**
من الامين الجزيل الاحترام غسان زكريا ، الصحافي والكاتب وناشر مجلة " سوراقيا " ، استلمنا التصحيح التالي ننشره كما ورد ، مع تسجيل شكرنا لحضرة الأمين .
لي حـول " بين حمورابي وموسى " من كتاب " التوراة باطل وخطر " للأمين المؤرخ الراحل نواف حردان ، الذي عمم في نشرتكم على شبكة " الانترنت " بعض الملاحظات التي أرجـو بعد قراءتها تصحيح النص واعادة تعميمه اذا ما ارتأيتم ذلك :
1- المعروف تاريخياً ان عاصمة العيلاميين كان اسمها " سوزا " وفيها وجد الكثير من تراثهم اضافة الى " مسلة حمورابي " . في النص المعمم عربت " سوزا " الى " شوشن " . وكان الاصح الابقاء على التسمية العيلامية للعاصمة ، فضلاً عن ان العديد من المؤرخين يختلفون في الترجمة العربية لتلك المدينة الاثرية .
2- المعروف تأريخياً ايضاً ان حمورابي العظيم ولد عام 1728 ق.م. ومات عام 1686 ق.م. حسب المؤرخ الألماني أنطـون مورتغات في كتابه " تأريخ الشرق الأدنى القديم " طبعة سنة 1952 (وفي مصادر أخرى أنه ولد في عام 1711 وتوفي 1669 ق. م. ) وانه عاش 42 سنة فقط حقق خلالها انتصاراته الحربية العظمى ، ووحد اقسام كبيرة من الهلال الخصيب .
فيما الامين الراحل نواف حردان يذكر ان ولادته كانت عام 1792 ق.م. وموته عام 1720 ق.م. ... وبهذا أخطأ مرتين :
المرة الأولى ، في سنة مولد حمورابي ثم في سنة وفاته .
والمرة الثانية ، في تأريخ الحادثتين ؛ فتأريخ ما قبل الميلاد يُعاكس تأريخ بعد الميلاد ... وهو يبدأ من الرقم الأعلى لينتهي بالأسفل .
وهنا في مكتبي في لندن مراجع عديدة باللغات العربية الانكليزية والفرنسية تشير الى صوابية ملاحظاتي .
**
فصل من كتاب الامين المؤرخ نواف حردان " التوراة باطل وخطر " بعنوان " بين حمورابي وموسى :
في العام 1902 اكتشفت في مدينة شوشن ، عاصمة عيلام القديمة مسلة حمورابي الشهيرة ، التي حفر عليها شريعته الخالدة ، وحملت بعد اكتشافها الى متحف اللوفر في باريس ، حيث لا تزال محفوظة .
طول تلك المسلة 2.25 متراً ، ودائرة قاعدتها 1.90 في اعلاها يظهر حمورابي امام الاله - الشمس ، واضعا يده اليمنى على كتفه الايسر ، في وقفة احترام وتنبه وخشوع ، يصغي للاله يملي عليه شريعته ويعلمه كيف يحكم الناس . ويلي ذلك المشهد 46 عاموداً من الكتابة .. تتضمن 282 مادة من الشريعة ب 3600 سطراً.
كان اكتشاف هذه الشريعة حدثا كبيرا جدا ، القى اضواء كبيرة على تاريخ الحقوق والشرائع الانسانية واصولها ومصادرها .. وابتداء سنها منذ العصور القديمة ، وتبين للعالم بعد ذلك بما لا يقبل الشك ، ان في سورية ولدت حضارة الانسان الاولى ، وفي رحابها ترعرعت ونمت ، ثم انطلقت منها الى العالم ، تضيء دروبه الى كل مستقبل وكل اكتشاف وكل خير جديد .
ولقد كانت هناك في سورية ، في سومر واكاد ، شرائع قبل حمورابي . الا انها كانت متفرقة ومختصرة ، ولم تكن شاملة ، ولا منظمة ومنسقة كشريعة حمورابي ، التي علاوة على شمولها وتنظيمها اضافت الى الشرع القديم مواداً جديدة كثيرة كانت بحاجة اليها .
