|
عام كامل ينقضي لكن الزمن لا يتوقف وحركة التاريخ تظل في تطورٍ دائم تحفل بأحداث كبرى أساسية تؤثر تأثيراً عميقاً في حياة الشعوب.
في هذه المطالعة نحاول أن نستجمع الأحداث الرئيسية التي مرت على بلادنا السورية وعالمنا العربي، وبعض ما في العالم من أمور كبرى ذات صلة بالصراع الدائر على أرضنا القومية ومحيطنا العربي والشرقي الكبير. نرصدها بإيجاز وإختصار ونستخلص منها العبر لرسم رؤيا للمستقبل القريب والبعيد.
الصـراع مـع العـدو
سنة 2007 شهدت تطورات مهمة في مسار صراعنا القومي مع العدو الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين وحليفه الأمريكي الجاثم على أرض العراق والساعي للسيطرة الكاملة علينا ولإخضاعنا لمشيئته.

فبعد الإخفاق الكبير الذي وقع فيه الكيان الصهيوني والأمركان في حرب تموز سنة 2006، ظل هذا الكيان يتخبط في معالجة آثار الاخفاق من الناحية العسكرية والسياسية. فسقطت وجوهٌ ورؤوس من الصورة وتم استبدالها بأشخاص يحملون رمزية معروفة في تاريخ الإجرام الإسرائيلي، وقام هذا العدو بمناورات عسكرية في الجولان وفي الجليل الأعلى وبطلعات جوية متواصلة فوق جبال لبنان وسهوله، كما قام بعملية جوية على منطقة دير الزور في العمق السوري، لكن ذلك كله لم يخرجه من حال القلق المعنوي والمصيري ولم يوقف حركة الهجرة المعاكسة التي ينخرط فيها اليهود الذين تم جلبهم من مختلف أنحاء العالم في العقود الماضية. وتشكل هذه الهجرة المعاكسة خطراً مصيرياً على الكيان الصهيوني، ما يدفع الوكالة اليهودية الى البحث في دارفور والهند وأفغانستان عن مصادر بشرية لمهاجرين جدد لعلّها تغريهم وتخدعهم فتأتي بهم لملء الفراغ الحاصل نتيجة مغادرة يهود الفالاّشا، ويهود الخزريين السوفيات واليهود الغربيين لأرضنا المحتلة بأعداد ناهزت المليون مغادر.
وخلال سنة 2007 سعى العدو ومعه الإدارة الأمريكية الى ايجاد حالٍ من الهدوء في الضفة الغربية وغزة تعيد الى المستوطنين بعضاً من الطمأنينة والأمل، فنجح جزئياً في الضفة وفشل في غزة وعجز عن نزع سلاح المقاومة في لبنان، وبذلك لم يصل الى جو الأمان النفسي الذي ينشده. وبرغم سلسلة من المؤتمرات الأمريكية- العربية والإسرائيلية- الفلسطينية مع سلطة الرئيس محمود عباس، فإن الإنتفاضة في فلسطين لم تتوقف والصهاينة لم يصلوا الى الأمان المنشود.


الوضع في فلسطين
وفي هذا الإطار يجب أن نسجل الشرخ الكبير الذي شهدناه خلال سنة 2007 بين فتح والسلطة الرسمية من جهة، وحركة حماس وحلفائها من جهة مقابلة وهو ما تجسد بتشكيل حكومة فلسطينية برئاسة سلام فياض حلّت محل حكومة اسماعيل هنية، التي انحصر نفوذها في قطاع غزة. كما شهد هذا العام عملية حسم عسكري وميداني للوضع في غزة التي أصبحت كلياً تحت إدارة حماس وسيطرتها، وهذا ما جعل القطاع يخضع لحصار قاسٍ من إسرائيل ومن دولٍ عربية أخرى، كما جعل حماس والجهاد الاسلامي تتعرضان لحرب يومية متواصلة من قبل الجيش الصهيوني. وهذه المواجهات مرشحة للتصاعد خلال الأشهر القادمة.
