادة العراق. كان على القوات البريطانية أن تجلو عن القاعدة ويزود العراق بالسلاح والتدريب العسكري. الملحق للمعاهدة أكد على أهمية القواعد العسكرية كعامل ضروري للدفاع عن العراق.
إستعمال القواعد العراقية الجوية في حالة حرب أو تهديد بالحرب يعود إلى دعوة العراق. ونصت المعاهدة الجديدة أيضا على إنشا مجلس دفاع مشترك والمشورة. واتفق الفريقان على إعطاء الفريق الآخر الوسائل الضرورية للمسائل الدفاعية.
رغم التحسينات في شروط المعاهدة الجديدة ، رفضت بالحال في ثورة شعبية عامة. مظاهرات في الشوارع وقعت قبل التوقيع على تلك المعاهدة للدفاع عن حقوق الفلسطينيين ، لكن عندما نشرت الأخبار في لندن أن المعاهدة قد جرى التوقيع عليها ، تبع ذلك مظاهرات وأعمال شغب اجتاحت شوارع بغداد. بعد أسبوع من توقيع المعاهدة دعا ولي العهد إلى اجتماع في قصر العائلة المالكة حضره الزعماء الشباب والقدامى أيضا. وبعد المناقشات قرروا رفض المعاهدة.
عاد رئيس الوزراء العراقي إلى بغداد ليدافع عن موقفه لكن بدون جدوى وازدادت المظاهرات وأعمال الشغب وأجبرت وجبر على الإستقالة.
لم تكن المعاهدة السبب الأساسي للثورة . كانت ذروة الصراع بين السياسيين الشباب يريدون المشاركة في المسائل السياسية وبين السياسيين القدامى الذين أصرّوا على استثنائهم. بقيت هذه المشكلة بعد رفض المعاهدة. وعاد السياسيون المسنون إلى الحكم بقيادة نوري السعيد.
سنة 1952 قامت ثورة شعبية عامة حركها زعماء المعارضة وقام بها تلاميذ المدارس والمتطرفون. والبوليس لم يقدر أن يتغلب على الغوغاء وولي العهد استدعي الجيش ليحفظ الأمن العام. رئيس الأركان حكم البلاد تحت الحكم العرفي لأكثر من شهرين. ونظام الحكم المدني عاد سنة 1953 ولكن لم يكن هنالك مؤشر يدل على أن السياسيين القدامى كانوا مستعدين أن يشاركوا السلطات مع المعارضين.
في نفس الوقت أصبح الملك فيصل الثاني بالسن القانوني وبدأ ممارسة صلاحياته الرسمية، وعهد الوصاية وصل إلى آخره. كان من المأمول أن الأمير عبد الإله سيعتزل السياسة ويدع القوى السياسية في البلاد ليخلقوا نظاما جديدا. الوصي السابق على العهد الذي أصبح ولي العهد بقي يدير السياسة من وراء الستار، وفي أي حال، بقي الصراع على السلطة بين الزعماء واستمر بكثافة أكثر حتى سقوط الملكية سنة 1958 بإنقلاب عسكري ناجح بقيادة عبد الكريم قاسم.
رغم عدم الاستقرار السياسي حقق العراق تقدما ماديا خلال الخمسينات نسبة لاتفاقية الزيت الجديدة التي زادت ضريبة إنتاج الزيت وإنشاء مجلس الإنماء. إتفاقية الزيت القديمة بين الحكومة العراقية وشركة IPC ( Iraq Petroleum Company)التي مدت خط أنابيب لنقل البترول من العراق عبر الأراضي الشامية إلى طرابلس, أنتجت دخلا ضرائبيا معتدلا، نسبة لشراء الأنابيب وظروف الحرب. وخط الأنابيب إلى بانياس لم ينفذ حتى سنة 1952.
بقيت بعض نقاط الخلاف بين الحكومة العراقية والشركة أي بي سي بدون حل. إن تأميم صناعة الزيت في أيران وإعلان إتفاقية السعودية سنة 1950 بين الحكومة السعودية وشركة البترول السعودية الأمريكية (Aramco ) ومؤخرا صارت أرامكو السعودية ، على مناصفة المدفوعات ، أغرت الحكومة العراقية وشركة البترول العراقية لمناقشة إتفاقية جديدة تنص على اقتسام الأرباح.