ولد حمورابي عام 1792 ق . م ومات عام 1720 ق .م تقريباً ، وقد تسلم الملك في بابل وهو لايزال شابا يمور فيه العزم والنشاط والحيوية ، ويفيض عقله بالذكاء والعبقرية ، فاجتاز الجبال العالية وقطع الصحارى الواسعة وخاض الحروب والمعارك الكثيرة التي كان يخرج منها منتصراً ، دون ان يخسر معركة واحدة ، وأخمد الثورات العديدة ، وانهى حروبه بالانتصار على عدوه الالد " ريم - سين " ملك لارسام ، ووحّد الامارات والممالك الصغيرة وضمّها الى ملكه ، ثم راح يقوم باعماله واصلاحاته الكبيرة لخير شعبه وبلاده ... التي سجل البعض منها على لوحات من الآجر ، عثر عليها المنقبون مؤخراً ..وقد جاء في احدها ما يلي :
" عندما اعطاني الالهان آنو وانليل اراضي سومر وآكاد لكي احكمها وعهد الي بالصولجان ، حفـرت قناة سميتها ( حمورابي ، نوخوش ، نيشي أي " حمورابي خصب الشعب " ) تجرّ المياه الى سومر وآكاد ، وحولت ضفتيها الى اراض مزروعة ، خزنت اكواماً من الحبوب وغذيت الاراضي بالمياه كل الفصول ، جمعت السكان المتفرقين وأمنت لهم المياه والمراعي .. فرقت الخيرات عليهم .. واسكنتهم في بيوت امنة" .
واخيراً توّج الملك العادل والقائد الكبير اعماله واصلاحاته الكبيرة ، بعد ان وحّد البلاد واستتب له الامر ، بسنّ شريعته الخالدة وامر بحفرها على مسلة كبيرة ورفعت امام هيكل الاله مردوك في بابل لكي يراها الشعب ويعمل بها ...
( حملت فيما بعد الى شوشن ) وما لبثت ان سادت وانتشرت فيما بين النهرين وسورية الغربية ، وانتقلت الى فارس ومصر واليونان ، وصارت فيما بعد اساس الشرائع الحالية في العالم كله على الاطلاق .
هذه هي الشريعة التي اطلع عليها اليهود اثناء وجودهم في اسر بابل ، فسرقوها وزوّروها ونسبوها الى موسى . هذه هي قصة اقدم الشرائع في العالم التي وصفها البحاثة الاميركاني صمنر بقوله : " لقد كتب حمورابي شريعته المتضمنة 282 مادة ، كما كتب الوصايا العشر ، قبل موسى بمئات السنين ، دون زيادات واضافات صبيانية ."
قلنا في الفصل الاول : ولم يكتف الذين سرقوا شريعة حمورابي ونسبوها الى موسى بالسرقة والتزوير ، بل مسخوها وهوّدوها ، جاءت فظة متوحشة مثل يهواه ،وانعكست عليها النفسية اليهودية المتاجرة الشرهة الحقودة بأجلى مظاهرها ، وسوف نتأكد من صحة هذا القول بعد اجراء المقارنة اللازمة بين بعض مواد الشريعتين الحمورابية والموسوية .
يقدم حمورابي لشريعته بالكلمات التالية ، التي تظهر من خلالها بوضوح تام نفسية العدالة المحبة والعطاء السمح ، وعزم الملك الراعي الصالح خادم الشعب لا سيده على احقاق الحق ونصر المظلوم ، واغاثة الملهوف واعانة الارملة والسائل والضعيف واليتيم والمحروم ، كأنه يقول القول الكبير : " فأما اليتيم فلا تقهر واما السائل فلا تنهر ، واما بنعمة ربك فحدث ."
" عندما عهد آنو ملك الانوناكي الكلي القدرة ، وبعل سيد السموات والارض الذي يقرر مصير العالم ، عندما عهد الى مردوك بحكم الانسانية كلها ، وعندما لفظ اسم بابل العظيم ،عندما صار هذا الاسم شهيراً في العالم كله وانشئت فيها مملكة ذات اساسات ثابتة كثبات السماء والارض .
" في هذا الوقت آنو - وبعل دعياني انا الامير الخطير عابد الالهة ، وعهدا الي بان انشر العدالة في الارض ، وان احطّم الشر والاشرار ، وان احمي الضعيف من ظلم القوي ، واساعد الارامل واليتامى ، وانوّر البلاد واكفل راحة الشعب وخيره . انا هو حمورابي . . الحاكم الذي اختاره بعل . انا الذي جلبت الخير والغنى والخصب لشعبي .. الذي قام بأعمال كبيرة وكاملة في نيبور ودورينو . الذي اعاد الحياة لمدينة اوروك وجرّ المياه بغزارة لسكانها . الذي جعل مدينة بورسيبا جميلة ، والذي خزن الحبوب في مدينة اوراش ، واعان شعبها في ضيقه ، ونشر الامن وكفل الاملاك الخاصة في بابل .. انا حاكم الشعب وخادمه .. الذي قام بأعمال سرت لها انونيت " .
اين هذا الكلام الجميل الرائع الصادق الصادر عن نفسية تخزن المحبة الكبيرة التي لا حدود لها ، من الكلام الصادر عن موسى المزعوم ، عن لسان الله الناطق بالقساوة والحقد والرغبة بالانتقام .. القائل :
" انا الرب الهك .. اله غيور ، افتقد ذنوب الاباء في الابناء في الجيل الثالث والرابع " .
