|
حين قرر الحزب إعادة إصدار «الجيل الجديد» باسم جديد في الخمسينيات، جرى التداول بأن يكون الاسم الجديد مؤلفاً من كلمة واحدة، وفي الوقت ذاته ينبثق من طبيعة وجود الحزب السوري القومي الاجتماعي. فلم نجد اسماً أكثر بساطة، وأقوى تعبيراً، وأكثر دلالة، وأمتع انسيابا على السمع من إطلاق اسم «البناء». انطلاقاً من أن المهمة الأولى على عاتق الحزب هي «بناء» الإنسان الجديد. بناء الإنسان على وعي حقيقة أمته والعمل على توحيدها شعباً وأرضاً. فكان اسم «البناء» هو الاختصار المطلق الجذاب صحفياً وحزبياً.
صدرت «البناء» استمراراً ومتابعة لمسيرة «الجيل الجديد» التي توقفت بسبب عملية دمج الصحف خلال نظام أديب الشيشكلي، التي اقتضت إلغاء اسم كل من الجريدتين المندمجتين واعتماد اسم جديد. فاندمجت جريدة «الجيل الجديد» مع جريدة «الحضارة» لصاحبها فهمي المحايري وأخذت اسماً جديداً هو جريدة «الشام» التي انتهت بانتهاء النظام الذي فرض وجودها. وكانت مكاتب الجيل الجديد ومطبعتها في بناء واحد في سوق ساروجة بعد أن انتقلت المكاتب من بناء كان قيد الإنشاء في شارع رامي.
في الجيل الجديد. كان معظم المحررين والعاملين حديثي العهد بالعمل الصحفي الصرف. وأما في «البناء» فتبدل الوضع بعدما أصبح أولئك الرفقاء الصحفيون، خبراء وضليعين في العمل الصحفي بحيث تخرج من «البناء» جيل من الصحفيين ملأ فراغاً كبيراً في الصحف الكويتية خاصة والخليجية عامة والمهاجر.
سرعان ما احتلت «البناء» مكاناً لها بين صحف الدرجة الأولى في العاصمة دمشق. وصارت واحدة من ثلاث أو أربع صحف ينتظرها السياسيون بلهفة كل صباح.
صار للجريدة قراؤها ومدمنوها من مختلف الشرائح والاتجاهات لوفرة ما فيها من غنى في الأبواب الثابتة والمواضيع المتنوعة وخاصة الدراسات والأبحاث، حول النفط ومشاريع شركات النفط الأميركية المستهدفة نهب ثروات العالم العربي.
أهم الأبحاث والدراسات انصبت حول «المياه» وأطماع الدولة المحتلة لفلسطين وبمياه لبنان والشام والأردن، لاستخدامها في مشاريعها الاستيطانية.
ولمعرفة أهمية ما حققته «البناء» وما هيأته من تخريج كادرات، من المفيد المرور على تلك الفترة، حيث كان كادر الجريدة الثابت يتألف من الرفقاء فاروق نصار مدير التحرير، الذي توفي وهو يشغل منصباً صحفياً رفيعاً لواحدة من أكبر وكالات الأنباء العالمية الأسوشيتد برس انترناشنال، بالإضافة لمراسلة صحف عديدة. بحيث صار لتقاريره الصحفية عن الشرق الأوسط عامة ولبنان والشام خاصة أهمية قصوى في الأوساط الإخبارية. عدا عن أنه كان مولعاً بالشعر وفي طليعة من قدم قصيدة شعرية.
أما الأخبار الخارجية ومتابعتها لما بعد منتصف الليل فكانت للرفيق برهان شريح الذي أتقن فن تقديمها وإبراز ما فيها من أهمية من خلال المانشيت، وهو فن صحفي نادراً ما ينجح به أي كان. وهو أيضاً كانت له هواية أدبية تجلت بكتابة القصة القصيرة ولا تزال قصصه مدرجة في مجــلدات «البناء» وقبلها «الجيل الجديد». تابع برهان شريح عمله الصحفي بعد حرق المطبعة في سوق ساروجة وإغلاق الجريدة عام 1955. وعمل لفترة بسيطة في جريدة الإنشاء لصاحبها وجيه الحفار والفيحاء لصاحبها سعيد التلاوي، حيث انتقل في عهد الوحدة إلى العمل كرئيس لتحرير قسم الأخبار في جريدة «الجماهير» التي كان يرأس تحريرها جمال الأتاسي. وبعد الثامن من آذار عمل في الاختصاص ذاته بجريدة «البعث» الأسبوعية ثم في «البعث» اليومية مع رئيس تحريرها إميل الشويري. وقد قدمت هذين الرفيقين كنموذجين على نجاح رفقائنا في العمل الصحفي.
