|
الخطر التركي الجديد على ضوء الحقائق القومية والتاريخية- نديم عبدو |
|
|
|
الخميس, 01 تشرين الثاني 2007 |
|
يحتل التوتر السائد على الحدود الفاصلة بين تركيا والعراق واجهة الأحداث في المرحلة الراهنة، مع تزايد الحديث عن إحتمال شن الأتراك لهجوم قد يأخذ شكل الإجتياح لمناطق شمالي وادي الرافدين التي تسكنها أكثرية من الأكراد، والتي تنشط فيها الفرق المسلحة التابعة لحزب العمال الكردي الذي تتهمه السلطات التركية بالإعتداء على أراضيها وقواتها المسلحة.
لن ندخل في تفاصيل النزاع الناشب بين حزب العمال الكردي والسلطات التركية، كما أننا لا نرغب في البحث كثيراً في ما إذا كانت الحكومة التركية "إسلامية معتدلة"، أو أنها مضطرة أو غير مضطرة على مسايرة الجماعات التركية القومية المتعصبة التي تسيطر على الجيش التركي أم لا، وإنما نرى أنه لا بد من التذكير بعدد من الحقائق القومية والتاريخية لجهة العلاقة بين أمتنا والأتراك:
- - تركيا حكمت الهلال الخصيب والشريحة الأكبر من العالم العربي قرابة الأربعة قرون، وقد تميز هذا الحكم بالبطش والإستبداد والتعصب والتشرذم الطائفي والفساد، وذلك على نحو إختصرته الحرب العالمية الأولى حيث قام الأتراك بذبح الأرمن والسريان وبتجويع سكان متصرفية جبل لبنان وبشنق الأحرار العرب - راجع مقالتنا "ذكرى شهداء السادس من أيار على ضوء الواقع والتاريخ" بهذا الصدد.
- - لقد بدأ الإحتلال العثماني للبلاد العربية إثر معركة مرج دابق سنة 1517 م.، وكانت ذريعة شن الهجوم العثماني في حينها محاربة الجماعات الكردية التي كانت متهمة بشن الغارات على أراضي السلطنة العثمانية.
- - لقد تميز الحكم العثماني بالفساد المستشري على جميع المستويات، ( والفساد المستشري اليوم في إدارات معظم البلدان العربية هو من الموروثات الطيبة للحقبة العثمانية...)، وبإضطهاد الأقليات الدينية من مسيحية أو إسلامية، مع تغذية الأتراك لمشاعر التفرقة والإنقسام بين المذاهب الدينية المختلفة.
- - بالمقابل، فلقد حظي اليهود دائماً برعاية خاصة من جانب العثمانيين، حيث إحتضنت السلطنة العثمانية اليهود الوافدين من بلاد الأندلس بعد، طردتهم من هناك السلطات الملكية الإسبانية بعد العام 1492، إثر إنكسار آخر دويلة عربية في شبه الجزيرة الإيبيرية.
- - لم تتوقف العلاقة الطيبة بين الأتراك واليهود عند هذا الحد، بل أن اليهود كانوا من كبار رجالات الدولة العثمانية، وكان الوزراء اليهود من أبرز من وقف وراء حملات إضطهاد المسيحيين في الدولة العثمانية. كما أن أولى موجات الإستيطان الصهيوني لفلسطين وفدت في عهد السلطنة العثمانية، وقبل إطلاق وعد بلفور بأكثر من ثلاثين سنة، وبصورة خاصة بعد الإطاحة بالخليفة عبد الحميد سنة 1909م.، وكان هذا الأخير يرغب في منع اليهود من القدوم إلى فلسطين ولم يتمكن من تحقيق الأمر.
- - إستمرت العلاقة المميزة بين الأتراك واليهود إلى يومنا الحاضر، متمثلة بصورة خاصة بالتنسيق المخابراتي بين الطرفين، حيث من المعروف على سبيل المثال بأن جهاز الموساد قدم مساعدة كبيرة للأتراك في العملية التي أدت إلى إعتقال زعيم حزب العمال الكردي عبدالله أوجلان في كينيا سنة 1999م. . ولم تنقطع هذه العلاقة لغاية اليوم، حتى في ظل "الحكومة الإسلامية المعتدلة" التركية الحالية.
- - بالمقابل فإن الأكراد جزء لا يتجزأ من شعبنا، وهناك العديد من أهم الشخصيات في بلادنا من أصل كردي، ونذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر (و"الحصر" مستحيل بالنظر إلى كثرة هؤلاء) القائد صلاح الدين الأيوبي في القرون الوسطى ورئيس سوريا في بداية خمسينات القرن العشرين أديب الشيشكلي، وهذا الأخير كان قبل ذلك من أبرز القادة العسكريين العرب في حرب 1948.
خلاصة القول أن الوضع بالغ الدقة والخطورة، وأن المطلوب توخي أكبر درجات الحيطة والحذر في التعامل مع الدولة التركية، خصوصاً وأن ثمة تنسيق وثيق بين العديد من أساط الدولة التركية واليهود. والمطلوب ليس أبداً معاداة الدولة التركية، بل أن العكس هو الصحيح، ولو أنه يجب عدم نسيان كون تركيا تحتل مناطق واسعة من الهلال الخصيب منذ عشرينات وثلاثينات القرن الميلادي الفائت ( بتواطؤ من السلطات الإنتدابية الفرنسية والبريطانية حينها،) وإنما التصرف على ضوء الحقائق التاريخية والقومية، وخاصة لجهة العلاقة التاريخية الوثيقة بين اليهود والأتراك (أياً كانت الهوية السياسية لحكام تركيا...)، وذلك لكي لا يعيد التاريخ نفسه وتعود بلادنا خاضعة للنفوذ التركي مرة جديدة.
نديم عبده
|