|
"يتعرض" الفساد، هذه الأيام لهجمة في الإعلام، يكاد، معها، الملدوغون من جحره غير مرةٍ، يُصدّقون ان الحاملين عليه سيقتلعونه، هذه المرة، من جذوره، ويريحون العباد من شروره، غافلين عن حقيقة ان العليّق لا يُقضى عليه بنزع الظاهر منه فوق التراب، بل بمبيدٍ أكيدٍ يضرب شروشه في الأعماق...
والراسخون في العلم بأحوال البلاد يؤكدون ان سلوك المتضررين من الفساد هو عينه الكفيل الأول في إبقاء الفاسدين حيث هم سعداء في ممالكهم... والمتضررون هم الشعب جُلُّه المفروض ان يتيقن، في سعيه الى خلاصه، انّ لعنة اللسان لا تصيب ملعوناً. وحدها لعنة العقل والقلب مُترجمة الى فعلٍ حقيقيٍ تصيب وتحقق غايةً مرجوةً... وهذا ما لم يحصل مع الشعب في لبنان ولا مع أحزابه من زمان.
والذي يُقال اليوم في الفساد، على الشاشات وفي أعلى المقامات وفي أدانيها، قيل، في الأمس، مثلُه وأكثر... ومع ذلك، استمر الفساد عامراً في ديارنا وزاهراً يزدهي بإنجازاته، واعداً بمزيدٍ من الازدهار.
في كل بلاد الناس فساد، امّا الذي عندنا فمميّز.
في بلاد الناس يُضرَبُ بقوة العدل حين يُكشَف، وتحّل على الفاسدين لعنة المواطنين، وفي بلادنا العائمة على بحرٍ من الفساد فأنى تُلقِِ شبكتك تَلقَ الصنارةُ صيداً، ولكن لا تكاد سمكةً تعلق حتى تُفلت وكأنها صنّارة خيبةٍ لا صنّارة صيد... عمري، وانا الميَمِم صوب السبعين، ما سمعت ان قضية فساد واحدة كُشف عنها، يوماً، وعُرِف لها في القضاء نهايةٌ واضحة، ولا حتى اين حطّت الرحال. ولست استدعي من الذاكرة مثلاً قديماً، كـ "إنترا" و "كروتال"، بل أعود الى شهرين ثلاثة حيث علت، يومها، صرخة الوزير العريضي حين اكتشف، في نطاق وزارته، ما اسماه "مغارة المغاور"، ثم ضاعت الصرخة العريضية، لا نعلم في اي واد، فما عدنا سمعنا خبراً عن علي بابا هاتيك المغارة ولا عن سكّانها الذين يتجاوزون، بالتأكيد، الأربعين، وعن وزير الصحة يتناهى شكواه المماثلة عن دواء فاسد وعن فاسدين، ناهيك عمّا في جعبة الوزير جبران باسيل، وناهيك عن برامج غادة عيد ومرسيل غانم، عن فسادٍ في البلديات وعن جبنٍ فاسد وخضار وفواكه في كبرى السوبر ماركات تباع مغشوشةً بتسميدٍ مسموم. كل ذلك ما حرّك ساكناً في هذا الشعب الساكن في بلواه لا يفعل الا ان يتذمر ولا يلبث ان "يزمر" فرحاً بفوز متسببين في بلواه اذا ما ترشحوا لإنتخابات وفازوا... ليست المصيبة فوق، انها تحت وفوق وما بينهما، "ولا تنهض الشعوب الا بقدوة رجالها". فهل بين الناس من يبحث عن هؤلاء؟.
الفساد في لبنان سريالي ومميّز... يفيد عليم بأحواله، خبير بالأرقام زاعماً، تحت الورقة والقلم، ان دولة "اسرائيل" لم تؤذِ لبنان بأكثر مما آذاه فساده الداخلي المميّز... خذوا الملايين الاربعين- الخمسين المزعومة ديناً على لبنان يقول الخبير هذا ويضيف: واسألوا الذين يعرفون ويجيدون فنون الحساب عن مقدار المصروف الحقيقي على اعادة اعمار ما خربته "اسرائيل" ووكلاؤها، منذ قيامها حتى الساعة، وقارنوه مع المهدور والمسفوح سرقاتٍ سرقات تستنتجوا ان الفساد حليف "اسرائيل" في البلاد. بل لعله اشد خطراً لأنه تدميرٌ ذاتيٌ سرطانيٌ بطيء.
والفساد المميز، عندنا، ليس، بالضرورة، ذاك الذي يصيب الأفراد، فهؤلاء لا يستطيعون، مهما علا شأنهم، ان يصموا المجتمع بما في نفوسهم. انما الفساد الذي ندّل عليه، هنا، فهو ذاك الذي يحعل جسم المجتمع يتطبع مع مثل هذا المرض الخبيث، الى درجةٍ تدفع وزيراً صادقَ النيّة لا ريب، الى توجيه دعوةٍ لتخفيف الرشاوى، تعويضاً، في ظنه، للمطالبين بتخفيض الضرائب.
ان عاقلاً لا يصدّق ماذا يسمع ولا سيما من حيث يسمع... ولو ان الجهة المدعوة صحتُها بخير، فما كان للدعوة حاجة يا معالي الوزير. فالقضاء ليس بحاجة، اصلاً، الى دعوةٍ كي يقوم بواجباته معافىً. الأدلة على الفاسدين مطروحة في الشوارع. لكن بئر السياسة ملوثة، وأهل العدل، بعضهم، من مائها يشربون. امّا اذا كانت الدعوة موجهة الى خارج القضاء فحينها، اقرأ على لبنان السلام، لان الخطر، اذذاك، يضرِب في الصميم القيم والمعايير والمفاهيم.
"النهضة حرب على المفاسد"، والدعوة الى الاستنفار قائمة فحيَّ على خير العمل حيَّ على الفلاح.
|