طالب بعض زعماة المعارضة بتأميم صناعة البترول ولكن الحكومة العراقية وشركة بترول العراق أحبطوا كل تحرك للتأميم ، وأخيرا وافقوا على المناقشة على أساس قاعدة المناصفة ، لصالح الحكومة والشركة. والاتفاقية الجديدة وقعت سنة 1952. وسمحت للحكومة العراقية لأخذ قسم من عائداتها بالبضائع واستلام حصة متزايدة من الضرائب اتفق عليها الفريقان بالتحديد. ونصت الاتفاقية على أن الحكومة العراقية تستلم قيمة ثابتة من الدخل سنة 1953 وكل السنين التالية.
خلقت الحكومة مجلس إنماء مستقل سنة 1950 ، محميا من الضغوطات السياسية ومسؤولا مباشرة تجاه رئيس الوزراء. وكان المجلس يتألف من ستة أعضا تنفيذيين يكون ثلاثة منهم إختصاصيين بمشاريع التنمية. رئيس الوزراء ووزير المالية كانا عضوين غير مسؤولين. تعديل لاحق لقانون المجلس نص على زيادة عضوين آخرين وإنشاء وزارة إنماء ووزير وزارة الإنماء يكون مسؤولا مباشرة تجاه رئيس الحكومة.
كان لهؤلاء الأعضاء حق التصويت بالمساوات ولا يحق لهم العمل في وظيفة رسمية أخرى. كان إثنان من الأجانب عضوين خبيرين والأعضاء العراقيون اختيروا على أساس الكفاءة والخبرة السابقة. وكان المجلس مقسوما إلى قسمين قسم فني وكانت الوزارة مسؤولة عن عددة أقسام أخرى. كانت مسؤولية القسم الفني الري وضبط الطوفان وتخزين المياه وتصريف المياه والنقل والتطور الاقتصادي والصناعي. وكان تمويل المجلس من سبعين بالمئة من دخل ضريبة البترول ومن قروض ومن دخل مشاريع المجلس نفسه.
في سنة 1950 قدم البنك الدولي قرضا لضبط الطوفان في وادي الثرثار وقد بنيت مشاريع ضبط طوفان أخرى. وبدأت مشاريع عمرانية كثيرة منها الجسور والبنايات العامة والمدارس والمستشفيات وبناية البرلمان الجديدة والقصر الملكي. كان هذا العمل خصوصا في السدود ومشاريع الري طويل الأمد ولكن مشاريع القصيرة الأمد ذات المنفعة العامة للشعب قد أهملت.
زعماء المعارضة هاجموا مجلس الإنماء والإعمار على التركيز على المشاريع البعيدة الأمد لأنها كانت لمصلحة أصحاب الأرض الثابتين وزعماء القبائل. رغم الانتقادات حافظ المجلس على استقلاليته لم تحظى أي من الوزارات بمثلها. ورغم ذلك بقي الشعب يجهل تأثير المشاريع البعيدة المدى المتخذة بينما المعارضة تهاجم المجلس على بعزقة الأموال بعقود منحت للإقطاعيين الأثرياء والزعماء السياسيين النافذين.
ملاحظة:
يظهر جليا في هذه الحلقة من تاريخ العراق من هولاكو إلى جورج بوش، فساد النظام الاقتصادي المعروف بإقتصاد السوق الحرة ( Free Market Economy) لأنه يزيد الغني غنى والفقير فقرا. وسيبقى الشعب في كل الدويلات السورية ضحية فساد نظام السوق الاقتصادية الحرة إلى أن ينتصر الحزب السوري القومي الاجتماعي ويطبق النظام المدرحي ( أي النظام المادي الروحي)، الذي لا يزال مجهول المعالم والتفاصيل ولا يظحر محاولات لوضعه بصيغة قومية واضحة، في حيّز العمل.
|