"أنطون سعادة لم يقترح علينا شكلاً شعرياً معيناً لم يلزمنا بمدرسة فنية دون أخرى لم يتدخل في أوزاننا وقوافينا، لم يحد من حريتنا وأختيارتنا لكنه أعطانا مفاتيح ذهبية تفتح كل الأقفال المغلقة وتزيل كل الطلاسم والألغاز التي امتلأت بها ذاكرة المجددين الذين ظنوا ان التجديد هو في الشكل فدمروا حيويتهم الشعرية بتفتيق العبارة الشعرية المتجددة لا الجديدة وصقلها وقضوا أيامهم ولياليهم بصيد العناكب المذهبة والذبان الملون. ظنوا ان الحياة والشعر ينفصم الواحد عن الآخر كمن يفرغ العظام من النخاع والجمجمة من الدماغ ويتكلم بعدئذ عن التوازن والإنسجام والقوة. "- د. نذير العظمة
على مر الأزمنة والعصور كانت أمتنا سورية أمة العقل، أمة معطاء، خيّرة، تعطي العالم العطاءات السخية بدون حساب وتفتح له دروب الخير والتعارف والتفاعل. توزّع من حضارتها وأبجديتها ومعارفها وتجازف بأبنائها ليكونوا رسل محبة وسلام ورواد علوم ومعرفة. جاءت بالرسالات الإلهية الإنسانية والفلسفات الإجتماعية والشرائع التمدنية ووزعتها على باقي الأمم لتكون منارات لها على دروب الفضيلة والعدالة والسلام. من رحمها ولدت المسيحية لتنسف صنميتهم ووثنيتهم الخرافية ولتفجّر ينابيع المحبة والرحمة والقيم الجديدة ومن أرجاءها انطلقت المحمدية لتكمل رسالة الإسلام ولتحطم ما تبقى من أصنام وأوثان.
وتاريخ أمتنا القومي السياسي الثقافي حافل بالمفاخر والمنجزات الحضارية.. وما أكثر الآثار التي اكتشفت في مناطق عديدة من بلادنا (مثلاً في إيبلا ومارى وأوغاريت وغيرها من الأماكن الأثرية) التي تظهر إسهام أمتنا في الفكر الحضاري لا بل أسبقيتها على العالم في إستنباط المآثر الحضارية في كافة شؤون الحياة ونشرها وتعميمها إلى سائر أصقاع الدنيا.
فقد شهدت بلادنا أقدم الحضارات وسبقت باقي الأمم في ممارسة الديمقراطية والمساواة بين البشر وفي وضع الشرائع والقوانين في كافة الأمور وتطبيقها (قانون أورنمو عام 2110 ق. م. وقانون لبت عشتار عام 1930 ق. م. وقانون ايشنونا عام 1850 ق. م. وتشريع حمورابي عام 1780 ق. م.) وفي إبتداع العلوم والفنون وممارسة الطب والعمليات الجراحية ومسح الأراضي وحفر الأقنية وجر المياه وتخزينها في الآبار وإتقان الفنون الصناعية والخزفية وبناء القصور والمعابد والحصون ونحت التماثيل واعتماد الثورة وحروب التحرير والسعي الدائم لتحقيق وحدة جماعات البيئة الواحدة في دولة مركزية قوية وإنشاء المدارس والمعاهد التعليمية والمكتبات ووضع الفلسفات الإجتماعية المتسلحة بالأدلة العقلية وممارسة مراسم وطقوس دينية تحمل في طياتها تفكيراً روحياً سامياً ودعوة الى المحبة والسلام.
ويكفي ان نقول ان أجدادنا السوريين كان رواداً في العديد من مجالات الحياة. فهم اكتشفوا النار والمعادن ودجّنوا الحيوانات والنباتات وابتكروا الزراعة واستصلحوا الأراضي واخترعوا الدولاب والمحراث والآلات وانشأوا صناعات الفخار والخزف والأسلحة والغزل والنسيج والأصبغة وبدأوا الكتابة التي طوروها من التصوير الى المسمارية الى إختراع الأحرف الهجائية التي علّموها لليونان ومن ثم نشروها في أوروبا وبقية العالم وأقدموا على دراسة الأجرام السماوية فوضعوا التقاويم وأسهموا في تأسيس "علم الفلك" وعرفوا التجارة ومارسوها في البر وفي البحر وأنشأوا العملة والأوزان والمقاييس وكانوا السباقين في طرح مشكلات فلسفية حول أصل الوجود وفي عبادة الإله الواحد "إيل" أو "بعل" او اي اسم آخر نسبة الى المنطقة الجغرافية ولهجتها.
