|
لا بأس، يا سورية: ان أيدي اللصوص وقطاع الطرق لا تمتد إلا إلى الأشجار المعطاء، فتهزها وترشقها بالحجارة، لتسرق أثمارها «فالشجرة المثمرة وحدها، كما يقول جبران، يهزها الناس ويضربونها بالحجارة»، أما الشجرة اليابسة العاقر، فلا تستهوي إلا أسنان الفأس وحفر النار.
ان اسم سورية هو من الأسماء المقدسة في تاريخنا الحضاري المجيد، وهو من الأسماء التي افتخر بها مؤرخو العالم وأمتنا، وتغنى بها فلاسفتنا وشعراؤنا وكتابنا، ولم يجرؤ أحد على تحقير هذا الاسم أو النفير منه إلا «الشركات السياسية المذهبية» الملوثة بأوحال سايكس - بيكو ووعد بلفور وملاحقهما العدائية التفتيتية الهادفة إلى القضاء على وحدة هذه الأمة ومستقبلها.
ان هذه «الشركات» التي أوجدها الاستعمار ورعتها الإدارات الأجنبية، أخذت على عاتقها ترسيخ «ثقافة» الجهل والخوف بين أبناء الأمة الواحدة لتدمير الوحدة الاجتماعية، خدمة لمصالحها المشبوهة في التسلط على العباد، ونهب ثروات البلاد، واستعباد الشعب وإذلاله وتجويعه وإخضاعه .
سورية 584 ق.م.
يذكر المؤرخون أن هيرودوت «أبو التاريخ»، هو أول من أطلق اسم سورية سنة 584 ق.م على هذه الرقعة الجغرافية الممتدة بين دجلة والبحر السوري (الأبيض المتوسط لاحقاً)، وتبعه في ذلك مؤرخو اليونان والرومان. واسم سورية مشتق من صور ، وقد يكون اسم أشور مشتق من سورية، التي تعني الشمس، وقد أسماها الفرنسيون (Le Levant) أي المشرق .
روما عبدت سورية، وذلك عندما أصبح السوري «الاغابالوس» أمبراطوراً على روما ، ففرض على الإمبراطورية الرومانية عبادة الإله السوري «بعل حمص» أو الإله - الشمس.
العهد الجديد من الكتاب المقدس يسمي فينيقية بسورية، ويقول بالجنس الفينيقي السوري، أي بالسلالة التاريخية السورية (راجع إنجيل مرقص 7: 24-26) التي جاء منها السيد المسيح والنبي محمد، فهما من أرومة واحدة الأصل، قبل أن صارت القبائل الكنعانية مستعربة، وهي القبائل العدنانية الكنعانية الأصل التي منها النبي محمد (ص).
القديس مارون، في صلوات الكنيسة المارونية «فخر سورية»، ومن «افراميات» صلاة هذه الكنيسة: أجيدوا التهليل أهل سورية وأحسنوا التمجيد.. ومن الأدعية الكنسية أيضاً: «رب صن سورية» وعلى أساس هذا الدعاء نظم الشاعر أمين تقي الدين قصيدته «رب صن سورية».
وبطاركة «إنطاكية وسائر المشرق» هم بطاركة إنطاكية وسائر سورية (المشرق هو سورية).
المؤرخون الكبار، من لبنان، أمثال : المطران يوسف الدبس، وفيليب حتي وأسد رستم وغير هم قالوا بسورية لبنان.
فلاسفة لبنان الذين نعتز بهم قالوا بسورية لبنان، أمثال جبران ونعيمة والريحاني وأبو ماضي والشاعر القروي وسعيد عقل وأمين تقي الدين، والياس فرحات، وسليمان البستاني مترجم الإلياذة وغيرهم، وفي ما يأتي نماذج من أقوالهم:
الشاعر القروي رشيد سليم الخوري يتعجب من هؤلاء السوريين الذين يحقرون هويتهم، فيقول:
من منبئ السوري وهو مشوه وجـه الآبــاء لكثرة التعفـير
ان الألى سجد الملوك لبأسٍهم سجدوا بسوريـا أمـام قبـور
عجباً لسوري يحقـر نفسه والخلق يسجد للتراب السوري.
وها هو فيلسوف الفريكة أمين الريحاني يعتبر سورية بلاده وهي مهد الإله ولحده: «سورية بلادي.. بلاد الورد.. أنت الوطن الروحي لكل شعوب الأرض.. أيه سورية بلادي من دجلة إلى البحر الأحمر. وسورية بلادي.. مهد الإله ولحد الإله..»، والريحاني يكتب في سورة الخلود «ثلاثة لا تزول في لبنان: عذوبة مناظره، عبقرية أبنائه، والحزب السوري القومي في لبنان».
