قرأت لباحث وكاتب صديق تساؤلاً عن صحة الادعاء بأن الرب ( وليس الله ) كان يدير مكتباً عقارياً في غابر الزمان وأنه أعطى صكوك ملكية لأبرام وذريته بأرض واسعة تمتد من الفرات إلى النيل ، وقد أكمل تساؤله : وهل يعجز الرب عن تحقيق وعده آلاف السنين ثم يأتي بلفور ليحقق جزءاً منه على حساب بعض من ذرية إبراهيم وليس أبرام حيث تغيرت تسميته بحسب الرب .؟. وأضيف أنا إلى مقولته أن الله ، ( وليس الرب ) أورث الأرض لعباده الصالحين ، كما جاء في القرآن الكريم ، ولكن من هم الصالحون ، ومن له حق تقييم الصلاح .؟.
يقول كاتب بريطاني : لم يكن أحد في طول العالم وعرضه أكثر حماسة من إقامة وطن لليهود على أرض فلسطين من بلفور ..! وفي هذا القول الكثير من الصدق ، لأن أحداً لم يتجرأ قبله على إعطاء مثل هذا الوعد بأرض لا يملكها ، لشعب لا حق له فيها متجاوزاً المنطق والعدالة ، وفي وعده الكثير من الغطرسة ... لقد كان يأمل بوضع اليد على فلسطين ( وهو ما حصل لاحقاً بموجب قرار الانتداب ) حسب رؤيا تم التخطيط لها ، والتوافق بشأنها بين الدولتين الاستعماريتين ، وإذا كانت صكوك الانتداب لم تنص على حق الدولة المنتدبَة بالتصرف بملكية الأرض ، لكن منطق القوة ، وحق القوة ، والشعور بالفوقية على شعوب الأرض أملت على قيادات الغرب الظالمة سلوكاً ألحق أفدح الأضرار بهذه الشعوب ، وأسقط تلك القيادات من عالم الأخلاق والإنسانية والعدالة البشرية والإلهية على حد سواء ... ولكن ، هل اقتصر الأمر على مرحلة من مراحل التاريخ ، وهل توقف السلوك المتغطرس لعالم الغرب عند حدود تاريخية معينة ، أو ظروف دولية محددة ، لا نعتقد بذلك ، والشواهد التاريخية ماثلة للعيان ، ونعيش تفاصيل العديد منها مع تغير في الأدوار بحيث انحسر نفوذ بعض الدول التي كانت تتسيد وتتصدر العمليات الاستعمارية ، لتصبح مجرد توابع وأذناب لدول مستجدة على عالم الاستعمار ، ولكن بطريقة أكثر حداثة وتحت شعارات متطورة مع تطور الآلة على كل المستويات ، سواء الآلة الحربية ، أو الآلة الإعلامية .
في زمن عصبة الأمم المنتصرة ، فرض الأقوياء نظريتهم في " إنهاض العالم المتخلف " ، وحصلوا على قرارات بالانتداب ، وهي تسمية مستحدثة ( تجميلية ) في حينها لشكل الاستعمار المرفوض ، لكنهم لم يتقيدوا حتى ببنود قانون الانتداب ، لقد تجاوزا الشكل والمضمون ، وتصرفوا بحقوق الدول والشعوب على قاعدة أن المنتدب لديه وكالة عامة غير قابلة للعزل ، باعوا الأرض والثروات ، ونهبوها ، وقايضوا بأراض من دول عديدة فأعطت فرنسا لتركيا ما شاء لها العطاء ، وسلخت أراض خصبة وغنية عن الوطن الأم ، مقابل اتفاقيات أبرمت يعترف الأتراك بموجبها لفرنسا بحقوق ليست لها ، كما أحدثت دولة لبنان الصغير وطورتها إلى الكبير ، وحذا البريطانيون على نفس المنوال فأعطوا لفارس ما شاءوا من أرض العراق ، واقتطعوا إمارات وأراض أخرى ، وتصرفوا فيها وفق مصالحهم وأهوائهم ، وكان الأكثر إيذاء لسوريا هو اقتطاع وجهها الجنوبي البحري ومنحه حقاً وراثياً لليهود ، .. لقد أراد البريطانيون ، بعد بلفور ، وبعضهم تلامذة له وأشياع ، أن يحققوا وعد الرب ، الوعد الخرافة ، ليس حباً بالله ، ولا بالرب ، ولكن وفقاً لمصالح بعيدة مستقبلية رأوا أنها لا تتحقق إلا بزرع هذا الكيان الغريب ، كيان سرطاني قابل للتمدد والانتشار .