وفي مراحل تاريخ أمتنا تأسست المدن-الدول التاريخية كسومر وآكاد وبابل وماري وأشور ونينوى وارام وكنعان وإنطاكيه وغيرها من المدن المزدهرة والمشّعة على من حولها وبرز في أوساطها العديد من القواد والحكماء والفلاسفة النوابغ الذين كانت لهم أهداف أساسية وإسهامات كبيرة في تاريخ الحضارة الإنسانية. ومن هؤلاء القواد والعظماء نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، سرجون الآكادي الكبير موحّد بيئته الطبيعية لأول مرة في التاريخ والملك حمورابي العموري (1792-1750 ق. م.) مؤسس الدولة المركزية القوية وجامع الشرائع السورية الأولى في العالم وموحدها في كتاب واحد. ونذكر آشور الذي امتاز بعبقريته العسكرية ونبوخد نصر الكلداني الذي نقل زعماء اليهود الى بابل في محاولة منه لصهر جماعاتهم في البوتقة السورية.
ومن المدن-الدول الفينيقية المنتشرة على الساحل السوري الممتد من فلسطين في الجنوب حتى كيليكية في الشمال، من عكا وحيفا ويافا وغزة وبيسان وأريحا وصور وصيدون وبيروت وجبيل وطرطوس وأرواد وجبلة وأوغاريت والإسكندرون وغيرها من المدن والقرى انطلق الكنعانيون يمارسون حياتهم البحرية وينشرون ثقافتهم ومعارفهم في البحر السوري المعروف بالمتوسط لينتقلوا في ما بعد الى آخر آفاق المعمورة يكتشفون مجاهيلها ويملؤن أجزاءها المعروفة والمجهولة بأمجادهم وعظماتهم ومحطاتهم ومدنهم الجديدة لتكون قواعد إنطلاق حضاري توزّع أنوارها على العالم.
انطلقوا من صيدون ليؤسسوا محطات تجارية في بلاد مجهولة وبعيدة... فأظهرت الإثباتات الأركيولوجية انهم وصلوا اميركا الشمالية والوسطى والجنوبية وكانوا المكتشفين الأوائل لهذه القارة قبل كريستوف كولومبس بقرون عديدة وقد تركوا فيها آثاراً واضحة وكتابات مدهشة نجدها على صخرة دايتون في الولايات المتحدة الأميركانية وصخرة غافيا في عاصمة البرازيل والصخرة العظيمة التي تسمى بالحجرة المنحوتة في ولاية براهيبا البرازيلية وعلى الصخور الواقعة على ضفاف نهر الأمازون والأنهر المنصبة فيه كما نجدها في جبال الأندس وبطاح الأرجنتين وفي لغة وعبادة قبائل التسندال في المكسيك.
وانطلقوا من صور بقيادة الأميرة الشجاعة أليسا (اليسار) إبنة الملك ميتينوس وبنوا قرطاجة عاصمة المجد وملكة البحار، تلك المدينة-الدولة الفينيقية التي امتازت بالحيوية والبراعة والإبداع والتي حققت مرتبة ممتازة من الرقي والتمدن والإزدهار في جميع الحقول مكنتها من فرض سيطرتها على المستعمرات المغربية ولعب دور حضاري في شمالي افريقيا وجزر البحر وإسبانية وبريطانية وغالية ومن إكتساب صداقات الشعوب وجعلهم حلفاء لها.
وفي عاصمة المجد ترعرع هاني بعل ابن هملقار العظيم وأعظم نابغة حربي في كل العصور وكل الأمم، هاني بعل الذي أعلن الحرب على رومية وهو في التاسعة من عمره والذي إجتاز جبال الألب الشاهقة والمغمورة بالثلوج لينقض على عدوة قرطاجة التي هالها ما رأته من براعة الفينيقين وانتشار حضارتهم فطمعت بإحتلال ملكة البحار وبفرض سيطرتها على بلاد حوض البحر المتوسط. هذا القائد القرطاجي الذي رفض مصير الخنوع والعبودية وأختار درب القتال ليرفع اسم قرطاجة عاليا تجسّدت في مواقفه الأصالة السورية وروح المواجهة والبطولة والصراع.
