|
لقد فعلت نظرة سعاده في تحريك الفكر في الوطن السوري وفي العالم العربي . فكانت المؤلفات معه وضده . وكانت المحاضرات ، وكانت الندوات ، وكان منبر الصحافة ، وكانت تلبية من جيل الثلاثينات والاربعينات ، فكرية عقائدية وأدبية وفنية ، ان لم يتسن لها مهرجان التطبيل فلأنها كانت لا تحسن التدجيل .
كانت عميقة ولكنها كانت هادرة . لقد فتحت آفاقاً وخطت طريقاً واطلعت كواكب ، وليس المجال الآن لتعداد الاسماء التي سطعت مع فجر النهضة ومع مواكبة الحركة . حسبنا القول ان مواهب كانت تائهة فأرشدها سعاده الى ينابيع روحية الامة وتاريخها وحضارتها ، وان امكانيات كانت مكبوتة ففجرها سعاده فكراً وادباً وشعراً وفنوناً .
ولا استثني المكابرين من فضل سعاده عليهم . اذ علمهم كيف يسلكون بتفكيرهم مسالك المنهجية الفكرية ، ويضعون لأبحاثهم قواعد العلم والمعرفة ، ويفلسفون اتجاهاتهم تقليداً له او اقتباساً منه . ولا بأس فإن سعاده - الفكر بات للجميع ، للمؤمنين به ولخصومه ، كما هو الهواء للجميع ، كما هي الشمس للجميع .
ان المجتمعات العربية الحديثة الناهضة قد اكتسبت الكثير من رسالة سعاده ، وتبنت الكثير منها ، ولو دون الاشارة الى مورد الاقتباس ومرجع التبني . لا بأس ايضاً ، فلقد شاء سعاده رسـالته لأمته وللعالم العربي ، بل ولجميع المجتمعات الانسانية ، فكان معلماً رائداُ وثائراً قائداً بنظرته الجديدة ، بفكره النير ، بإيمانه المستشهد نحو نظام انساني مجتمعي قومي لا مكان فيه للاستعمار وللرجعيات ، بل فيه كل العدالة الاجتماعية الاقتصادية الحياتية .
وختاماً لا بد لنا من التوقف عند من يتهمون الفكر القومي الاجتماعي بالتحجر ، لكونه يوجب على الملتزمين به خطاً فكرياً معيناً . ان خط الفكر السوري القومي الاجتماعي واضح كل الوضوح ، لا غموض فيه ولا تلاعب ولا شطط ولا مسايرات حسب الزمان والمكان . انه ليس مائعاً كغيره يأخذ شكل الاناء الذي هو فيه . وأنه ، على التزامه ، خط صاعد تقدمي تحرري ثوري . وانه لفكر انساني بالمبدأ والمنتهى . وما سوريته وقوميته سوى مرتكزات له ومنطلقات ، من قمة الى قمم ، نحـو آفـاق الكون والحياة بمراميها النفسية الحضارية ، الاجتماعية الانسانية .
لقد فتح سعاده بالفكر والادب والفن في دنيا العروبة كلها ، بومضات رسالته ، كوى يطل منها العقل وينطلق الى الابعاد . وليس عيباً على الآيات ان جاءت موجزة ، فإنها مكتنزة مكثفة بمحتواها ، انما العيب على تلاميذها ، الذين تلقنوها واستوعبوها ، اذا هم لم يعلمـوها ويشرحوها بوضوح لا ضباب عليه ، وباجتهاد لا انحـراف فيه . ان ينبوعها يختزن الخيرات ، وان امتنا تنتظر الدفق الخير منه فلا تتحرق ظمأ وتتيه في صحاري العالم لاهثة وراء كل سراب .
|