الخلاف الذي تعمّق بين الفصائل الفلسطينية، أرخى بثقله على القضية القومية بكاملها، وجرت مساعٍ لرأب الصدع والتقريب بين أخوة السلاح والقضية الواحدة لكن المساعي كانت تفشل بفعل فاعل. إلا أنها لم تتوقف وهي حالياً مستمرة والحزب القومي يقوم بدورٍ فاعل فيها عبر صلاته بالطرفين حيث هو موضع ثقة وتقدير عند كل منهما.
ولقد كان مفترضاً أن يمتد الخلاف ميدانياً الى مخيمات لبنان وان تحصل إشتباكات فيها، إلا أن مساعي القوى الوطنية وقوى المقاومة في لبنان نجحت في تفادي ذلك حتى الآن.
مؤتمر أنابوليس
في هذا الجو المنقسم رتّبت واشنطن مؤتمراً عربياً ودولياً حول فلسطين عُرِفَ بإسم مؤتمر "أنابوليس"، وسعت من خلاله الى تحسين صورة الإدارة الأمريكية ورئيسها جورج بوش وصورة حكومة أيهود أولمرت الصهيونية، لكنه أي المؤتمر لم يؤدِ الى أي حلولٍ عملية للوضع المعقّد في الأرض المحتلة، بل إن حكومة العدو زادت من بناء المستوطنات حول القدس وواصلت بناء الجدار العنصري، وهي تسير في طريق تهويد الأرض وإكراه أهلها على الهجرة والرحيل. وأمام ذلك تقف السلطة الفلسطينية عاجزة إلا عن بعض التصريحات وبيانات الإحتجاج. وهذا ما يحرج السلطة ويأكل من رصيدها وقد يؤدي لاحقاً الى اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية...
وكان مقدّراً لهذه السنة أن تشهد تنازلاً عربياً عن حق العودة وإعترافاً بيهودية الكيان الصهيوني، لكن ذلك لم يحصل، نظراً للإعتراض الشديد وللخطر الذي ينطوي عليه. إلا أنه يترتب علينا العمل الدؤوب لمنع حصوله في المرحلة المقبلة.
الجبهة السورية
ومع هذه التطورات في الأرض المحتلة، كان التوتر الشديد يسود الجبهة السورية، وعاشت الشام تحت ضغوط وتهديدات قوية بالحرب، ولا تزال هذه الحال مستمرة. كما سعت واشنطن وتل أبيب لإقناع روسيا بوقف امداد الشام بالأسلحة المتطورة في مجال الدفاع الجوّي، إلا أن الرئيس بوتين لم يستجب لهذه المساعي والضغوط.
والواضح أن الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن قد عادت الى سابق عهدها، وهي تتجلى في أماكن عديدة أبرزها أوروبا الشرقية، ومحيط بحر قزوين، وإيران، وسورية الطبيعية بمختلف ساحات الحروب المفتوحة فيها.
هنا لا بد من التوقف عند العلاقات السورية- الايرانية والتركية
ففي السنة المنصرمة شهدت هذه العلاقات مزيداً من التلاحم والقوة بين ايران والشام، وتطويراً بين الشام وتركيا التي ابتعدت كثيراً عن أوروبا والولايات المتحدة ما دفع واشنطن الى محاولة استيعاب تركيا مجدداً ضمن محور سياستها الاستراتيجية وذلك بتأييد عملياتها العسكرية في شمال العراق ضد قواعد حزب العمال الكردستاني، وهذه العمليات مستمرة حالياً وقد تتصاعد في الأشهر القادمة.
لكن الملفت هو التفاهم السوري- الإيراني- التركي حول موضوع العراق ورفض تقسيمه، ورفض قيام كيان كردي كامل، ورفض حصول تقسيمات إتنية ومذهبية في الشرق الأوسط الكبير. وربما نشهد خلال سنة 2008 تطورات ايجابية في العلاقات بين الدول الثلاث نحو تشكيل كتلة مضادة لمشروع الشرق الأوسط الأمريكي وفرض شرق جديد مغاير كلياً للآماني الأمريكية.
