|
" الولايات المتحدة ، والكيان الصهيوني أمثلة تستحق الدراسة "
رب قائل أنه ما من دولة حققت التطور التكنولوجي في المنتج الحربي ، إلا واستخدمت هذا المنتج في مكان ما ، وضد عدو ما .
ويقول آخر : من المؤكد لو وصلت القيادة الألمانية إلى إنجاز القنبلة النووية لما ترددت في قصف لندن وباريس وموسكو وعواصم أخرى كانت تشكل خطراً على المشروع الألماني ، ويبقى الأمر هنا محكوماً بـ ... لو ، أي الاحتمال .
لكن بالمقابل ، هناك الاتحاد السوفييتي السابق ، امتلك القنبلة النووية كغيره من الدول التي استقطبت ، أو تقاسمت الخبرات العلمية الألمانية ، وخاض حروباً كثيرة ، ومريرة وخصوصاً في أفغانستان ، ولم يقل أحد أن الروس استخدموا الأسلحة المحرمة ، وخصوصاً أسلحة الدمار الشامل كما استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في اليابان وفي أقصر تجربة حرب خاضها الجيش الأمريكي ، واستخدم أسلحة فتاكة وتعد من أسلحة الدمار الشامل في كثير من دول جنوب شرق آسيا ، وكانت النتائج هزائم عسكرية ، وقبلها هزيمة أخلاقية ، بل وسقوط من عالم الأخلاق والإنسانية .
أمريكا ليست الدولة الوحيدة التي وصلت إلى قمة العلوم العسكرية والانتاج الحربي المتطور للغاية ، بل ،روسيا أيضاً ، وفرنسا وبريطانيا ولاحقاً الهند وباكستان وقبلهم الصين ، لكن أحداً من هذه الدول لم يستخدم القنبلة النووية عدا ما يتسرب عن استخدام فرنسي في بعض أرض المغرب العربي ، في الشمال الأفريقي ، وربما في أماكن أخرى من أفريقيا ، ويبقى الأمر طي الكتمان باعتبار النتائج كانت محصورة في نطاق محدد ، وفي غاية السرية .
الدولة الصهيونية ، وهي التابع الغربي بامتياز ، المستفيد بطرق عديدة من التقدم العلمي سواء عن طريق التجسس ، أو تقديم بعض دول الغرب مساعدات تكنولوجية في ظروف محددة ، وبما سمح بتطوير المشروع الصهيوني ، هذا العدو الذي أقام كيانه أساساً على أسس تتناقض مع الأخلاق ، استخدم ، ويستخدم الإنتاج التكنولوجي الغربي - الأمريكي بشكل خاص - ومنتجه المحلي بدون حدود ، بما في ذلك الأسلحة النووية المصغرة ، أو ما يطلق عليه سلاح اليورانيوم المنضب ، أو المخفف ، ويبقى أنه سلاح من أسلحة الدمار الشامل وفي نطاق الاعتبار - سلاح محرم دولياً ، والملاحظ أن العدو الصهيوني يستخدم السلاح بطريقة لا تتناسب وسلاح المواطن الفلسطيني المقاوم ، الصواريخ والقنابل الثقيلة - سلاح الطيران والبحرية - والدبابات ، مقابل استخدام العصي ومقاليع الحجارة ، والبنادق الفردية ، وبعض قواذف الحشوات الجوفاء ( الآر بي جي ) ، وقد يعطي هذا الاستخدام الدلالة الواضحة على أخلاقية العدو ، في ممارسة الحروب البعيدة عن فروسية وأخلاق الزمن الغابر يوم كان الفارس يأنف استخدام الرمح مقابل السيف ، أو السيف مقابل الخنجر ، وهذه الولايات المتحدة تستخدم في العراق ما تملك بعيداً أيضاً عن الأخلاق ، اليورانيوم المنضب ، والنيوترون ، وقنابل من فئة ستة أطنان ، وغيرها .
عندما استخدمت الولايات المتحدة قنابلها النووية ضد مدن آمنه ، آهلة بالسكان ، كان مبررها إنهاء الحرب بسرعة ، واستسلام اليابان ، ومن وجهة نظر أمريكية منع سقوط المزيد من الضحايا الأمريكان ، وتجاوزت أخلاق القيادة الأمريكية مسألة أن عشرات ومئات آلاف الضحايا الذين سقطوا في المدن اليابانية كانوا من المدنيين الأبرياء - العزل من السلاح - في حين أن من أرادت توفير الحياة لهم ، هم من الجنود المسلحين ، وهم من حيث الواقع ، وقود وضحايا حرب محتملين طالما استمر أوار الحرب متأججاً ، الأخلاق لم تحسم الموقف وتوقف القرار للصالح الإنساني بقدر ما تخلت عن تأثيرها لتفرض المصلحة الآنية أخلاقها المناقضة ، أو لتسقط الأخلاق تماماً ، ويقتصر الأمر على تعذيب الضمير عند أدوات التنفيذ - الطيارين ، وربما الذي اتخذ القرار النهائي ، في الحالة الصهيونية لا يمكن افتراض محاكمة أخلاقية لنتائج الممارسة ، ولا حتى صحوة ضمير ..! وكان ما حصل في لبنان ، وقبله بسنوات على أرض مصر وسوريا ، من قصف لمدارس ، وقرى ومنشآت مدنية ، خير دليل على موت الضمير باعتبار أن قيامة الدولة - الكيان لم تستند إلى محاكمة أخلاقية - إنسانية بقدر ما استندت إلى الخرافة المبرر - الوهم ، وهو ذريعة بكل الأحوال ، وإلا ، لماذا انتظر الرب أربعة آلاف عام لتنفيذ عقده مع " إسرائيل " .؟. وكيف ، وعن طريق مَنْ ..؟ اللورد بلفور ..! ، ورب متسائل : وهل اللورد بلفور هو الوريث للمكتب العقاري الذي كان يديره الرب في الزمن الغابر .؟.