ومن إحدى المدن على سواحل آسية الصغرى انطلق طاليس الفينيقي (أول فيلسوف في العالم ويعرف بأبو الفلسفة) إلى جزر بحر ايجه ليبشّر بفكر فلسفي جديد وليؤسس أول مدرسة فلسفية في تاريخ الإنسان فيتلقف المجتمع اليوناني تعاليم هذه المدرسة "الايونية" وروائعها الإنسانية والأدبية والفنية ليبدأ عهداً جديداً في امتداد العلم الصحيح والإفتراضات المنطقية. ومن اكتويوم في قبرص الفينيقية، انطلق معلم الحياة زينون بن منسى السوري لينشر مبادىء فلسفته الرواقية الإنسانية في أثينا وليعلّم الفضيلة المطلقة والمواطنة الكونية. ولقد كان لفلسفته الأخلاقية الجديدة أثر كبير ليس على الفكر اليوناني فحسب، بل على الفكر الروماني والمسيحي والإسلامي من بعده.
وبالإضافة إلى الشرائع البابلية والعبقرية الأشورية والحضارة الفينيقية، أعطت سورية الثقافة الآرامية التي حلت لغتها التي تكلم بها السيد المسيح محل اللغة الكنعانية وتغلبت حتى على اللغة العبرية لتتحول بعد ذلك إلى لغة عالمية ذات نفوذ وتأثير ثقافي كبيرين.
قد نحتاج إلى صفحات عديدة لا بل إلى مجلدات ضخمة لإيجاز ما أعطته أمتنا عبر العصور من منجزات حضارية في كافة الشؤون العلمية والثقافية والدينية والأدبية والقانونية. لذلك نكتفي بذكر بعض الأدباء والمفكرين والمبدعين من أمتنا الذين ظهروا في تاريخنا الحديث والذين تركوا آثاراً قيمة في الحضارة والفكر والعلوم الإنسانية لا يمكن طمسها أو نسيانها. ومن بين هؤلاء نذكر المفكر فرنسيس المراش الحلبي، أحد رواد الأدب الرومانسي في القرن التاسع عشر، وعبد الرحمن الكواكبي، أحد رواد الفكر السياسي الإصلاحي، والدكتور خليل سعاده، رائد الفكر والأدب والسياسة والنضال القومي في العقود الأولى من هذا القرن، والأديب جبران خليل جبران صاحب الروائع الأدبية والفنية الذي ذاع صيته في العالم، والأديبة الكبيرة مي زيادة والمعلم بطرس البستاني والعبقري كامل الصباح الذي امتاز بعقل منتج وروحية مبدعة خلاّقة.
وأروع ما أعطته سورية في تاريخنا الحديث رجلاً عظيماً امتاز بعبقريته ونبوغه... رجلاً كان لأمته قائداً وهادياً ومرشداً، كرّس حياته لينقذ أمته من ويلاتها وأمراضها فأسس مدرسة فكرية ووضع أسس نهضة قومية جاءت بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، نظرة أهدت أدبائنا وشعرائنا ومدرسة تخرّج منها المتفوقون في حقول مختلفة. هذا الرجل العبقري كان الزعيم الخالد الذي قال فيه الشهيد كمال جنبلاط في معرض إستجوابه التاريخي للحكومة اللبنانية حول إعدامها للزعيم في 8 تموز 1949: "إن سعاده هو رجل عقيدة ومؤسس مدرسة فكرية كبرى وباعث نهضة في أنحاء الشرق قد يندر لها مثيل".1
وإذا حاولنا أن نستقصي التأثير لا بل الآثار التي تركتها مدرسة سعاده والتي ما زالت تنتج عنها في جميع شؤون الحياة لإحتجنا إلى وقت طويل لتعداد هذه الآثار. لذلك نكتفي هنا بالقول إن من نتائج آثار المدرسة القومية الإجتماعية في حقول الفكر والقانون والثقافة والفلسفة والآداب والمسرح والموسيقى والفنون مئات الكتب والمؤلفات والمطبوعات والدراسات الآكاديمية وعدداً كبيراً من النشاطات الأدبية والشعرية والأعمال الفنية والمسرحية والمشاريع القانونية والدستورية والندوات التربوية والفكرية حول مواضيع مختلفة تخص مجتمعنا السوري وكيفية النهوض به.