صفحات الجريدة حملت كتابات تاريخية عن الأساطير السورية والتاريخ السوري والموسيقى, ساهم فيها على سبيل المثال سامي الخوري وحسني حداد وقاسم شواف وأدونيس الذي كان مسؤولاً ثقافياً. كما كتب فيها هشام شرابي وأنيس فاخوري (غضوب خزاف).
بالطبع فإن ما ذكرته هو لمحة عابرة لم تتضمن المقالات السياسية اليومية، يكتبها عصام المحايري عادة والمقالات المتعلقة بالشؤون الاقتصادية يكتبها جورج عبد المسيح عادة. عدا عن الزوايا والأبواب الثابتة مثل الرياضة التي كان يغطيها نعيم نصار والنشاط البرلماني وجلسات مجلس النواب يحررها بشير موصلي. والأخبار المحلية يشرف عليها رامز يازجي.
الإدارة كان مسؤولاً عنها كامل حسان والشؤون المالية فؤاد شواف يعاونهما عدد من الرفقاء دون أن أنسى أن الرفيق غسان جديد، وكان يحرر إحدى الزوايا. ويطول الحديث عن دور كل منهم، ولكن باستطاعتي القول إن هذه المجموعة بكاملها المتفانية في العمل كانت واحدة من أهم عوامل نجاح جريدة الحزب.
وسر نجاح الجريدة أيضاً كان في شعور كل واحد من العاملين فيها أن الجريدة هي جريدته وهو مسؤول عن نجاحها وفشلها ضمن الاختصاص الذي يشغله.
بقي هناك دور هام يعادل في أهميته كل الأدوار. هو دور أعضاء الحزب الواعين لأهمية نجاح جريدتهم، فكان معظم القوميين مراسلين متطوعين يزودون الجريدة بأي خبر أو معلومة تصل إليهم بحكم عملهم أو تواجدهم، لذلك كان للجريدة مراسلون في أنحاء العالم - عبر الحدود، حيث يتواجد قومي اجتماعي يدرس أو يعمل أو يسوح.
بعد كل التعذيب والضغوطات التي تعرض لها رفقاؤنا ممن جرى اعتقالهم بعد حادث المالكي تأكد لسلطة القمع والترهيب أن موارد الجريدة نظيفة بفضل نشاط أعضاء الحزب في جمع مشتركين لها وبفضل الإعلانات والاشتراكات ومساعدات عبر الحدود.
واليوم بعد غياب نصف قرن، تعود «البناء» لمتابعة صدورها أسبوعية انطلاقاً واعتماداً على تلك الروح العالية التي كانت وراءها في الخمسينيات فأعطينا عدد 8 تموز 2007 الرقم 354 على الرغم من أنه أول إصدار أسبوعي. يقيناً منا أن «البناء» اليوم ترمز إلى الاستمرار وعدم الانقطاع عن الشعب طوال تلك الفترة، لأن الانقطاع المادي لا يمكن أن يلغي دور التواصل المعنوي الذي استمر دائماً بين الحزب والشعب, ساكناً في ضميره ووجدانه فيلاحقنا أبناء شعبنا دائماً بالسؤال، أين «البناء» متى تعود البناء؟.
وإذ عاودت «البناء» الصدور، فلتكون الصوت المعبر عن رأي الحزب وتوجهاته ولتكون البوصلة التي تطرح رؤيتها السورية القومية الاجتماعية ومعالجة آلام المواطنين وسد حاجاتهم، وهو ما يرتب عليهم مسؤولية مساعدتنا في أن نحقق لهم ما يرغبون أن يصل إلى المسؤولين من اقتراحات ومن شكاوى ومن دلائل على أي فساد أو عرقلة للمصلحة العامة والخاصة دون مبرر.
نهنئ أعضاء الحزب بعودة جريدتهم وننتظر منهم قيامهم بدورهم الواعي بالعمل على إنجاحها كما فعلوا ويفعلون دائماً، وليأخذوا دورهم بالمساهمة في تحريرها وهي في كتابة افتتاحياتها، حيث تفرض سنة التطور والتطوير أن يأخذ كل جيل دوره في زمنه.
* نشرت في عدد جريدة "البناء" الدمشقية بتاريخ 10 أيلول 2007 .
|