" لا تؤخر ملء بيدرك وقطر معصرتك وابكار بنيك تعطيني ، كذلك تفعل ببقرك وغنمك سبعة ايام يكون مع امه وفي اليوم الثامن تعطيني اياه ."
اين حكمة المشرّع البابلي من قول يهواه الشرير بلسان موسى المزعوم ؟
" ان ملاكي يسير امام شعبك ويجيء االى الاموريين والحثيين .. والكنعانيين . فأبيدهم .. ارسل امامكم الزنابير فتطرد الحويين والكنعانيين والحثيين من امامك ."
اول ما يلفت النظر في شريعة الملك البابلي ، انها منتظمة تنظيماً علمياً ، ومنسقاً تنسيقاً بديعاً ، مبوبة تبويباً متسلسلاً رائعاً ، روعيت فيه الدقة البالغة . بعكس شريعة التوراة اليهودية ، الغير مبوبة ولا منسقة والمبعثرة المواد الملتقطة من كل وادٍ عصا ، دليل عجز سارقيها وكاتبيها ، حتى عن محاكاة الشريعة الاصلية في التنظيم والتبويب والتسلسل والدقة .
تعالج الشريعة السورية البابلية ، علاقات الانسان بالانسان ، وتعيّن واجباته في المجتمع ، وتتطرق الى الحقوق الشخصية والحقوق الملكية ولا تغفل شؤون التجارة والعمل والاقتصاد والقضاء ، والارباح والخسائر وتحديد الاسعار والاجور ، وامور العائلة وضمان حقوقها وارزاقها .
وعلى هذه الشؤون الاخيرة يعلّق جايمي دي التافيلا البرازيلي ، استاذ الحقوق في جامعة الاغواس .. في كتابه " اصول حقوق الشعوب " .. صفحة 32 قائلا :
" واننا نرى اليوم في الشريعة التي كانت سائدة في بلاد دجلة والفرات ، ظاهرتين كبيرتين ، كان لهما اثر كبير في الحقوق المدنية العصرية هما : المحافظة على مصلحة العائلة وارزاقها ، ومنع البيع والشراء بين الآباء وابنائهم . ان المحافظة على مصلحة وارزاق العائلة دخلت في تشريع اميركانية المدني عام 1839 فقط . ومن ذلك التاريخ بدأت شعوب اخرى تقلد هذا التشريع ذا الخاصية الاقتصادية الجيدة ."
نتوقف قليلا عند الباب الرابع من الشريعة الحمورابية لنراه يعالج مسائل ايجارات الحقول والبيوت وكيفية دفعها . فالمواد-43-44 -42 من هذا الباب ، لها دقة اقتصادية واجتماعية بالغة ، بحيث تجبر مستأجري الارض على زرعها ، لان مصلحة المجتمع لا تسمح بعدم الانتاج واهمال الارض ولا بالقعود ولا بالكسل .
اما المادة 48 من نفس الباب ، فتعالج الحالات الاستثنائية وتعفو عن المستأجر في حالة اتلاف مزروعاته ولكنها ترغمه عى كتابة عقد جديد مع صاحب الارض . اما في حالة عدم زرع الارض من قبل المستأجر لاهمال منه ، او في حال عدم اعتنائه بالزرع وهبوط انتاجه .. فعليه ان يدفع ما عليه للملاك بحسب انتاج حقل جاره .
وينظم الباب الخامس العلاقات بين التجار والمفوضين ، وفيه نرى وجوب تسجيل الصفقات التجارية وكتابة العقود وتوقيعها من الاطراف اصحاب العلاقة .
ومن هذا نرى ان شريعة حمورابي كانت اول شريعة في العالم ، نصّت على وجوب كتابة العقود وقالت بوجوب تسجيلها وابرامها وتوقيعها .
يتعرض الباب السادس لتنظيم التجارة والبيوت التجارية والحانات ، فيحدد اسعار الحاجيات والمشروبات ،ويعاقب التجار المحتكرين والمستغلين والغشاشين او الذين يتاقضون اسعاراً تفوق الاسعار المحددة .
ويعالج الباب السابع شؤون النقل والمقايضات والديون ، ومنه يستدل على ان التجارة في بابل كانت واسعة ونشيطة جداً ، لها اهمية كبيرة في انعاش اقتصاد البلاد . ويتضمن الباب التاسع مادة واحدة فقط تتعلق بجريمة القدح والذم والثلب والتشنيع وهي التالية :
المادة 127 : اذا ثلب شخص ما امرأة مصون او متزوجة وفضحها وشنّع عليها دون ان يقدم شهوداً على ما يقول ، يساق ذلك الشخص الى القاضي ويكوى في جبينه .