ولقد كان لظهور المدرسة القومية الاجتماعية أثر بالغ وعميق في المجال السياسي تبدو عوارضه في الخطاب السياسي والمفاهيم السياسية والشعارات الوطنية والحزبية وفي لغة ومواضيع الإعلام ووسائله المختلفة وبرامج المرشحين في الإنتخابات النيابية كما تبدو في مجرى الحياة السياسية والأحداث التي شهدتها ساحتنا القومية منذ عام 1935 إبتداء بمعارك الإستقلال ضد الإنتداب ومروراً بالإنقلابات العسكرية والمحاولات الثورية حتى أحداثنا الأخيرة بما فيها معارك التحرير والعمليات الإستشهادية ضد العدو الصهيوني. وفي المجال السياسي أيضاً، يمكن الإشارة إلى أن مدرسة سعاده لم يقتصر دورها على تخريج المناضلين المنضوين في صفوف الحزب، بل على تخريج أشخاص إنصرفوا إلى العمل السياسي خارج صفوف الحزب فبعضهم وصل إلى مواقع السلطة التنفذية والتشريعية والعسكرية وبعضهم الآخر إنصرف إلى تأسيس، أو المساهمة في تأسيس وقيادة أحزاب وتنظيمات اخرى.
تأثير مدرسة سعاده في المجال الأدبي:
إهتم سعاده بالأدب والقضية الأدبية في سورية وذلك لأن الأدب يشكل إحدى ركائز النهضة القومية التي أرادها لمجتمعه. وخلال إنشغاله في هذا الميدان إضطر إلى أن يتناول بالنقد والتحليل أعمال كبار أدباء زمانه وشعرائه وذلك لما رأى في أعمالهم من تقليد وفوضى وعدم إبداع ومن أدب ذليل وعقائد مسممة للنفوس لا بد من مواجهتها من منطلق المصلحة العامة للمجتمع لأنها تمثل عقلية الإنحطاط والسفول والأنانية . وكما شن سعاده حرباً على أعداء الأمة الداخليين من إقطاعيين ورأسماليين ورجال السياسة النفعيين كذلك شن حرباً على الأدباء والشعراء الرجعيين الذين بدلاً من أن يساهموا في نهضة شعبهم وفي السير به نحو مراتب العز والفلاح والتقدم راحوا يكرّسون حالات الفوضى والذل والشك والإنحطاط التي يعاني منها مجتمعنا وذلك بما أثاروه في أدبهم من نعرات مذهبية وفئوية وخصوصية ومن مواضيع لا ترمي إلا إلى حب الذات والأنانية والمجد الشخصي.
لذلك كتب سعاده عن الحاجة إلى التجديد الأدبي في سوريه ودعا الأدباء والشعراء السوريين إلى الأخذ بنظرته الجديدة الى الحياة والكون والفن لينتجوا على ضؤها أدباً جديداً خارجاً من صميم حياتنا السورية ومعبراً عن مطامحنا ومثلنا العليا في الحياة، أدباً جميلاً نكتشف فيه تاريخنا وحقيقة نفسيتنا التواقة الى الإبداع والتقدم والجمال، أدباً يفهم حياتنا ومقوماتها ويرافقنا في تطورنا فيكون لنا منارة هادية بأنوارها وليس مرآة تعكس ما في مجتمعنا من حالات الفوضى والإستكانة والذل.
