|
أكثر ما يكون الانسان سعيداً هو استرجاع الماضي والتاريخ، في محاولة لكشف الذات بكل قيمها المعرفية، تلك الجامعة لكل مكونات المجتمع، والتي تعلمهم معنى الحياة الإجتماعية، ومعنى اكتشاف الآخر الأجمل والأعمق، لا سيما بعدما ترسخ في لبنان منطق الجزر الطائفية، وبدأنا نسمع عن جزيرة الضاحية، وجزيرة الشوف، وجزيرة كسروان، وجزيرة بيروت، حتى بدا وكأن الجيل الجديد يعيش الغربة في وطنه. وقد لعبت «الثقافة» المدرسية والاعلامية دوراً في تكريس منطق الجزر، وإقامة الجدران النفسية التي أعاقت إكتشاف الآخر.
ولأنني ابن البلدة المارونية ذات اللون الواحد بامتياز، لم أتعرف إلى الآخر إلا من خلال الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي اكتشفته عن طريق الصدفة، من خلال بعض الأصدقاء في إطار من العمل الثقافي، وقد اقتنعت بفكر هذا الحزب وعقيدته، ومن خلاله تعرفت على العديد من اللبنانيين من مختلف الطوائف، كما تعرفت على أهمية علاقة لبنان بمحيطه القومي والعربي.
على خلاف ما يعتقد البعض، فبعد انتمائي للحزب السوري القومي الاجتماعي، لم يصبح لدي موقف عدائي من الدين ولا من الكنيسة، بل على العكس اكتشفت الله بشكل أفضل... الله المنزّه عن كل الموروثات المعطلة لقيمه، الله الذي لا علاقة له بالصراعات المحلية، الله الذي لا يُخلفني مع الآخر، وأصبحت علاقتي بالمُخْتَلِف كوني مسيحياً، أقل تعقيداً، ولم تعد مبنية على الخوف من هذا الآخر، وقد اكتشفت انه لا يمكننا أن ننشد مجتمعاً أفضل إلا مع الآخر المختلف، ولا يمكننا إحترام الأديان الأخرى إلا إذا تعرفنا عليها وفهمناها. لذا انخرطت في مشروع قومي اجتماعي غير طائفي، هدفه بناء مجتمع مدني في بلد تسعى فيه كل أحزابه التقليدية للتعاقد المرحلي بما يخدم مصالحها الآنية المرحلية، بمعنى أن هذه المرحلة تتطلب تحالفاً سنياً فأتحالف مع السني، أو تحالفاً شيعياً فأتحالف مع الشيعي، والوضع ينطبق على التحالفات المسيحية.
صورة الماضي والحاضر
خطورة هذه المرحلة، أنها لا تعكس صورة الماضي، ففي الماضي شكل رواد النهضة المسيحيون مظلة فكرية وثقافية للمشرق، عندما رأوا انه لا يمكن أن ينمو الوجود المسيحي ويتجذر في هذا الشرق إلا إذا تجذّر في تربة العروبة، باعتبار أن المسيحية ليست جسماً غريباً، أو جالية غربية مرتبطة بالغرب. أما في المرحلة الراهنة، فنلحظ إتجاهاً منظماً لتغريب المسيحيين عبر القول: نريد مسيحية ومسيحيين دون ارتباط وطني أو عربي.
في موازاة ذلك، فإن الخطر الأكبر راهناً، يترجم بظهور اتجاهات تدعو إلى إسلام دون عروبة ودون قضايا وطنية، وهذا التوجه الجديد يقودنا إلى فهم أسباب معاداة حزب الله، فهو بحسب منطق الطوائف ليس مقاومة، بل مجرد طائفة مسلحة، أما العلمانيون فينظرون إليه بوصفه مقاومة تحريرية، ما يؤكد بأن لا حماية للمقاومة إلا بالأحزاب العلمانية، وأن مستقبل المقاومة يقف على مقدار حماية هذه الأحزاب لها، لأن كل التشكيلات الطائفية لها منطق واحد وتفكير واحد وإيديولوجية واحدة، وهذه التشكيلات قادرة على أن تبتلع كل اتجاه مدني وباستطاعة وحشها أن يبتلع أي مقاومة وإن كانت منتصرة على «اسرائيل».
