كثيراً ما تنفع المقارنة بين الأمس ، والحاضر ، فقد يكون فيها مقاربة من نوع ما لاستشراف مستقبل ما، لموضوع ما - انطلاقاً من سيرورة العمل فيه ، والسلوك المترافق معه ، للشخصيات القائمة عليه ، ولا أعود إلى أمس بعيد ، بل إلى اللحظة التي أعلن فيها العالم إقامة كيان سرطاني في جسد أمتنا السورية ، وبدأت المؤامرة التي لم ، ويبدو أنها لن تتوقف ، وموقف الأطراف كافة في المنطقة ، الذين أوكل لهم مهمة التضليل وحماية الكيان ، والمسوقين له ، وحراس الكيانات التي أبدعوها ، وتطور أعمال الحراسة ، عل في هذا ما يفتح العيون المغمضة قليلاً ، أو ينبه العقول الراكدة والتي لا تريد أن تعمل لتستمر في إغفاءة أهل الكهف .!.
هل كنا بحاجة لنعلن أننا سنلقي باليهود في البحر ، أم هو مجرد مصطلح لغوي استمده القائمون على الأمر من جملة تقول أن اليهود جاؤوا عبر البحر ، وعبره يعودون ، وما كان المقصود إغراقهم بالمعنى الحقيقي للكلمة ، أو أن المصطلح كان مطلوباً ومفروضاً ، ومفبركاًَ لاستغلاله في الترويج لاستدرار عطف المجتمع العالمي وخاصة الأوروبي الذي كان يكره اليهود بطريقة لا يصدقها العقل ، في حين كان العرب - زمن الخلافة الأموية ، أو بعدها يحملون لواء الدفاع عنهم ، وتجسد ذلك في اتفاقيات حكام الأندلس والولاة مع الدول الأوروبية في حينه ، أو حتى بعد ذلك ... الأرجح أن المصطلح - اعتماداً على الخبرة المكتسبة من التجارب مع هذا الصنف الماكر من البشر - تجعلنا نؤمن بأنه كان مطلوباً وبإلحاح ، وأن تتبناه في حينه كل الأبواق النافخة في المنطقة بغض النظر عن ردود الفعل العالمية التي لم يكن لها حساب في تفكير قادة المنطقة العربية ، سواء في بلاد الشام أو محيطها الذي كان مفروضاً فيه أن يحمل عبء مقاومة الاستيطان والاحتلال إلى جانب أهل البلد المستهدف ومحيطه ... أي في كل سوريا الطبيعية .
أن نستذكر حرب الإنقاذ - وأي إنقاذ كان يقوده جنرال بريطاني - نقرأ في مذكرات القادة العسكريين آنذاك أسلوب القيادة الذي كان يراقب عن كثب تقدم أية قطعة محاربة ، ليصدر الأوامر بوقف زحفها ، واستبدال محاور هجومها وتوجيهها إلى كمائن اليهود ونقاطهم المحصنة ، أو على ألأقل أن يوقف تقدمها ويطالبها بالعودة إلى خطوط الانطلاق إفساحاً في المجال لإبدال الموازين على أرض الواقع ، وهكذا ... كانت حرب الإنقاذ على مستوى القيادات مجرد لعبة لاستنزاف الوحدات المشاركة بمنهاج مبرمج يخدم أغراض العدو الذي يستفيد منها في اكتساب الخبرة ، ورفع معنويات وحدات عصاباته المدربة - المؤهلة - المزودة بأفضل العتاد لتترسخ في ذاكرة المنطقة عقدة الضعف أمام عدو متفوق ، ومنع التفكير في حروب مقبلة ريثما تصبح قدم العدو راسخة ومواقعه محصنة وهذا ما حصل ، ثم لتتوالى الانقلابات العسكرية تدعمها سياسات الغرب ، إغراء وإملاء ، واحتضاناً ، مع كثير من التضليل والترغيب ، ليوقع بعض القادة اتفاقيات الهدنة طويلة الأمد ، ويعيدون بعض المواقع كما فعل حسني الزعيم ( أعاد موقع مشمار هايردن إلى اليهود وكان يحتله الجيش السوري ) في حين منعت بعض الأنظمة العميلة جيشها من أن يتزود بالسلاح المناسب ، بل زود بعضها بالذخائر الفاسدة كما حدث لجيش مصر ، وهكذا فرضت النتائج نفسها وأخذت أبعادها ، وحمل الوطنيون الحسرة والمرارة في الصدور مصحوبة بالنقمة على تلك الأوضاع وهذا يعرفه الجميع .