العلاقات السورية -العربية
وبخصوص الشام فقد مرت خلال سنة 2007 في فترة توتر لعلاقاتها مع السعودية ومصر، ,ادخلت دمشق ضمن دائرة من العزل الأميركي- الأوروبي والعربي، لكنها ظلت على مواقفها القومية. وعجز النظام العالمي والعربي عن خلخلة نظامها أو إسقاطه وعن فرض التنازلات عليه، ورأينا في الربع الأخير من هذه السنة عودة الى التواصل السياسي مع الشام والإعتراف بدورها وموقعها في كل قضايا المنطقة الممتدة من العراق الى فلسطين ولبنان وعموم الشرق الأوسط.
حالة الضغط والحصار والأوضاع المتدهورة في العراق والوضع المأزوم في لبنان رتب على الشام أعباءً إقتصادية كبيرة إنعكست على الحالة الإجتماعية . كما أن إنتقال أكثر من مليوني عراقي الى المدن السورية الرئيسية فرض واقعاً معيشياً وإجتماعياً ضاغطاً تحتاج معه الشام الى جهود كبيرة لإستيعاب هذا العدد الكبير والمشاكل والأعباء المرافقة له. ولكن في مقابل ذلك فإن الدول الأوروبية حافظت على تعاملها الإقتصادي مع الإنتاج السوري، كما أن رساميل كبيرة عربية دخلت الى الشام بغاية الإستثمار. وفي هذا مؤشر لا يخفى معناه على المراقب الدارس.
العـــراق
سنة 2007 في العراق كانت سنة المجازر، فلم يتحسن الوضع الأمني وفشلت الخطط التي وضعتها الولايات المتحدة لضبط الأوضاع وظلت الحكومة العراقية عاجزة عن فرض سلطتها، وصدر قرار عن الكونغرس الأميركي بتقسيم العراق وإعتبار ذلك "حلاً للنزاعات"، لكن الرئيس بوش خاف من تنفيذه نظراً لإنعكاسه سلباً على مصالح الولايات المتحدة لأنه سيعزز النفوذ الإيراني في الجنوب العراقي الغني بالنفط وسيجعل المحافظات الوسطى مرتعاً " للقاعدة" ويجعل الشمال الكردي موضع نزاع مع سوريا وتركيا وإيران.
وإزداد التخبط الأميركي في المستنقع العراقي ولم يتوصل كل الوزراء والمبعوثين الى ايجاد مخرج لائق من هذا المستنقع وظلت مفاتيح الحل الرئيسية في يد ايران وسوريا وبنسبة أقل في يد تركيا.

التداعي الاميركي والصعود الروسي
ونتيجة لهذا المأزق، وللمأزق الأفغاني، وللكراهية التي تتمتع بها سمعة واشنطن في العالم كله بدأت تتساقط رؤوس " المحافظين الجدد" الذين رسموا وخططوا لكل هذه الحروب وبات جورج بوش ونائبه ديك تشيني شبه وحيدين في " البيت الأبيض" يواجهان ضغوط الجمهوريين والديموقراطيين والرأي العام الأميركي الذي يعاني آثار الحروب على اقتصاده المتراجع وعلى وضعه الإجتماعي الذي إستعاد صورة فييتنام والمرحلة النفسية الخطيرة التي نجمت عنها في داخل الولايات المتحدة. كما أن صعود التحدي الروسي الذي يقوده الرئيس فلاديمير بوتين بات يرخي بثقله على رأس إدارة بوش وتشيني، ولم تكن هذه الإدارة مرتاحة أبداً للإستقبال الذي أعدته المملكة العربية السعودية للرئيس الروسي ولا لزيارة الرئيس الإيراني للمملكة ولا لدعوته لحضور قمة دول مجلس التعاون الخليجي ولا للعلاقات المتنامية بين دول الخليج والصين ولا لعلاقات إيران وفنزويلا ودول امريكا الجنوبية وهي ترى في ذلك تراجعاً لنفوذها ولمصالحها عبر العالم كله.