بايجاز أكثر، فإن الطائفية والصهيونية هما وجهان لعملة واحدة، لذا لا يمكن اعتماد وجهة النظر القائلة بأن هناك طوائف اقل طائفية، وطوائف اكثر طائفية، فهذه مجرد وجهة نظر، تنطبق على لحظة الصعود السياسي لهذه الطائفة أو تلك نتيجة اندفاعة داخلية نابعة من رافعة خارجية، ولكن في كلتا الحالتين فإن المنطق الطائفي هو منطق مأزوم باستمرار، بوصفه منطق مغلق ومتعصب، والتعصب هو اساس التصحر الفكري والثقافي. ومثالنا على ذلك نموذج أحزاب المارونية السياسية، ففي صفحات «التاريخ الماروني» نجد أن منطقة بشري تنتج جبران خليل جبران، أما راهناً فهي تنتج سمير جعجع. ونجد أن قيادات الموارنة كانوا في تلك الفترة نهضويين، أما اليوم فهم مأزومون. وهذا ينطبق على الطائفة السنية التي تعتبر نفسها في لحظة صعود في البلد وفي المنطقة، وبفعالية، أقوى من فعالية صعود الطائفة المارونية. وبإمكاننا القول ان الطائفة الشيعية كانت تعمل بنفس الطموح، فهذه الطائفة ممثلة بحزب الله نادت في العام 1983 بقيام الجمهورية الإسلامية، غير ان الحراك المقاوم وقتال «إسرائيل» أدخلا هذه الطائفة في صلب الهم الوطني، ونتيجة هذا الفعل المقاوم والرؤية الواضحة لطبيعة الصراع القومي مع «اسرائيل»، تخلى حزب الله عن فكرة الجمهورية الاسلامية، مؤمناً بأهمية صيانة المجتمع المتنوع على قاعدة وحدته، مدركاً في الوقت ذاته، استحالة فرض ايديولوجيته الطائفية على كيان متنوع.
الآن ما هو الملح؟ هل المواجهة مع «إسرائيل» أم فكرة الدولة؟
الملح الإثنان معا،ً وعلينا فتح حوار مباشر وفوري مع حزب الله، فإذا كانت فكرة المواجهة ضد «إسرائيل» هي الأساس وهذا مؤكد، علينا أن ندخل معه في جبهة واحدة، وأن نطور معاً فكرة قيام الدولة.
العماد ميشال عون ينادي الآن بالدولة العلمانية والديمقراطية، وهذا يتكامل مع توجه الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبهذا المعنى يجب تعميم مساحات اللقاء، ويجب ان يكون هناك تواصل مع الآخر حتى ولو لم تكن متوافقاًً معه في كل القضايا، ففكرة التعددية لها أصول، ولا تصان إلا بالممارسة الديمقراطية.
قد يكون حزبنا في مراحل سابقة، خسر الكثير لأنه لم يكن راغباً بالتحالف مع من لا يشبهه، لكن هذا خطأ في السياسة، فالعمل السياسي يتطلب دينامية وحيوية معينة، فالعقيدة لا يجب أن تعكس نفسها دائماً في التصريح السياسي اليومي، وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح التصريح السياسي بديلاً عن المبدأ والعقيدة. هذه مسألة دقيقة وتحتاج إلى إبتكار توليفة عملية ما بين العقيدة والعمل السياسي اليومي.
هنا يحضرنا السؤال: ما فائدة أن تشن الحملات على رموز حزب الله الدينية المقاومة، في وقت تطالب فيه «اسرائيل» بالقضاء على هذه الرموز وعلى المقاومة؟!