بالأمس الذي أتحدث عنه كان شعار الجميع - شعار مرحلي على ما يبدو - تحرير فلسطين ، ورمي اليهود في البحر ، ولو شاء بعضهم أن يفسر المصطلح لقال كما نقول أن عليهم العودة من حيث أتوا أي من البحر - لكن ماكينة الإعلام الصهيوني ، ولم تكن يوماً إلا كما هي اليوم ، تحسن استغلال الكلمة والظروف والشعارات المرفوعة ، أبدعت وأحسنت في استغلال الشعار المرفوع عربياً - ولو أحسنا الظن نقول أنه كان شعاراً غبياً ، إلا إن صدق الظن وكان مخططاً ومطلوباً أن يرتفع الشعار ذاته من قبل الحراس الذين أوكل لهم مهمة محددة ، انقلب الغرب من كاره لليهود إلى كاره للعرب ، فاليهود مساكين ، أقلية عالمية بحاجة إلى وطن ، وقد وصلوا في خبثهم درجة أقنعوا فيها عالم الغرب المؤمن بأن الرب هو من أعطى ، وأنهم ليسوا معتدين أبداً ، في حين لم يهيئ القدر للمنطقة قيادة تحسن استغلال الظروف وتتخذ لها منهجاً متفوقاً، أو معادلاً على الأقل لمناهج العدو ، فوصلنا إلى ما أسموه النكسة ، ونكسة الأمس في 1967 وبعد أكثر من ثلاثة عقود تتكشف حقائقها للبعض - وأغلبهم لا يجرؤون على قول الحقيقة بأنها جاءت بناء على طلب سعودي ، وبوثيقة رسمية نشرتها الخارجية الأمريكية ، ولن نناقش كونها كانت مطلب حق ( بسبب سياسة المرحوم عبد الناصر في تصدير الثورة وتوريط جيشه في اليمن ) أو أنها أيضاً كانت بناء على مشورة أمريكية لخدمة أغراض صهيونية وهو ما ألمح له الملك فيصل في رسالته عندما أيد نصيحة الخبير الأمريكي كيم روزفلت .... ( الموجود في مملكتنا ) وكانت النصيحة تقضي بطلب هجوم صهيوني يحتل جزءاً من أرض مصر ويدفع بالجيش المصري خلف القنال ... لينسحب صاغراً من اليمن ، ثم أن لا يتم استثناء سوريا واحتلال جزء من أرضها ، ومطالبة صريحة بدعم ..." صديقنا البرزاني الذي نمد له يد العون منذ فترة عن طريق أصدقائنا في طهران وأنقرة " وجاءت النتائج حسب الطلب تماماً ، وكل أبناء جيلنا أدركوا حينها أننا مجرد مفعول به لا يحسن أكثر من تلقي اللطمات ، ويبقى رد فعله مجرد جعجعة ... وهكذا أحسن الأعداء استغلال الظروف ، صورونا أننا كنا سنلقي بهم في البحر ، فألقونا في صحراء التيه الطويل ، سنوات ، وبعد أن كانوا بالأمس ذاته يستجدون العالم لفرض اعتراف ما بوجودهم وحقهم بجزء من أرض فلسطين من قبل الأنظمة العربية وبموجب قرار دولي للتقسيم ، أقنعوا العالم كله بأن الظروف تغيرت وأن على العرب أن ينطلقوا من واقع جديد .. وجاءنا الشعار فوراً .... العودة إلى حدود ما قبل الخامس من حزيران 1967 ، وهي حدود تزيد كثيراً عن حدود ما كانوا يطالبون به ... ثم لننظر إلى استراتيجية جديدة يرفعها بعض القادة المتنطحين للتحرير فيقول بعضهم أن تحرير فلسطين يبدأ من تحرير تونس أو المغرب ، أو يبدأ من عمان كما قال المرحوم عرفات ، أو من الكويت كما قال بذلك صدام حسين ، لم تعد فلسطين في قاموس القيادات العربية ، عربية ، فقط جزء منها ( الضفة وغزة ) ، اعترفوا جميعاً بما لا نقبل الاعتراف به كشعب .. تحت يافطة الواقعية والأمر الواقع ، ويبقى أن العدو لا يعرف ، أو هو لا يريد أن يعرف عن هذه الواقعية أو يطبقها فيلتزم بما أقرته الأمم المتحدة ( مجلس الأمن ) ، وعلى الذين مشوا أولى الخطوات نحو الخلف أن يتابعوا مسيرتهم مدعومين بحراسة أمريكية سرية ، وأموال أمريكية منهوبة من صناديق عربية أو عائدات عربية على ألأقل ، ولكن تديرها أيد صهيونية .. ويبقى أن اتفاقية السادات التي تعتبر خطوة البداية للحل الشامل ، ويجب أن يتبعها اتفاقات على محاور أخرى بما يكفل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تعالج الموقف بعد العام 1967 ، وضمان حقوق الفلسطينيين ، .. نفذت منها البنود التي تخدم أمن العدو وتوسعه ، وسقط كل ما عدا ذلك ، وسقط السادات ولم تسقط اتفاقاته ، الأكثر بشاعة أن ينقلب كل نظام بعده يقوم على أرض مصر إلى حارس شديد الإخلاص للمساعدات الأمريكية المشروطة ، وللمهمة التي من أجلها رصدت المعونات ، وهذا ما نراه من إصرار النظام المصري على تنفيذ مطالب اليهود هذا اليوم بالذات في تسليم أبناء غزة من السياسيين والمناضلين وأعضاء المجلس الوطني إلى سلطات العدو أو منعهم من العودة ... أبعد هذا العار ... عار .