في الزمن الحديث ، زمن الأمم المتناحرة ، وسيادة وحيد القرن ، وكثرة أذنابه ، تسود هيمنة على قرارات مجلس الأمر الجديد ، وبدلاً من قوانين وقرارات الانتداب ، يخرج علينا المجلس بقرارات رقمية متسلسلة - يفـوض بموجبها وحيد القرن لإصلاح الوضع في دولة ما باعتبار أن خللاً وقع في ميزان العدالة الإنسانية ، أو الديمقراطية ... وكله دوساً وإذلالاً لحقوق الإنسان ، عدا إنسان الرب صاحب الوعد ، ومع التطور التقني يلمس العالم غطرسة من نوع جديد تتواءم وحجم القوة ، ويضاعف من عملية الإملاء ، بحيث تتناسب معها طرداً ، عمليات المقاومة ، ومبالغة القوة - وحيدة القرن - في الثأر وإلحاق الخراب والدمار ، وزيادة أعداد الموتى - الضحايا ، على مدار الساعة ، لا تسقطهم القنابل النووية ، لكنهم يسقطون بأعمال فيها من القذارة والوحشية ما لا يمكن وصفه ، - أعداد الضحايا تصل حدود النتائج التي تعطيها القنابل النووية ، بل ويزيد في الكثير من الحالات ، وينظر سكان العالم بعين الحذر والقلق إلى الحديث المتداول المنقول عن قادة هذا الغرب ، ويتأكد لهم أن الخطاب لا يحمل في طياته شيئاً من الحقيقة ، بل هو في مجمله تضليلي ، مخادع ، ويلجأ قادة الغرب إلى نفاق واضح في كل سلوك أو قول أو وعد ، ولنأخذ أمثلة على ذلك بدءاً من المجنون الأكبر الذي قيل فيه أنه قد أجَر طابقه العلوي مقابل شروط غير معقولة ، وقصدت به بوش ، يقول : إن وقف العمليات الإرهابية الموجهة إلى بلاده يجب أن تتوقف وإلا فإنه مستمر في عمليات " مكافحة الإرهاب ، وملاحقة الإرهابيين أينما كانوا " ..! من يزرع الإرهاب في العالم ، ومن يخطط له ، بل من يمارسه بقدر ما تفعل الولايات المتحدة نفسها ، وهل يملك شعب في العالم ، أو دولة ما ، جيشاً من الإرهابيين المنظمين ، المدربين على أقذر أنواع العمليات الإرهابية من تخريب وتصفية وقتل أكثر من جيش الاستخبارات المركزية الذين يمتد عملهم ، وتطال أيديهم الوسخة كل العالم ، دوله وتنظيماته ، وقياداته ، ويعلم الجميع أن أكبر قيادات العالم تخضع لابتزاز الاستخبارات المركزية ، وأن عملاء هذه المنظمة الإرهابية الدولية المحمية بقانون فريد ، يستطيعون اختراق الجسم الأمني لأي تنظيم أو دولة وأنهم قادرون على إزاحة من يشاءون من طريقهم إذا وقف بوجه مصالح الأسياد وأصحاب القرارات من مالكي رؤوس أموال المصالح النفطية والصناعات العسكرية وغيرها .
الرئيس الأبله يقول : أن على العالم أن لا يسمح بقيام حرب عالمية ثالثة ، أي أن يمنع إيران من الوصول إلى أسرار الذرة ، ليس إيران فحسب ، بل أي طرف دولي آخر ولو اقتضى الأمر استخدام القنابل النووية ضده ، هذا الأمر لا يعطي الانطباع بأن دولة كالولايات المتحدة حريصة على أمن وسلام البشرية ، دولة هي الوحيدة التي مارست قصف المدن الآمنة بالقنابل النووية ، ما أدى إلى إبادة شاملة لمئات الآلاف من البشر الأبرياء ، دولة تتحدث عن انعدام الشعور بالمسئولية لدى قادة دول ، هي من يتهمهم ، في حين لم يبدر عن أي من هؤلاء ما يعطي الانطباع بلا عقلانيته أو تهوره ، الخطاب الوحيد المتهور هو الذي يصدر عن قيادات أمريكا في الداخل الأمريكي ، وفي الجهات التابعة كما في تل أبيب المغتصبة ، وكما في لندن التابعة ، خطاب مفاده رفض للندية أو مواجهة حقيقة أن لكل دولة الحق في الحصول على ما هو حق للدول الأخرى ، وليس هناك في عالم الغرب من يحق له اعتبار نفسه المؤهل الوحيد لتقييم وتحديد الحقوق ، منحها أو حجبها ، واتخاذ قرار بهذا الخصوص ، ولو كان صادراً عن مجلس الأمر الحالي غير الصادق مع نفسه ، أو مع الميثاق الذي أنشء بموجبه .