وما هي الفائدة من فتح صفحات من تاريخ ميشال عون في « حرب التحرير»، في الوقت الذي ينادي فيه بالغاء الطائفية وقيام الدولة المدنية؟
لا أخفي أن الحزب السوري القومي الاجتماعي يواجه اشكالية كبرى في تحالفاته، إذ ان هناك فريقاً ينسجم معه في مسألة المقاومة ويتباين معه في مسألة قيام الدولة المدنية وطبيعتها، وهناك فريق يتناغم معه في مسألة رؤيته للدولة المدنية ويتباين معه حول آفاق الصراع العربي- «الإسرائيلي». من هنا نحن مدعوون للخروج من كل أشكال التبسيط، واعتماد سياسات مركبة تستفيد راهناً من كلا الحالتين لتقوية المشروع القومي الاجتماعي
أهمية الفكر النقدي
لقد تذاكت الطوائف في المناداة بقيام الدولة الديمقراطية الطائفية وعملت على تكريسها كأمر واقع، لكن، الكل يعلم ان الدولة الديمقراطية لا تقوم إلا على أساس المواطنية، أما قيام الدولة على أساس طائفي فهذا يعني أنه متى كبر مشروع الطائفة فإنها ستعمل حكماً للقضاء على الآخرين أو قضمهم على الأقل. فحزب الكتائب الذي صادر القرار الماروني في العام 1975 أقام مشروع مواجهة مع الطوائف الأخرى، وعمل على فرض المارونية السياسية على الجميع، ما أدى إلى الإنفجار واندلاع الحرب الأهلية. واليوم نرى هذه النزعة لدى تيار «المستقبل» الذي يحاول مصادرة القرار السني ويستخدم منطق الهيمنة على الآخرين. وعندما يصبح لدى حزب الله طموحات مماثلة، يكون قد تخلى عن مشروع المقاومة. لذا ليس هناك أي خلاص للبنان إلا من خلال مشروع وطني، ولا خلاص للمقاومة بوصفها مشروع يربطنا بالمستقبل، إلا من خلال بناء الحالة الوطنية التي تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية.
بصراحة أقول: عندما تنحو مقاومة حزب الله منحىً طائفياً، وتتخلى عن المواطنية، فمصيرها الاحتضار. إن المواطنية لا تساعد فقط على قيام الدولة الحقيقية، بل تجعل من المقاومة عنصراً أساسياً في وحدة المجتمع، وعند ذلك نكون أمام مشروع مقاومة قومية كبرى.
إن أهمية مشروع الحزب السوري القومي الاجتماعي، أنه مشروع حداثوي، ينطلق من فكرة المواطنية وقيام الدولة الديمقراطية، وهو ما يتناقض مع توجه الطوائف التي لا تستشرف الحلول، بل تعيش وتستمر على التناحر والاقتتال، وهي دائماً أمام خيارين: إما الانتحار أو الانتصار، إذ يغيب عندها منطق التفاعل مع أطياف المجتمع. والتناحر يحصل حتى ضمن الطائفة الواحدة، وعندما تحتقن الأمور السياسية وتتصاعد الأزمات يخّيل للمراقب مثلاً أن للشيعة والسنة نبييْن أو رسوليْن وللمسيحييْن يسوعيْن.
وعلى خلفية منطق الانتحار أو منطق القبض على الآخر، نفهم معنى التصريح الذي أطلقه أمين الجميل ضد الأرمن بعد انتخابات المتن الشمالي الفرعية، فهو حاول أن يتجاهل خيارات شريحة مهمة من اللبنانيين، وهذا طبيعي، لأن فكر أمين الجميل فكر طائفي وحكماً فاشي، فالطائفية شكل من أشكال الفاشية إذا لم تجد من تقاتله تقتل نفسها. وهذا ما حصل مع التيارات المسيحية الأصولية في العام 1975، وهو يحصل مع كل أصولية طائفية.