يكثر الحديث اليوم في الأوساط الغربية ، خصوصاً الأمريكية عن التخوف من امتلاك بعض الدول للسلاح النووي المحظور - والحظر هنا ليس بقرار إلهي ، وإنما بقرار فردي تمثله دول الغرب فقط - وهي هنا متخوفة من قيام قوة مكافئة، أو رادعة على الأقل كما في الحالة الصينية، أو الهندية ، امتلاك القوة الإيرانية لأسرار القنبلة النووية ، أو ما يعادلها ، ومن أدنى المستويات أمر يؤرق الصهاينة ، كما الأمريكان ، والادعاء أن لا تحكم الأخلاق سلوك القيادة الإيرانية هو من باب الاحتمالات كما كان الأمر مع الحالة الألمانية التي لم تصل ، ولم تفعل ، في حين أدى وصول القيادة الأمريكية إلى ممارسة الفعل وفور الامتلاك ، أي في لحظة التجربة ، في حين أن الاحتمال الآخر هو السلوك السوفييتي ، والصيني ، وحتى الهندي والباكستاني ، الامتلاك بين أطراف متناقضة يؤدي إلى وجود ردع متبادل ، وخوف متبادل ، لكنه في الحالة الحاضرة يشكل تهديداً من طرف واحد تجاه الآخر ، ورعباً وتهديداً محتملاً في كل لحظة لأمن الطرف الثاني ، أي الذي لا يمتلك وسيلة الردع ، ويبقى الطرح الغربي ، على سبيل التخوف هو من باب التحريض ، ومحاولة منع الامتلاك رغم إصرار الطرف الإيراني على أنه لا يهدف إلى تسخير علومه النووية لصناعة السلاح ، وأمر تصديق مثل هذا النفي فيه بعض التواضع في التفكير ، إن دولة مستهدفة بثرواتها ، وموقعها ، ووجود عدو قوي على حدودها يفترض أن يدفع بقيادتها ومفكريها ، وعلمائها إلى استنباط وإيجاد وصناعة كل وسائل الردع الممكنة .
أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً أو سلاحاً متطورا من أي نوع ، يتفوق على الجوار بما يملك ، أمر لا يبعث على الارتياح ، ولا يمكن النظر إليه على المدى البعيد على أنه كسب للجوار العربي إلا في حال استمرار العداء مع العدو الصهيوني ، المريح أكثر أن يقوم التكافؤ بين الكيان الصهيوني ، وأي كيان عربي ، حتى ولو كان هذا الكيان خارج التزام اتفاقية الدفاع المشترك في الوقت الحالي ، أو يعيش حالة تكاذب سلمي مع الكيان الصهيوني كنظام ، ويبقى الأكثر أماناً للكيانات العربية على اعتبار أن السلاح سيكون في يد الجيش وليس في يد قيادة سياسية متعاملة ، وفي القيادات العسكرية تبقى الأخلاق ، والارتباط القومي هي صاحبة الكلمة ، المشاعر هنا تعبر عن الأخلاق ، وهذا ما يخشاه الصهاينة أيضاً ، إنهم سيعملون وبنفس طريقة الممانعة كي لا تمتلك دولة عربية سر القوة ، أو تصل إليها رغم آلاف الاتفاقيات السلمية ... إنهم لا ينظرون بعين الرضا إلى تسلح أية دولة عربية حتى في مجال الدفاع ويفضلون تجريد كل الدول المحيطة من السلاح ، عدا السلاح القادر على قمع انتفاضة الشعوب .
ما من حاجة لمناقشة أمر الأخلاق التي تحكم سلوك القيادات في العالم من حيث استخدام أسلحة الدمار الشامل ، لقد قدمت الكثير من قيادات العالم الدليل على مستوى الأخلاق عندها ، أو انعدامها ، ومنها الولايات المتحدة والعدو الصهيوني ، وإذا كنت محسوباً في خانة العداء لشيوعية الاتحاد السوفييتي السابق ، ومن محبي الحرية والديمقراطية - ليست الأمريكية بطبيعة الحال - فإنني أقدر لكل القيادات التي مرت على هذا الاتحاد تمسكها بالأخلاق وعدم الاستخدام المماثل لسلاح الدمار الشامل كما فعل الأمريكان ، وأرى أن التطمينات الروسية القائلة أن الإيرانيين لا يتجهون لإنتاج أسلحة نووية أمر يبعث على الاطمئنان ، ويؤكد التوجه الغربي لمنع دول العالم الثالث من تطوير قدراتها العلمية والارتقاء إلى مصاف دول العالم الأول ، ليس على قاعدة أنها تفتقر إلى الأخلاق ، بل لأنها تمتلك الكثير مما تفتقر إليه دول الغرب وخاصة الأخلاق الحقيقية .
يبقى أن على دول العالم " المتحضر " كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم أن يطرحوا أسباباً أقرب إلى المنطق ، والعقل ، وأن تكون الأخلاق هي محور الطرح الفعلي ، وأن يطبقوا ذلك بالأفعال لا أن يطالبوا الغير بالأقوال .
|