جبران يمهّد لسعاده
أما جبران، فقد مهد لسعاده، ويكفي أن نقرأ رائعته «الدهر والأمة» التي تجري حوادثها على سفح لبنان، كي تسمع صوت الدهر يحاكي هدير الأمواج ويلقي السلام على سورية.. الدهر في رائعة جبران هو عبد لسورية، وسورية في نظر جبران هي ابنة الأنبياء.
الشاعر الياس فرحات يرسم بشعره حدود سورية، يقول:
موطني يمتد من بحر المياه ممعناً شرقاً إلى بحر الرمـال
بين طوروس وبين التيه تاه بجمال فـائـق حـد الجمـال
ذكـره يغري فتاه بالمعالـي
أنا لا أبغي سواه فهو مالـي.
ونشعر بالعزة والفخر، حين نسمع الشاعر أمين تقي الدين ينشد، تحت عنوان «رب صن سورية» :
يا بلادي نعشي غداً سيسير فتغطيه من رباك الزهور
ومتى حث بي لقبري المسير فلنعشي على الأكف ضرير
كل معناه : رب صن سورية.
أما الشاعر الكبير، مترجم الإلياذة سليمان البستاني فيتذكر من سويسرا جبال بلاده وفصولها وماءها ونسيمها، ويتمنى أن يدفن في ترابها، ويتساءل:
«فهل ترى يفسح آتي الأجل حتى به تغمض منك المقل
وأرض سورية محط الأمل.
ولا تزال قصيدة الشاعر سعيد عقل «سورية فوق الجميع» تهز وجدان كل وطني تجري في شرايينه دماء العز.. ومطلع القصيدة:
صخب البحر؟ أم الجيش السخي أم بلادي تملأ الدنيا دوي؟
ســوريــة
يقظة ملء المدى
بسمة ملء الربيع
سورية فوق الجميع.
تحيا سوريـة
«تحيا سوريا» «أطلقها الحزب اللبناني» الأول، الذي أسسه ابن الشوير (الواقعة في سفح جبل لبنان) أنطون سعاده في زمن الاستعمار الفرنسي - البريطاني، الذي فرض انتدابه بالقوة، بعد معركة ميسلون المجيدة، ومع سعاده نردد: «لا يخشين أحد من اللبنانيين قولنا تحيا سورية في لبنان، لأننا شعرنا أن لبنان هو في ذرى سوريا، وفيه انبثق مبدأ الحياة للبنانيين ولجميع السوريين». ولكن يبقى السؤال الكبير: لماذا لم يسم سعاده حزبه باسم «الحزب اللبناني القومي الاجتماعي» ؟ أو العربي..؟
هؤلاء المتسائلون يقولون «لو انكم سميتم الحزب، الحزب اللبناني القومي الاجتماعي، لرأيتم اللبنانيين بأجمعهم يسيرون في هذا الحزب»! وكذا يقول المطالبون بتسميته بالعربي!
في لبنان أحزاب تقول انها لبنانية إصلاحية ، وفي العالم العربي أحزاب تدعي العروبة والإصلاح، ولكن لا هذه ولا تلك تمكنت من جذب معظم الذين تدعي تمثيلهم إلى صفوفها، بل بقيت «الأحزاب التي تقول بلبنانيتها لا تتجاوز «العناصر المسيحية»! والتي تقول بالعروبة لا تتجاوز «العناصر المحمدية» . فالتياران اللبناني والعربي لا يمثلان سوى فكرة تجسد الحزبيات الدينية، فالعامل في الأساس هو عامل ديني محض» .
ان استحداث الكيانات السياسية الطائفية بعد سايكس - بيكو، كانت الغاية منه إبقاء البلاد ممزقة، متناحرة، مجزأة ضعيفة، تتصادم مصالحها واتجاهاتها فتدمر بعضها البعض خدمة لوعد بلفور المشؤوم، الساقط حتماً. إن القائلين بالقوميات الفسيفسائية السياسية الطائفية لم ينجحوا في توحيد المجتمع، بل انقسموا على أنفسهم ونحروا بعضهم، وارتبطوا بالإرادات الخارجية لتحصين مواقعهم المتصادمة، وعززوا الحواجز بين مختلف المناطق والطوائف والمذاهب والكيانات .. وافسدوا في الأرض وهي بـور، والفوضى فيها تدور ... وافرغوا البلاد من شبابها المنتج ... وعطلوا مسيرة الزمن نحو الغد الأفضل، ودفعوا بالناس نحو اليأس والإحباط والخوف والتنافر والهجرة.
احترام الكيان اللبناني
من ثوابت النهضة القومية الاجتماعية التي بعثها سعاده، على الصعيد اللبناني خصوصاً، وعلى مدى سوري وعالمها العربي عموماً:
ـ ان القول بالحزب السوري القومي الاجتماعي أو الهتاف بتحيا سورية، ليس عدواة للبنان واللبنانيين، فالتاريخ يشهد أن الهاتفين باسم سورية في لبنان، هم لبنانيون، كانوا من اخلص العاملين لخير هذا الكيان وخير سورية كلها من لبنان.