الطائفية وفق منطق الطائفيين هي فوق كل نقاش أو مساءلة أو مكاشفة، والجمهور الطائفي ذات طبيعة قبلية،فزعيم القبيلة لا يُسأل. وهنا يكمن سر انحدار وانهيار الحياة السياسية في لبنان. ففي ظل غياب الثقافة الديمقراطية والفكر النقدي، يعتقل العقل وتتحرر الالسن، وهذا ما نشهده راهناً من خطابات هي أقرب إلى الشتيمة منها إلى القول السياسي. ولهذا السبب يجب التأكيد أن لا خلاص للبنان إلا بالمواطنية الحقيقية، التي تؤسس للدولة الديمقراطية.
الاتحاد الأوروبي نموذجاً
يتحدثون اليوم عن الديمقراطية التوافقية بوصفها تعاقداً بين الطوائف، لكن مواقع هذه الطوائف تتبدل بتبدل أوضاعها ومصالحها، تارة بتأثير الثروة وتارة بتأثير التدخلات الخارجية، وعلى سبيل المثال إذا كانت إيران قوية فالطائفة الشيعية في لبنان تصبح قوية، وإذا عاد الفرنسيون للعب دورهم على الساحة اللبنانية تقوى الطائفة المارونية، وإذا تصدرت السعودية دور القيادة في العالم العربي ينتعش السنة في لبنان، لذا تبدو الطوائف أشبه بكتل الرمال المتحركة، التي تتوسع أحياناً وتنكفئ أحياناً أخرى. ومن هذا المنطلق نرى أن النظام الديمقراطي الطوائفي يهتز مع اهتزاز وتبدل طموحات الطوائف والتأثيرات الخارجية. وكلما تبدل هذا الطموح يعود الحديث، تارة عن النظام التوافقي وتارة أخرى عن النظام الأكثري، مع العلم ان النظام الأكثري يحتاج إلى العلمنة. كما أن الديمقراطية لا تبنى على الدين، ولا على أساس منطق الطوائف، بل تبنى على أساس المواطنية، التي هي جوهر فكرة انطون سعاده لقيام دولة الحقوق والمؤسسات. وعندما تقوم الدولة اللاطائفية في لبنان يصبح من السهل فهم أهمية ارتباط لبنان بسوريا وبعروبته، وأهمية انخراطه في اتحاد مع دول العالم العربي على غرار الاتحاد الأوروبي.
إن نظرتنا كحزب لأهمية تحقيق الوحدة السورية تنطلق من حاجات شعبنا للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فمن ينظر إلى الحراك الاوروبي منذ بداية الخمسينيات يكتشف صوابية نظرتنا وتوجهنا الوحدوي.
هنا أشير، إلى أنه وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية دعا وزير خارجية فرنسا روبرت شومان إلى قيام دولة أوروبا الموحدة، فاعترض الشعب الفرنسي على هذه الدعوة، لأنه كان في لحظة بلسمة جراحاتها النازفة جراء الحرب مع الألمان، وبالتالي لم تقم أوروبا فعلياً إلا في عام 2000. ومن هذا المنطلق يطرح الحزب السوري القومي الاجتماعي أهمية تأسيس علاقة مع سوريا ليس من باب التبعية بل من باب المنافع والحاجات المشتركة التي على أساسها يتوحد الجهد من أجل الخير المشترك. وكذلك، وفي الإطار ذاته يندرج طرحنا للوحدات الكبرى في العالم العربي. فعندما تقوم وحدة عادلة ومتكافئة في العدل والحقوق نكون قد حققنا مفهومنا إلى وحدة منطقتنا، مثلما أسس الفرنسي لفكرة وحدة أوروبا.