هذا الأدب الجديد الذي دعا إليه سعاده لكي يتحقق النهوض للشعب كله هو أدب الحياة الذي تكمن فيه عوامل التجديد وتنبع منه روئ جديدة تسير بنا إلى تحقيق الحياة الجميلة والسامية التي نطمح اليها. وبهدف إنتاج هذا الأدب الجديد خاطب سعاده جميع شعراء سورية قائلاً:
"تعالوا نرفع لهذه الأمة التي تتخبط في الظلمات مشعالاً فيه نور حقيقتنا وأمل إرادتنا وصحة حياتنا. تعالوا نشيد لأمتنا قصوراً من الحب والحكمة والجمال والأمل بمواد تاريخ أمتنا السورية ومواهبها وفلسفات أساطيرها وتعاليمها المتناولة قضايا الحياة الإنسانية الكبرى. تعالوا نأخذ بنظرة إلى الحياة والكون والفن نقدر، على ضوئها، أن نبعث حقيقتنا الجميلة العظيمة من مرقدها - حقيقتنا التي لا ترى الحب خدوداً ونهوداً وقدوداً دونها القتاد والقصّ، ولا ترى الشباب أفواهاً ملصقة بأفواه وشرراً محتدماً في المقل وثغوراً لاهبة تضطرم فيها شعلات القبل، بل ترى الحب نفوساً جميلة في مطالب عليا عظيمة تحمل النفوس في سبيلها المشقات الهائلة التي يذللها اتحاد النفوس في وحدة الشعور والمطلب- الحب الذي قرّب فماً إلى فم سكب نفساً في نفس، وكل واحدة تقول للأخرى، إني معك في النصر والإستشهاد من أجل ما تأبه نفسانا إلاه، ولا تستعظمان أمراً ولا تضحية يكون بهما بلوغه والإحتفاظ به."2
ويضيف سعاده،
"تعالوا نقيم أدباً صحيحاً له أصول حقيقية في نفوسنا وفي تاريخنا. تعالوا نفهم أنفسنا وتاريخنا على ضؤ نظرتنا الأصلية الى الحياة والكون والفن. بهذه الطريقة نوجد أدباً حياً جديرا بتقدير العالم وبالخلود."3
التجاوب مع دعوة سعاده:
ولقد تجاوب عدد كبير من أدباء سوريه وشعرائها مع دعوة سعاده وإنضموا إلى حركته او تأثروا بها فجاء إنتاجهم الأدبي والشعري يعكس النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، هذه النظرة التي نتج عنها مجرى حياة جديدة وأصبحت مصدر إلهام لجميع الأدباء والشعراء والقاصين والفنانين الذين اتصلوا بها وفهموا قضاياها الكبرى في مختلف شؤون الحياة. وبالأمس ظهر تأثير هذه النظرة الجديدة في حركة "شعر التموزية"، حركة الحداثة التي ضمت عدداً لا بأس به من الشعراء السوريين. وفي هذا المجال يقول الدكتور نذير العظمة:
"ان أغلب الشعراء التموزيين ما خلا جبرا ابراهيم جبرا وبدر شاكر السياب كانوا ينتمون إلى الحركة القومية الإجتماعية او يتصلون بها بشكل من الأشكال فالدكتور خليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال وهم من رواد الحركة التموزية لم يكونوا أعضاء في الحزب فقط بل مارسوا فيه مسؤوليات ثقافية وفكرية مهمة. وبكلمة اخرى كانوا على معرفة حميمة بما يكتب انطون سعاده وينظّّر في مسألة التجديد في الشعر بشكل خاص والأدب والفكر بشكل عام.."4
الشاعر ادونيس يؤكد من ناحيته ان كتاب "الصراع الفكري في الأدب السوري" كان المؤثر على تفكيره وإنتاجه الشعري. في هذا الصدد يقول ان هذا الكتاب "كان صاحب الأثر الأول في أفكاري وفي توجهي الشعري. ولأنه بالإضافة الى ذلك، أثّر تأثيراً كبيراً في جيل كامل من الشعراء، بدءاً من سعيد عقل وصلاح لبكي ويوسف الخال وفؤاد سليمان، وإنتهاء بخليل حاوي... وكان إلى ذلك ملهما لكثير من الأفكار والآراء الشعرية والنقدية في النقاش الذي دار حول مجلة "شعر" والمشكلات التي أثارتها".