يستنتج من هذا ان المرأة في بابل كانت تتمتع بحماية رسمية . وان الاحترام للعرض والبيت الزوجي كان كبير جداً . فالنفي الاكيد كان ينتظر القادح المشنّع فاضح العرض .. وما كان المجرم يقدر على المكوث في بابل مع علامة العار الدائمة البادية في جبهته .
نحاول الاختصار وننتقل الى الباب العاشر المتضمن 58 مادة ، تدور كلها حول شؤون الزواج والعائلة والجرائم ضد العائلة ، والغرامات والوراثات والمهور ، وفيه يبرز بوضوح التشديد على تصعيد المناقب الاجتماعية .
المادة الاولى منه هي تشريع موفق جدا ، لا يزال حتى اليوم بالرغم من مرور ما يقارب الاربعة آلاف سنة على سنّه تقريبا .. معمولا ً به وموجوداً في مختلف التشريعات العالمية . وهذه المادة هي التالية :
المادة 128: اذا عاشر رجل امرأة ، دون ان يبرم عقداً معها ، فهي لا تكون زوجة شرعية له .
ان الاهتمام الكبير الذي يوليه التشريع الحمورابي للعائلة وللمرأة بنوع خاص تقنعنا اقناعاً تاماً بأن المؤرخ اليوناني هيرودوت ، لجأ الى الكذب والخيال في بعض ما كتبه عن بابل ، خاصة عندما يقول :" وهناك شريعة جيدة في بابل تجبر العذارى مرة مرة كل عام ان يجتمعن في مكان معين امام الطالبين او الراغبين ، لكي تباع الواحدة منهن بالمزاد العلني ، لا لتصير عبدة بل زوجة للشاري ."
وعلى قول هيرودوت هذا ، يعلق برتلماويو مترجم كتب المؤرخ اليوناني الى الاسبانية بما يلي : " ان ما ادعاه هيرودوت ، لايتفق ابداً مع تقاليد وعادات الشعب البابلي ، الذي كان يقدس الزواج ويبرم له عقداً رسمياً ممهوراً وموقعاً ، قائماً على القبول الاختياري من الطرفين من اجل صيانة مصلحة المجتمع ."
وكان الطب يمارس في بابل بعناية كبيرة ، ولهذا شرّع حمورابي لتنظيمه وعيّن واجبات الطبيب ومكافأته ، كما وضع العقابات له في حالة اهماله وتهربه من القيام بواجبه فقال :
المادة 215 : اذا عالج طبيب ما جرحاً خطراً في رجل ما بمبضع نحاسي وشفاه ، فيجب ان يدفع له ذلك الشخص عشرة شاقل .
المادة 218 : اذا عالج طبيب ما شخصاً مجروحاً جرحاً خطراً ، واهمل المعالجة فمات الرجل فيجب ان تقطع يد الطبيب .
كذلك يعيّن المشرّع واجبات المهندسين والبنائين ، ولا يقبل منهم غشاً ولا اهمالاً فيقول :
المادة 219 :اذا بنى مهندس ما بيتاً لشخص آخر ولم يبنه جيداً وبقيت جدرانه عائبة فعلى المهندس ان يقوم بترميم الجدران على نفقته .
في الباب الرابع عشر يشرّع حمورابي حول اجور العمال والمزارعين والرعاة والخسائر وسرقة العبيد والمياه ، وحول مسؤوليات ادعاء مقتنى الغير وحول النظام .
وفي هذا الفصل يبلغ المشرّع البابلي قمة عبقريته ، اذ يسبق مشرّعي العالم العصريين قاطبة باربعة آلاف عام .. ويسجل فتحاً اجتماعياً عظيماً ، عندما يحدد الاجور ويعيّن الحد الادنى لها . هذا التشريع المتفوق الفذ الذي تبنّته غالبية دول العالم اليوم ، وعلى هذا يعلّق جايمي دي التافيلا قائلا :
" ان حمورابي له مركز الصدارة بين المشرّعين ، فهو نفسه وليس سواه مبتكر فكرة الحد الادنى للاجور في العالم " انه هو المشرع القائل ما يلي :
المادة 257 : اذا استأجر رجل ما فلاحاً ، فبجب ان يدفع له ثمانية غور من القمح سنويا .
المادة 261 : اذا استأجر رجل راعياً ليرعى بقره وغنمه ، فيجب ان يدفع له ثمانية غور سنوياً .
المادة 274 : اذا استأجر رجل ما عاملا ً ، فيجب ان يدفع له خمسة سي يومياً .
من كتاب للأمين المؤرخ نواف حردان بعنوان " التوراة باطل وخطر" .
|