قد يكون أمر تحقيق وحدة بلادنا بشكل فجائي أمراً صعب المنال، لكن بالتدرجية تصبح أمراً قابلاً للتحقيق، المهم أن نبدأ، وأن لا يمنعنا هذا الهدف الكبير من أن ننخرط في عملية إنقاذ الكيان اللبناني من الوحش الطائفي، والعمل على دفعه نحو حالة أكثر مدنية وأكثر علمانية وأكثر ديمقراطية، كي لا يبقى هذا الكيان يدور في منظومة «مورنة» البلد، أو «أسلمة» البلد. فالمطلوب هو أن يكون لبنان نطاق ضمان للمدنية، فتُحترم فيه المعتقدات الشخصية والدينية بكل تفاصيلها، شرط ضمانة حقوق الفرد في دستور واضح. وكما أسلفت، بأن الطائفية والصهيونية وجهان لعملة واحدة، نقول ان الطائفية والتقسيم هما أيضاً وجهان لعملة واحدة، فالطائفية لا تؤمن بالمقاومة والتحرير، كما أنها لا تؤمن بالوحدة.
أزمة النظام السياسي
يجب أن يتخطى نظامنا السياسي القوانين الطائفية، وعندما تصبح الدولة المدنية أساساً لنظامنا السياسي يكون هذا الجيل قد وجد الحل للقسم الأكبر من مشاكلنا، وعندها يصبح تدخل الدول الأجنبية مسألة أقل تأثيراً وخطراً، ويصبح فهمنا للعلاقات العربية فهماً موضوعياً، وطالما لا وجود للدولة المدنية، عبثاً نبني شيئاً ثابتاً ومتماسكاً ومستمراً. فأزمة البلاد هي في النظام السياسي المبني على العلة الطائفية، ونأخذ النقاش الدائر اليوم حول الدستور وتقسيماته المذهبية مثالاً، وهذا أمر مستحيل ان يحصل في دول متطورة، فوجود الدولة الديمقراطية الحقيقية يسهّل عملية الخروج من الأزمات فلا يبقى البلد مرهوناً ومعلقاً، بين انتخاب رئيس للبلاد أو إجراء انتخابات تشريعية مبكرة.
في ظل غياب مفهوم موضوعي للديمقراطية والمواطنية سيبقى لبنان مأسوراً بهيمنة الطوائف ومهدداً بحروب أهلية صغيرة وكبيرة. إن حقوق المواطن الواحدة هي أساس الديمقراطية عند الحركة القومية الاجتماعية، وليس فقط تداول السلطة كما هو شائع.
لا شك أن هناك محاصرة لفكرة العلمنة، وللأسف فان القيادات السياسية في الأحزاب الطائفية تنتعش من بعضها البعض، ولا تستطيع أن تتصور حزباً سياسياً خارج الطوائف، وترى أن حضور الحزب القومي العلماني يفضح طبيعتها، ولذلك تتستر بخطاب مزدوج، إذ ما تقوله في العلن لا تقوله في السر، ولذلك، نشهد في لبنان نوعاً من التقية السياسية، واللفظية الوطنية، وأكثر ما يفضح طبيعة الأحزاب الطائفية المؤسسة على مبدأ القبيلة- الطائفة مواجهتهم الدائمة للحزب السوري القومي الاجتماعي، والتشهير به والعمل على تشويه صورته ومواقفه، إلى حد محاولة الانتقاص من وطنيته، وكل ذلك لأن ليس للحزب القومي طائفة تحميه وتحتضنه، فالطوائف تخاف من بعضها في إطار من التكاذب المشترك، وتعتبر ان علمانية الحزب القومي تسهل الاستفراد به، وعلى هذه الخلفية نفهم أسباب الاتهامات والحملات التي تطال حزبنا.
إن استراتيجية الحزب العلماني اللا طائفي، تنطلق دوماً من صيانة السلم الأهلي والوحدة الوطنية وتعزيز فكرة الدولة بوصفها مسائل تحمي وتحتضن الحزب اللا طائفي، بينما أولى ضحايا الحروب الأهلية تكون القوى العلمانية والمدنية.