العــالم العـربــي
كانت سنة 2007 سنة إضافية في سجل العجز العربي والتبعية للأمركان خاصة مع الزيـارات المكثفة التي قـامت بها كـوندوليزا رايـس لمصر والسـعودية والأردن وإجتماعات شرم الشيخ والـعقبة حيث أنشأت ما يسمى " حلـف الإعتدال العربي" في مواجهة من تسيمهم بالمتطرفين، أي الرافضين لسياسة السيطرة الأميركية-الإسرائيلية لكن كل ذلك لم يمنع سوريا وقوى المقاومة من إستمرارها في موقفها وأعمالها.
السودان والمغرب العربي
في السودان تفاقمت الأزمة لكن الحكومة المركزية حافظت على سيطرتها النسبية العالية على الوضع، ولم ينجح الأمركان في فرض قوات دولية في إقليم دارفور الغني بالنفط والمياه. والى المغرب العربي حيث تمدد العنف وظهرت خلايا تابعة للقاعدة وقامت بعمليات تفجير في مراكش فيما استمر الصراع في الجزائر بين قوات الحكومة والقوى السلفية المسلحة.
وفي الصومال تدهور الوضع بشكل دراماتيكي ودخل هذا البلد العربي في حرب واسعة تورطت فيها أثيوبيا عسكرياً ولا زالت، كما حصلت في اليمن إشتباكات بين الحكومة وقوات الحوثيين المتمركزين في الجبال الجنوبية.
الصراع الأمريكي الإيراني
وفي الملف النووي
وقفت الإدارة الأميركية عاجزة حتى عن إثبات التهمة الخطيرة على طهران بل أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية جاء لصالح إيران، وكذلك تقرير آخر لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ما جعل الحركة المحمومة ضد إيران والتي شاركت فيها فرنسا وألمانيا تعجز عن فرض عقوبات جدية أو عن الوصول الى عمل عسكري ضدها. لكن مجموعة النافذين اليهود في واشنطن وفي عواصم أوروبية آخرى ما زالت تسعى الى توجيه ضربة لإيران من أجل ضمان أمن إسرائيل ووضعها المستقبلي ومن أجل ضرب الحلف السوري-الإيراني المقاوم والداعم للمقاومة في لبنان وفلسطين وأماكن أخرى وسيظل هذا الإحتمال وارداً حتى شهر حزيران 2008.
التغيـرات الدوليـة
عالمياً شهدت سنة 2007 تغير رؤساء دول أساسية في أمريكا الجنوبية وفرنسا وبريطانيا فخرج طوني بلير وخلفه جون غوردون براون وخرج جاك شيراك وخلفه نيكولا ساركوزي وخرج جون هاورد في أستراليا وخلفه كيفين راد.
ومجمل هذه التغيرات جرت تحت تأثير نتائج حروب الولايات المتحدة الفاشلة في العراق وأفغانستان، فقررت أستراليا سحب جنودها من العراق وكذلك بريطانيا التي سلمت أمن البصرة الى العراقيين، وهي تحاول أن تنأى بسياستها عن التبعية الكاملة لواشنطن على غير ما كان طوني بلير، فيما يسعى ساركوزي أن يكون التابع المدلل لجورج بوش بعد أن كانت فرنسا من أشد المعارضين لسياسات الإدارة الأمريكية المتهافتة.
ونشأت في شرق آسيا منظمة دولية عرفت بإسم منظمة " شنغهاي" وتسعى إلى وضع حدٍ للنفوذ الأمريكي الإقتصادي والسياسي، كذلك إتخذت روسيا والدول الواقعة على ضفاف بحر قزوين موقفاً موحداً ضد العربدة الامريكية في تلك المنطقة الستراتيجية من العالم.