ـ ان الحزب السوري القومي الاجتماعي، كان «الحزب اللبناني الأول» الذي نشأ في عهد الانتداب لينفتح على عهد الديمقراطية والثورة، والحرية والاستقلال في تاريخ هذه البلاد، وهو الحزب الأوحد الذي أعطى أحسن النتائج في قيادة اللبنانيين إلى الوحدة القومية، هو الحزب الذي لا يوجد حزب استطاع أن يفعل ما فعله لتوحيد اللبنانيين من جميع الملل والنحل والمناطق.
ـ ان الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الحزب الأوحد الذي يعترف بالآخرين لأنه يضم في صفوفه مواطنين من مختلف الطوائف، وهو الحزب الديمقراطي الرائد، الذي لم يعترض حزباً آخر رأى ان يحقق خيراً ويجمع شملاً، بل شجع على إنشاء الأحزاب الجامعة كظاهرة صحية في حياة المجتمع.
ـ ان الحزب السوري القومي الاجتماعي يحترم الكيان اللبناني وكل كيان آخر في الأمة، ولكنه يرى في الكيان اللبناني حصناً يساعده على تطوير الأفكار نحو اتجاه الحياة الجديدة لا سجناً للبنانيين ينزوون فيه.
ـ ان الحزب السوري القومي الاجتماعي يحترم مخاوف الناس ويحترم مطامحهم وأبعادها ، ولكنه لا يترك الناس في خوفهم وفي مطامحهم المتهورة، بل يمسك المتطوحين والخائفين ويجمعهم في حقيقة امة، يجب أن تكون قوية عظيمة، أمة خرجت من سجن الخوف إلى الحقيقة غير متهورة وغير متطوحة.
المجتمع معرفـة
ان السوريين القوميين الاجتماعيين في لبنان هم أعضاء في «الدولة اللبنانية» كما في باقي الكيانات، ولا يستطيع أحد أن يمنعهم من ممارسة حقوقهم وواجباتهم القومية، وعلى المعنيين بمستقبل هذه البلاد وتقدمها ورقيها أن يطالبوا بتدريس العقيدة السوريـة القومية الاجتماعية كمادة إلزامية في المدارس والجامعات، لأنه بعد الاطلاع يمكن تكوين الرأي واتخاذ الموقف، فالمجتمع معرفة والمعرفة قوة.
ان السوريين القوميين الاجتماعيين في لبنان كما في غيره لن ترهبهم أبواق الفاسدين المفسدين، ولن تخيفهم طبائع الاستبداد وسجونهم ومعتقلاتهم، فهم يعملون للحياة في العز، وحزبهم هو الحزب الذي افتتح عهد البطولة في هذه الأمة، ومنه الثوار والشهداء والاستشهاديون والقادة في الفكر والجهاد، وهم قد أحبوا الحياة لأنهم أحبوا الحرية، وأحبوا الموت متى كان الطريق لحياة الأمة، وهم ليسوا بمتنازلين عن عقيدتهم وأخلاقهم لإنقاذ أجسادهم.
إن القوميين الاجتماعيين متمسكون بإيمانهم الذي هداهم الحق، ومع سعاده يعلنون سواء فهمونا أم أساؤوا فهمنا فإننا نعمل للحياة ولن نتخلى عنها، وسيظل يدوي هتافنا في العالم تحيا سورية نحو النصر.
وقف فتى آذار في زمن الاستعمار والتشتت ليعلن بصوت لبناني لا يخاف «تحيا سوريا».
عن مجلة " البناء - صباح الخير " العدد 1093 .
*«سورية لكِ السلام»، مطلع النشيد الرسمي للحزب السوري القومي الاجتماعي، وبالنشيد يفتتح السوريون القوميون الاجتماعيون احتفالاتهم ومناسباتهم.
وإذ تنشر «البناء ـ صباح الخير» في هذا العدد الخاص مقالة حول إسم سورية، فإنها تستهدف من وراء ذلك تسفيه المنطق السطحي لبعض الموتورين والحاقدين الذين يتجاهلون الحقائق ويجهلون التاريخ.
وتجدر الإشارة إلى أن الباحث الدكتور جهاد العقل، كتب هذه المقالة، بعدما لفته جواب النائب العماد ميشال عون، على سؤال وجّهَ إليه خلال مقابلة على الـ (NBN) بتاريخ 18/2/2007، والسؤال: لماذا يتسرعون، دائماً في اتهام الحزب السوري القومي الاجتماعي بالاغتيالات والتفجيرات؟! فكان جواب العماد عون «تحيا سوريا»، وبهذا الجواب المختصر والمفيد، كشف عون مدى جهالة بعض السياسيين في لبنان، الذين لا يتمتعون بفهم عميق للتاريخ والجذور.
|