أول ما يتعلمه الفرد في الحزب القومي، هو احترام الآخر والتفاعل معه، لأي طائفة انتمى ولأي منطقة، والفرد الذي يتربى على هذه المفاهيم والقيم ويؤمن بشعبه ووطنه لا يستطيع أن يساهم في تدمير البلد؟ فالقومي الاجتماعي له عدو واحد في العالم، هو العدو الذي اغتصب أرضنا واستباح شعبنا وأقام كيانه العنصري على أرض فلسطين، ومارس على مدى خمسين عاماً كل أنواع الإرهاب ضد بلادنا.
العلمانية المؤمنة
للأسف، الأحزاب العلمانية لم تستطع إختراق الساحة الطائفية مثلما تطمح، فالناس هم اقرب إلى الالتحاق بمشروع طائفي سهل المنال والفهم، لأنه يؤمن الخلاص الفردي الذي يتناقض مع فكرة الخلاص العام.
المشروع الطائفي يكرّس هاجس الخوف من الآخر، وهذا ما يدفع العديد من المواطنين إلى طوائفهم، وأغرب ما في المنطق الطائفي، ان الكنيسة المارونية على سبيل المثال، أصبحت تعامل رعاياها وتصنفهم على أساس توجههم السياسي وليس على أساس توجههم الديني. فابن الكنيسة المارونية لا يعتبر مارونياً في العمق إذا كان قومياً إجتماعياً، وهكذا اضحى مفتي الجمهورية مفتياً لتيار «المستقبل»، حتى بدا الانتماء السياسي كأنه أساس للانتماء الديني عند كل الطوائف، وهنا يرتسم سؤال كبير: من يورط من؟.. السياسيون يورطون رجال الدين، أم رجال الدين يورطون السياسيين؟.
النتيجة هي توريط البلد بكامله، وهذا سبب إضافي يدفعنا للعمل من أجل إلغاء الطائفية في المجتمع وفي الدولة، وهذا لا يأتي بقرار بل نتيجة لمسار طويل ولجهد كبير في التربية يبدأ من البيت ومن ثم في المدرسة، لتنسحب هذه الثقافة على كل مرافق الحياة العامة. أما وظيفة تأدية الشعائر الدينية وكيفية ممارسة طقوسها وصلواتها، فهي من واجبات المرجعيات الدينية كل حسب رعيته وطقسه، فنحن نقبل التعليم الديني في المدرسة على أساس حضاري ثقافي، فنحن علمانيون مؤمنون، نحترم الأديان ولا نريد إقحامها في السياسية، وتحويلها إلى منابر انقسامية عقائدية إيديولوجية تهدد باستمرار الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
إن لبنان بحاجة إلى قيام دولة مدنية وفق صيغة فصل السياسي عن الديني، بما يحفظ حق المواطنين ويحفظ الأديان من مثالب السلطة. فالدولة المزيفة تشكل قنابل موقوتة قابلة للتفجير، لذلك كان خيار أنطون سعاده لقيام الدولة القومية الديمقراطية خيار حضاري سبقنا إليه الغرب، هذا الغرب الذي نريد أن نتشبه به بكل شيء، باستثناء الدولة العلمانية الديمقراطية المبنية على المواطنية، مثالاً على ذلك، عندما منحتنا فرنسا تشريعاتها وقوانين جمهوريتها الثالثة، استثنت من كل ذلك فكرتها العلمانية المقرونة بالديمقراطية، ولا عجب في ذلك، فما يحققه الغرب لمصلحة مواطنيه، لا يرغب بتصديره للشعوب والدول التي هي محل أطماعه الاستعمارية.
*محاضرة كان ألقاها الامين جبران عريجي في مخيم شبابي طلابي نظمه الحزب في لحفد (جبيل) .
عن مجلة " البناء - صباح الخير " العدد 1093 .
|