السعار الذي ابتلي به الرئيس بوش ، انتقلت عدواه إلى رئيس الوزراء البريطاني السابق بلير ، بعد أن أخذ بطريقه طاقم الإدارة الأمريكية ، وهؤلاء جميعاً أطلقوا تهديداتهم في كل اتجاه ، بل نفذوا الكثير من الوعيد الذي جلب أوخم العواقب على شعب أمريكا قياساً بالهدوء والاستقرار والرفاهية التي كان ينعم بها ، يودع الأمريكيون قتلاهم ، ضحايا أطماع بوش وشركائه في الشركات متعددة الجنسية ، بعض أفراد الشعب الأمريكي يلاحقون بوش وأركان إدارته عبر قضاء يعتبرونه متحررا من الضغوط ، ربما يفلحون بعد سقوط الحصانة عنه ، لكن الأحق بملاحقة بوش هم الملايين من أهالي قتلاه وضحايا قراراته المجنونة في أفغانستان والعراق وفلسطين ، وفي كثير من بقاع العالم التي تعاني من آثار عمليات جيشه الإرهابي السري ، لم يعد على مساحة العالم من يجهل أي نوع من الرجال هم الذين يحكمون العالم عبر إدارة بوش ، ... تراهم يرمون إلى تطويق روسيا وتقييد حركتها ، ولجم طموحات الصين متوسلين شتى الأساليب عدا العسكرية منها ، فأصحاب القوة العظمى هم الأكثر تردداً وجبناً ، لا يقدمون إن لم يضمنوا النتائج ، ونرى أسلوبهم في التعاطي مع كوريا ، واليوم على ساحة إيران ، علماً أنهم لم يوفروا وسيلة ولا تهديداً ، وهاهم بعيداً عن مجلس الأمر المطواع لهم في أغلب قراراته يتخذون قراراً بمعاقبة الشركات والمنظمات التي تتعامل مع إيران ، أو غيرها من الدول المدرجة على قائمة " أعدائهم " يفبركون الاتهامات ، ويحبكون المؤامرات ، يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة من شئون الدول الداخلية ، ولم يخطر ببال أحد منهم أن يتساءل عن مصدر الحق المعطى لهم دون تفويض أو وجه حق ، ويعيبون على دول حقها في إدارة شئون مواطنيها ، إنه فقط منطق الغطرسة ، لم يقف عند حدود ما كان يحصل في القرن الماضي بل ، تجاوزه بمراحل كثيرة ...
براون يهدد السودان بفرض عقوبات إن فشلت مفاوضات تقوم في ليبيا أو تشاد مع الفصائل المتمردة في دارفور ، براون مصاب بلوثة الغطرسة ، والشعور بالفوقية تجاه الدول والشعوب في عالم يعتبرونه متخلف ، لم يقل براون أنه سيقف ضد من يعمل لإفشال المفاوضات ، بل أوقف عقوباته على الحكومة السودانية ويعلم علم اليقين أن الكثير من الأطراف الطامعة تعمل لمصالحها فتحرض أطراف النزاع على إفشال الحل ، وأول من يفعل ذلك ،هي الدولة الصهيونية التي أوجد لها الذريعة لتكون ، سلفه سيء الذكر بلفور ، وهكذا تدور عجلة التاريخ وتنتقل لهجة الإملاء والغطرسة من جيل إلى جيل ، توارث جيلي ، يدعمه تطور في المنهج والسلوك ، وسقوط متواصل من عالم الأخلاق ، وطمس للعدالة والمنطق ، ولكن ، لتستمر جذوة الممانعة ، والمقاومة ، وتتطور أساليبها بتطور الزمن والثقافة ، والمعاناة ، ثم لتسقط الغطرسة ، ولغة الإملاء ويكون النصر لمن امتلك ناصية الحق والحقيقة ، وآمن بهما ، وعمل مخلصاً .
ليس من حقنا المراهنة على تغيير الرؤوس في عالم الغرب ، مع أنه من حقنا المراهنة على صحوة أخلاقية عند الشعوب ، وهاهي التظاهرات تعم شوارع المدن الأمريكية ، ليس حباً بنا في المشرق ، ولا انتصاراً لعدالة قضيتنا ، إنما دفاعاً عن مصالح العامة من شعوب الغرب ، وانتصاراً لدماء القرابين المسفوحة على أرض بعيدة جداً ،غير أرضهم ، ووقوفاً بوجه عمليات تخدم شيطان الرغبة وليس الحق المشروع ، وها هم يرفضون الدماء البريئة مقابل براميل النفط المنهوب والثروات الجارية إلى صناديق الحيتان الكبيرة في عالم مجنون يقوده أبله ... مجنون .
|