ما الذي يراهن عليه رؤوس النظام العربي .؟ وهل عزل سوريا ، أو أي كيان يحاول الحفاظ على الحقوق ، ومحاربته ، أو محاصرة الفلسطينيين وتجويعهم ، هو الطريق لتحرير بعض الأرض والتي لن يتنازل عنها العدو طواعية ، وهم يرون أن العدو يمعن في الاستيطان والاستيلاء على الأراضي ، وتهجير البشر ، الذين لا يستطيع قتلهم ، ويصمت العالم ، العالم الذي ليس مطلوب منه أن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين (بعضهم ) أو عربياً أكثر من العرب الذين تمثلهم اليوم السعودية والنظام المصري ، وآخرون ، وكلهم من حراس سايكس - بيكو ، قديمه ، أو جديده المتمثل بمشروع بوش - تشيني ، الشرق الأوسط الكبير ، أو مشروع رايس ، شرق أوسطها الجديد الذي رأت أنه يولد في عدوان تموز الفاشل .!.
" بلوانا أنهم لا يتوقفون عند حدود عدم القدرة على مد يد العون والمساهمة في التحرير ، بل هم يقفون ضد هذا التحرير ويعملون على حماية العدو ومحاصرتنا ... !. "
بين الأمس القريب منذ أكثر من نصف قرن وبين اليوم الحاضر ، مسافات شاسعة من التفكير ، والعمل ، وأيضاً الكلام والشعارات ، بالأمس طرح العدو شعاراته التي تقضي بقيامة " إسرائيل الكبرى " ، عمل ويعمل لهذا الهدف ، واليوم لم يغير من أهدافه حتى بالقول رغم هزيمة مشروعه وانحساره ، بل وقوقعته خلف جدران يقيمها ، في حين شعارات الأمس العربي تم طمسها ، استولدوا شعارات أحدث ، فيها الكثير من الانهزامية والتواطؤ على القضية ، مع ذلك يعجزون عن تطبيقها ، بعد زمن ليس بالبعيد سنرى أن شعارات جديدة ، تلوح بوادرها هي التي ستحدد مستقبل هذه المنطقة إن لم تتفجر ثورة الشعوب المكبوتة ، وليكن الشعار .. عودة إلى الأصول ، إلى أسس النضال والصراع ضد السرطان ، ليتوقف نمو السرطان ويبدأ استئصاله ، فكل الشعارات المطروحة اليوم تحت راية الواقعية هي مجرد شعارات دونية مطلوب ترديدها لتخدم قضية واحدة ، قضية استمرار التعمية والتضليل والحفاظ على جسم ترفضه تربة المنطقة لأنه غريب ، غريب حقاً . وآخر كلمة نقولها : إن كنتم لا تستطيعون دعم مقاومة شعب فلسطين ، فاخجلوا على الأقل من حصارهم ، من المشاركة في تجويعهم ، بل اخجلوا من تسليم مناضليه إلى جلاديهم الصهاينة ... أو علينا أن نقول أن ماء الخجل والحياء قد اختفى تماماً من وجوه العملاء ... الوجوه الصفراء ... غارت دماؤها من شدة العار .
|