وفي أميركا الجنوبية حصلت تغيرات سياسية لم تكن لصالح الولايات المتحدة، فيما صمد الرئيسان الفنزويلي هوغو تشافيز وصديقه الكوبي فيدال كاسترو. وتحرك تشافيز رغم الضغوط الأميركية وأسس حلفاً نفطياً مهماً مع إيران وأعلن هو والرئيس أحمدي نجاد تخليهما عن التعامل بالدولار في تسعير النفط، وهذا ما شكل مرحلة خطيرة بالنسبة للإمبراطورية المالية الأميركية المهيمنة على العالم. وفي الربع الأخير من العام 2007 تدهور سعر الدولار وارتفع سعر اليورو الأوروبي، وجنت أسعار النفط لتبلغ أرقاماً قياسية غير مسبوقة حيث قاربت المئة دولار للبرميل الواحد.
هذا الإرتفاع أدى الى تجمع فوائض مالية هائلة عند الدول النفطية لكن العرب عادوا فخسروا جزءاً كبيراً من أموالهم في لعبة البورصات مثلما حصل في دبي والسعودية وعموم دول الخليج حيث بلغت الخسائر 1200 مليار دولار.
كما أن دول الغرب عادت فسحبت من الخليجيين كماً كبيراً من أموالهم عن طريق صفقات أسلحة بالمليارات عقدتها السعودية وقطر والكويت مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
هذه الظروف والأحداث جميعاً كانت تنعكس على الوضع اللبناني، فكيف تطور هذا الوضع سنة 2007؟
الوضع في لبنان
لقد إستمرت الأزمة السياسية في لبنان وساد القلق عند الناس وحصلت عمليات تفجير وإغتيالات وعجز اللبنانيون ووسطاء العرب والعالم عن إيجاد مخرج من الأزمة. وانتهى عهد الرئيس إميل لحود في 24 تشرين الثاني، وحلّ الفراغ في سدة الرئاسة ولا يزال. ويدور الجدل حالياً حول صلاحيات الحكومة القائمة بفعل الأمر الواقع رغم كل النقصان العددي والمعنوي الذي أصابها، وهي تسعى رويداً رويداً لممارسة أوسع الصلاحيات التنفيذية مستفيدةً من الدعم الأميركي الكامل والعلني والمتطرف خصوصاً بعد العودة القوية التي رأيناها في شهر كانون الأول 2007 حين أطل بعض بقايا اللوبي اليهودي المتمركز في البيت الأبيض الأميركي وأعادوا الحياة والقوة الى جماعتهم في لبنان، وعطلوا كل الحلول التي كان الوسطاء الفرنسيون قد توصلوا الى ترتيبها ما يجعل الفراغ الرئاسي مستمراً لأجل غير قريب ويضع حكومة السنيورة في مواجهة حادة مع المعارضة حول الصلاحيات وممارستها وما يمكن أن ينتج عن هذه الممارسة من تداعيات سياسية وميدانية.
لكن الملفت في تطورات الـ2007 هو أن الوضع المأزوم سياسياً لم يصل الى حدّ الإنفجار الأمني وذلك بفعل عوامل متعددة تتعلق بالقوى الشعبية وقدراتها وبالأشخاص الذين يديرون اللعبة وبالتقديرات الأميركية التي لا ترى من مصلحتها حصول الإنهيار الأمني بل أن الفراغ السياسي أفضل لها لأن جماعتها يستولون من خلاله على السلطة الإجرائية وينفذون ما يريدون.