وفي مكان آخر، يؤكد ادونيس على المؤثر النهضوي في قصيدته التموزية وفي قصائد غيره من شعراء مجلة شعر، فيقول:
"ليس بين قصيدتي وقصيدة خليل حاوي أي إلتقاء. ذلك ان القصيدتين تنبعان من مصادر واحدة أطلقها في بلادنا عقائدياً أنطون سعاده، وحققها من ناحية إستخدام الشعر شعراء في الغرب قبل خليل حاوي وقبلي. فليست مجهولة دعوة أنطون سعاده شعراء بلاده للعودة الى أساطيرها واستخدامها في نتاجهم، وذلك في كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري".5
ولكن شعراء الحركة التموزية لم يكونوا الوحيدين الذين تجاوبوا مع دعوة سعاده لخلق أدب جديد يعبر عن مطامح ومرامي النفسية السورية بل كان قبلهم وبعدهم عدد كبير من الشعراء والأدباء الذين اتصلوا بالحركة القومية الاجتماعية فأعطوا أدباً جديداً بالممارسة والفعل... وعن هذا التجاوب يشير الدكتور نذير العظمة:
"ان هناك شعراء آخرون أمثال اورخان ميسر ومحمد الماغوط وفايز خضور وكمال خير بك وغسان مطر وقبلهم عبدالله القبرصي في مصرع السمنة وقصائده الكلاسيكية ومحمد يوسف حمود في ملحمياته عن الحركة فهم ثروات شعرية، وعلى النقاد الشباب ان يلتفتوا بعنايتهم إلى هذه المناجم الغفل التي تنتظر الدراسة وتسليط الضوء. ويمكن القول ا حركة النهضة وديناميتها وتاريخها المتمحور حول فكر المؤسس ترك في شعر هؤلاء جميعاً بصمات فكرية وشعرية مميزة".6
لقد نفخ سعاده بهؤلاء الأدباء والشعراء روح التجديد والإبداع والحياة وزوّدهم برؤيا فكرية- شعورية جديدة إلى الحياة والموت والكون والفن، رؤيا ضرورية لحصول التجديد في الأدب إذ ان الأدب لا يمكن ان يحدث تجديداً من تلقاء نفسه فالتجديد في الأدب هو نتيجة حصول التجديد أو التغيير في الفكر وفي الشعور، في الحياة وفي النظرة إلى الحياة. ويقول الدكتور نذير العظمة:
مع سعادة، تعلمنا التجاوز بالممارسة الحية، كما في الحياة كذلك في الفكر والشعر، وجسدناه عبارة جديدة مشموطة من القلب أو مسحوبة من عتمات النفس في ضوء مفاجىء هو ضوء الإبداع والحرية."7
ويضيف:
أنطون سعادة لم يقترح علينا شكلاً شعرياً معيناً لم يلزمنا بمدرسة فنية دون أخرى لم يتدخل في أوزاننا وقوافينا، لم يحد من حريتنا وأختيارتنا لكنه أعطانا مفاتيح ذهبية تفتح كل الأقفال المغلقة وتزيل كل الطلاسم والألغاز التي امتلأت بها ذاكرة المجددين الذين ظنوا ان التجديد هو في الشكل فدمروا حيويتهم الشعرية بتفتيق العبارة الشعرية المتجددة لا الجديدة وصقلها وقضوا أيامهم ولياليهم بصيد العناكب المذهبة والذبان الملون. ظنوا ان الحياة والشعر ينفصم الواحد عن الآخر كمن يفرغ العظام من النخاع والجمجمة من الدماغ ويتكلم بعدئذ عن التوازن والإنسجام والقوة.8
من ناحيته يشير مدير كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، الدكتور وجيه فانوس، في كلمة ألقاها في ندوة دراسية حول أدب الرفيق الراحل محمد يوسف حمود، إلى بعض الأثر الذي تركته دعوة سعاده الحضارية فيقول:
"أنطون سعاده لم يكن مجرد زعيم سياسي! بل هو صاحب دعوة حضارية تستغرق الوجود الإنساني بكليته، وتحوي فيما تحويه قضايا السياسة كما بقية قضايا الحياة، ومن قضايا الحياة الأدب. وأنطون سعاده لم يهمل أبداً قضايا الأدب، فله فيها مبادئ وأفكار وآراء، وله فيها نظرات ترتبط بالرؤية الحضارية التي كان يدعو لها. ولذا فإني أميل إلى اعتبار سعاده واحداً من أهم المنظرين للفعل الأدبي في بلادنا. أولاً لأنه فهم الأدب مجالاً من مجالات تحقيق الفعل الحياتي؛ وثانياً، لأن من آمنوا بدعوته الحضارية مارسوا، او هم سعوا، إلى ممارسة الفعل الأدبي من خلال الرؤية التي قدمها سعاده. ومن هؤلاء كان محمد يوسف حمود".9
