|
وحدهم السذج والبسطاء سيصدقون أن الزيارة الأخيرة لرئيس المحكمة الدولية انطونيو كاسيزي إلى لبنان هي زيارة مجاملة وتعارف على ما يروج الزائر، وهؤلاء كانوا وحدهم قد صدقوا أن زيارة المدعي العام في هذه المحكمة دانيال بلمار في كانون الأول الماضي هي للتعارف على المسؤولين اللبنانيين الذين كان قد التقى بهم أكثر من مرة.
ليس خافياً، ان هناك اهتزازاً في صورة هذه المحكمة بدأ يصدع صدقيتها تجاه الغير محلياً ودولياً، ولم يكن هذا ناشئاً من فعل التشكيك الذي يرميها به من يرتابون بالأصل في إنشائها، باعتبار هذه النشأة كانت عنصراً فاعلاً في إيقاع المنطقة بلعبة دولية قادتها الإدارة الأميركية السابقة والكيان الصهيوني تحت عنوان "الشرق الاوسط الجديد".
وإذا كان البعض يفهم أن دور المحكمة الدولية مجمد في ثلاجة ورثة مشاريع إدارة بوش، وهو ذاهب باتجاهين، إما التمييع وإما التفعيل، الى حين انتهاء المرحلة الانتقالية التي اتخذتها ادارة اوباما للبت بالتحديات الخاصة بها، فإن مسؤولي المحكمة انفسهم يشعرون بمدى الأضرار التي تلحق بمؤسستهم جراء طول هذه المرحلة.
والمشكلة التي يواجهها اليوم مسؤولو المحكمة المذكورة، هي ان هذه الأضرار تلاقي بشكل مقنع ما كان يقوله المشككون، وابرز الحالات التي تقف المحكمة عاجزة عن تفسيرها بما يتوافق والرسالة التي تزعمها لنفسها هي:
1ـ حمى الاستقالات المتوالية في صفوف موظفين يشغلون مواقع مهمة في المحكمة، فإضافة إلى استقالة المقرر الخاص للمحكمة ديفيد تولبرت في 9 تموز 2009، كان قد استقال كل من سلفه روبن فنسنت في 17 نيسان من العام نفسه، وعضو هيئة المحكمة القاضي البريطاني هاورد موريسن في 14 آب 2009، والشرطي الأوسترالي نيك كالداس في 6 كانون الثاني 2010، الناطقة الإعلامية باسم المحكمة سوزان خان، مع التذكير بالتغييرات التي حصلت في لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري (ديتليف ميليس، سيرج براميرتس إلى بلمار).
2ـ عدم صدور التقرير الظني (الاتهامي) على الرغم من مرور خمس سنوات على جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، علما أن هذا التأخير كان مساعدا لسيادة التلفيقات التي كان يروجها ميليس للنيل من جهة معينة وأثبت خلفه المحقق البلجيكي استنادها إلى إفادات أدلى بها شهود الزور وأولهم المعروف محمد زهير الصديق.
بأي حال تدرك المحكمة كيف يرتد سلباً على جديتها وصدقيتها عدم صدور هذا القرار، وتعرف أن هناك من يربط بين التسريبات الإعلامية التي تنسب إليها عن الجهة المرتكبة والاستمرار في عملها بظل غياب التقرير المذكور.
3ـ الخلافات بين أركان المحكمة أنفسهم، وتحديداً ما ينقل عن تباين بين كاسيزي وبلمار حول آليات عمل المحكمة وإجراءاتها.
4ـ عدم تبرير المحكمة لقرارها إخراج ملاحقة شهود الزور من صلاحيتها، وليس هناك من حاجة لتبيان خطورة مثل هذا القرار على معرفة الحقيقة وحمايتها من التزوير والتضليل.
5ـ الصورة الديكتاتورية للمحكمة جراء قرارها باتخاذ تدابير عقابية بحق كل من يناقشها في آلية عملها وقرارتها.
6ـ توريط ميليس للمحكمة في إلحاق المظلومية بالضباط الأربعة وسجنهم دون وجود أي شبهة بحقهم.
لكن يبقى المهم في زيارة كاسيزي، هو تلمسه مدى انكشاف المحكمة بعد المصالحة السورية ـ السعودية، وزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى سوريا ولقائه الرئيس بشار الأسد، وما تعنيه هذه التطورات لجهة صدقية محكمته في زمن ميليس.
إذا كاسيزي لا يجامل في بيروت ولا يتعارف، هو جاء ليقول وليذكر أن محكمته ما زالت موجودة، إنما لأي سبب، فهذا يبقى مجهولاً.
|