وقد إجتاز لبنان مرحلة خطيرة أمنية تمثلت في حرب فتحت على الجيش الوطني في الشمال ثم إنحصرت سريعاً في مخيم النهر البارد. وطالت هذه الحرب ثلاثة أشهر وأدت الى خسائر كبيرة في صفوف الجيش والمدنيين لبنانيين وفلسطينيين والى تدمير المخيم وتشريد سكانه فوق تشردهم الأصلي وصعوبة عودتهم حالياً لأسباب معقدة. لكن نجاح الجيش في حسم هذه المعركة والقضاء على البؤرة الخطيرة التي جسدتها منظمة "فتح الإسلام" في المخيم وفي طرابلس وجوارها، هذا النجاح جنب البلد مخاطر كثيرة وكبيرة، كان مخططاً لها من قبل الدول التي صدّرت عناصر هذا التنظيم وأمنت له الرعاية المحلية والتمويل.
وستكشف التحقيقات والوقائع أموراً شديدة الخطورة إذا ما استكملت وسمح لها بالوصول الى نهايتها وكشف خفاياها، وخفايا عمليات الإغتيال التي حصلت وكان آخرها عملية إغتيال اللواء فرنسوا الحاج أحد أبرز ضباط الجيش وقادة عملياته الميدانية، والذي كان مرشحاً لتولي القيادة بعد العماد ميشال سليمان المرشح الأبرز لرئاسة الجمهورية حالياً.
الوضع الإقتصادي والإجتماعي
وخلال سنة 2007 إزدادت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية تأزماً في لبنان، وإرتفعت بشكل مذهل أسعار السلع الغذائية والمحروقات والأدوية وجميع المواد الإستهلاكية، وإزدادت البطالة وإزداد عدد الشباب المهاجر، وليس في الأفق ما يشير الى قرب إنفراج في الوضع الإقتصادي والمعيشي. ولولا التحويلات الكبيرة التي يرسلها المهاجرون الى عائلاتهم لكان أكثر من ثلثي اللبنانيين يعيشون في حالة من الفقر المدقع والمجاعة، علماً بأن نصف سكان لبنان حالياً يعيشون تحت خط الفقر.
الحـزب في سنة 2007
حزبياً كانت سنة 2007 سنة خطيرة على الحزب كما هي على الأمة السورية كلها. ولقد إجتاز الحزب مرحلة صعبة ولا يزال فيها، نتيجة إنتشاره في معظم المناطق ووجوده بالتالي على تماس مع قوى "الموالاة" وميليشياتها. وقد رفع الحزب من قدرته وجهوزيته، وحافظ على وجوده في كل المناطق وعلى مراكزه ومؤسساته وعلى أفراده وقياداته وزاد من فعالية فروعه سياسياً وإجتماعياً.
وكان التوتر قد بدأ مع نهاية الـ 2006 ومشاركة الحزب في إعتصام المعارضة في وسط بيروت بدءاً من 1 كانون الاول 2006 حيث بدا أن المواجهة مع السلطة المدعومة خارجياً قد أصبحت واردة.
هذا التوتر بلغ ذروة حادة في 21 كانون الأول حيث جرت عملية مداهمة للحزب في الكورة وتم إعتقال 7 من رفقائنا بينهم ناظر التدريب ومعاونوه، وصودرت كمية من السلاح الذي كانت تستعمله المقاومة الوطنية، كما أخضع الرفقاء لتحقيق شديد، فيما ظهرت نية لدى حكومة السنيورة لحلّ الحزب ومصادرة ممتلكاته ومراكزه وملاحقة جميع أعضائه لكن الموقف الحازم بالتصدي والمواجهة الذي إتخذه الحزب ومساندة حلفائنا لنا وضغطهم على الحكومة، أدى الى تراجعها عن هذه المغامرة. ولكن استمرت ملاحقة الرفقاء وخاصة الكوادر العسكرية السابقة وخضع المعتقلون لتحقيق عنيف ومؤذٍ جسدياً قبل أن يتم تحويلهم الى القضاء العسكري، حيث اوقفوا فترات متفاوتة وجرى لاحقاً إطلاقهم على دفعات، وكان آخر من أطلق هو ناظر التدريب الرفيق طوني منصور في شهر كانون الأول من هذا العام.