ويوماً بعد يوم، يتجلى الدور العميق للفكر القومي الإجتماعي ولقوته فنقرأ إعترافات الشعراء والأدباء والروائيين والموسيقيين والمثقفين بتأثرهم بهذا الفكر وبالأثر الذي تركه سعاده في مسارهم وتفكيرهم. ولو شئنا ان نضع لائحة تضمهم جميعاً أو أن نستحضر بعض الإعترافات لإحتجنا إلى صفحات عديدة من الورق. لذلك نكتفي بإيجاز بعض الشهادات:
الموسيقار توفيق الباشا يقول:
"أنا أشعر بالمدرسة القومية الإجتماعية التي وعتني على واقعي الموجود أصلاً وعبر التاريخ لذلك فكل أعمالي منصبة على هذا الخط".10
الروائي المسرحي عصام محفوظ يشير إلى ان مسرحية "قدموس" لسعيد عقل وهي إحدى أجمل المسرحيات الشعرية في أدبنا الحديث تظل مدينة بكتابتها إلى توجيه سعاده للشاعر المذكور أيام كان في جو الحركة القومية الناشئة.11
ويضيف الروائي عصام محفوظ، ان التأثير الأكثر مباشرة في المجال المسرحي تجسّده مسرحية "المنبوذ" لسعيد تقي الدين العام 1951 وهي أول مسرحية بالعربية يمكن تصنيفها كفاتحة المسرح الملتزم. وتأثير سعاده، يتابع عصام محفوظ قائلاً، "شمل بعض إنتاج "محترف بيروت للمسرح" الذي أنشىء بإشراف نضال الأشقر وزميلها آنذاك روجيه عساف وخاصة مسرحية "مجدلون" التي كتبها هنري حاماتي للمحترف، ووضعت انا كلمات نشيدها المقتبس عن عبارة لتشي غيفارا، والذي لحنه وليد غلمية. وكذلك يمكن الإشارة إلى مسرحيات اخرى مثل مسرحية "الستارة" لرضا كبريت وميشال نبعة، وأيضا المسرحيات الشعرية القصيرة التي ضمنها ادونيس ديوان "اوراق في الريح" وبعض أعمال نذير نبعة وغيرها...12
ولكي لا نطيل الكلام نختصر بالقول ان لمدرسة سعاده تأثيرات مهمة في شتى مجالات الحياة وفي تحريك الأعمال الفكرية والثقافية والأدبية كما ان لها دوراً طليعياً في تحريك العمل السياسي والنضال القومي في ساحة الوطن وفي المغتربات. لذلك قال الأمين الراحل مصطفى عبد الساتر ان "هذه المدرسة ما زالت الشغل الشاغل للدوائر الإستعمارية والصهيونية في منطقتنا، بل حتى في عقر دار هذه الدوائر التي حمل إليها المغتربون من أبنائنا هذا الفكر الفاعل المناضل والمتحدي."13
"أنطون سعاده لم يكن مجرد زعيم سياسي! بل هو صاحب دعوة حضارية تستغرق الوجود الإنساني بكليته.." د. وجيه فانوس
الهوامش:
1 الحزب السوري القومي الإجتماعي، إستجواب جنبلاط التاريخي للحكومة حول إستشهاد سعاده عام 1949، منشورات عمدة الإذاعة، ص 94-95.
2 أنطون سعاده، الأثار الكاملة -1- أدب (الصراع الفكري في الأدب السوري)، بيروت، 1960، ص 64-65.
3 المرجع ذاته.
4 د. نذير العظمة، "سعاده الاسطورة والشعر" منشور في مجلة فكر (الأعداد 43-46 كانون أول 1980- نيسان 1981، ص 119.
5 محمد جمال باروت، "تجربة الحداثة في حركة مجلة "شعر" القصيدة التموزية"، منشور في مجلة فكر العدد 64 ربيع 1985، ص 49.
6 د. نذير العظمة، "سعاده الاسطورة والشعر" منشور في مجلة فكر (الأعداد 43-46 كانون أول 1980- نيسان 1981، ص 128.
7 د. نذير العظمة، "أورخان ميسَّر وشباك الذاكرة" منشور في مجلة فكر (العدادن 47-48 أيار- حزيران 1981، ص 139.
8 المرجع ذاته، ص 138.
9 الندوة الدراسية حول أدب الرفيق محمد يوسف حمود التي أقامتها منفذية الطلبة في الحزب السوري القومي الإجتماعي في 28 نيسان 1993 في القاعة الكبرى للمحاضرات- كلية الآداب، الفرع الأول- الجامعة اللبنانية، إعداد لجنة الإذاعة والنشر، تموز 1993، دار الركن، ص 13-14.
10 راجع مجلة البناء، العدد 673، 4 آذار 1989.
11 راجع مجلة البناء، العدد 673، 4 آذار 1989.
12 المرجع ذاته.
13 مصطفى عبد الساتر، شؤون قومية، طبعة أولى، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 1990، ص 53.
|