المواجهات الميدانية
في هذا الوضع دخلنا سنة 2007 ، لتتصاعد حدة الضغوط يوم 23 كانون الثاني، وهو اليوم الذي حددته المعارضة الوطنية للإضراب الشامل في كل لبنان، وقد نزل الحزب في كل المناطق، وتعرض لمواجهات مسلحة، من قبل عناصر الموالاة كانت أخطرها تلك التي وقعت في صوفر وأصيب فيها ثلاثة رفقاء بجروح وهم حافظ الأحمدية وإياد عبد الخالق وزهير الصايغ.
أما في عكار فقد إضطر حراس المنفذية الى إستعمال السلاح لمنع إقتحام المكتب، وهذا ما أدى الى إصابة 6 من المهاجمين وهروب الباقين، لكن القوى الأمنية أوقفت 9 رفقاء بينهم ناظر التدريب الرفيق أحمد نعوس، كذلك أوقف في وقت لاحق ناظر التدريب في المتن الأعلى منير صالحة في قضية نقل أسلحة وحصل توقيف آخر في شهر كانون الأول لبعض رفقائنا في بعلشميه وجوارها، ثم أطلقوا قبل نهاية العام، وفي 25/1/2007 جرت مواجهات كبيرة في الطريق الجديدة والجامعة العربية بين ميليشيات السلطة وقوى المعارضة سقط فيها شهداء وجرحى وإعتدى المشاغبون على مكتب الحزب قرب الملعب البلدي وأحرقوا جزءاً منه وأوقف 3 رفقاء ثم أطلق سراحهم.
حـركـة الحـزب السياسية والشعبية
هذه الظروف السياسية والأمنية جعلت الحزب في وضع دقيق وحساس فرفع من درجة جهوزيته، كما أشرنا سابقاً، وتحرك بفاعلية لدرء كل الإحتمالات ولا يزال. كما تحرك على الصعيد السياسي لتفعيل المعارضة ولإيجاد أطر جبهوية للعمل السياسي على الأساس الوطني والعلماني واللاطائفي، لكن هذه المساعي لم تصل حتى الآن الى إنشاء حركة وطنية ذات برنامج إصلاحي عام على الأساس المدني وخارج الأطر الطائفية والمذهبية.
وفي المناسبات الحزبية لهذه السنة قام الحزب بسلسة من النشاطات والإحتفالات في شهري آذار وتموز وبالأخص في شهر تشرين الثاني لمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيسه، وقد جاءت هذه الإحتفالات لتبرز إنتشار الحزب وحضوره الكبير والتيار الشعبي الذي يلتف حوله، وهذا ما كان موضع تقدير من القوى السياسية ومن الصحافة داخل لبنان وخارجه. وشكلت إحتفالاتنا منابر للمعارضة لإعلان مواقفها من الأزمة السياسية الراهنة.
كما أن فروع الحزب في الشام قامت بحركة واسعة أظهرت إنتشار الحزب في المحافظات كافة، وكذلك الأمر في الفروع المنتشرة في المغتربات عبر العالم كله.
خـــاتـمــة
هكذا بإختصار حاولنا أن نرسم بكلمات صورة بانورامية لأوضاع أمتنا والشرق المحيط بنا. وإن كان الإختصار قد أدى الى إغفال بعض التفاصيل فذلك من طبيعة النص الذي سعى الى الإحاطة بأحداث كبرى ومواضيع واسعة في مساحة صغيرة من الصفحات دون الوقوع في الإطالة والتفصيل.
لقد رسمنا في تقرير صغير ما يحتاج الى كتاب كامل يؤرخ أحداث سنة حافلة بالتطورات.
كل عام وأنتم بخير، والأمل كبير عندنا بأن أمتنا تسير نحو الإنتصار على أعدائها ووضع حدٍ لحروبهم المجرمة.
المركز في 31/12/2007 ولتحي سورية وليحي سعاده
عميد الإذاعة والإعلام
الأمين كمال نادر
|