|
بمجرد أن تتجمع بقايا 14 آذار، وتتفق في ما بينها على برنامج وشكل وطبيعة إحياء ذكرى 14 شباط، فهذا مؤشر على رفض جعل الذكرى، مناسبة وطنية لبنانية جامعة، لا بل، ربط متجدد لهذه المناسبة بمسار السنوات الخمس الماضية، بكل عناوينها ومحمولاتها السياسية وغير السياسية، لا سيما تلك التي عزفت على وتر الإنقسامات الداخلية والتصويب على علاقات لبنان القومية والعربية!.
.. وأن يتجمع ما تبقى من 14 آذار، تحت يافطة "مستمرون" فهذا مؤشر ثان لا يحتمل أي إجتهاد أو تأويل، بأن هذه البقايا، تسعى إلى الاحتفاظ بأوراق، تعتبر أنها لا تزال صالحة للإستخدام في تعويم إصطفافات جهوية، وتعتبرها أيضاً مجدية في استنفار الغرائز والعصبيات.
لذلك، يبدو أن "تطويب" المناسبة فئوياً يشكل تحدياً للإجماع الوطني اللبناني الذي يعتبر أن ذكرى رفيق الحريري تعني جميع اللبنانيين؟.. وبالتالي لا يخفف من وطأة هذا "التطويب" المريب، تضمين بيان الدعوة لإحياء الذكرى، "محاكاة" جزئية للمناخ الإيجابي السائد بين القوى الداخلية (الوحدة الوطنية) و (إسرائيل عدوة)، فهذه "المحاكاة" تبدو فاقدة القيمة والمعنى لأنها جاءت في سياق إستحضار "ثقافة" الكيدية والتنابذ. ويؤخذ على واضعي بيان "الإنجازات السبعة"، إرتكابهم شططاً، حين خرجوا بـ "توليفة" غريبة عجيبة، فأدغموا "إنجازات" وهمية تتحدث عنها فلول 14 آذار، بإنجازات حقيقية تجسدت في قوى حمت السلم الأهلي وشكلت عنوان صمود لبنان في وجه العدو الصهيوني؟!.
وهنا من المفيد القول، أن "التوليفة" المشار إليها وعامل الإدغام العبثي، لا يشكلان أساساً صالحاً للزعم بأن 14 آذار حققت "مصالحة وطنية فعليّة طوت الحرب الأهلية إلى غير رجعة"، بل على العكس تماماً، فإن المرحلة الماضية بسنواتها الخمس، كادت أن تفجر السلم الأهلي الذي تحقق بفضل اتفاق الطائف. ولذلك، فإن كل كلام عن مصالحة وطنية تحققت، وعن طي مرحلة الحرب الأهلية، يجب أن يعود إلى ينابيعه الأولى، أي إلى المرحلة التي سبقت قيام "14 أذار"، وبالتحديد وقت تحملت القوى الوطنية بمؤازرة سورية عبء تطبيق إتفاق الطائف، في شقه المتعلق بمغادرة الحرب الأهلية إلى السلم الأهلي. أما حين تحسب فلول 14 آذار هذا الإنجاز لها، فهذا خداع للناس وللذاكرة ويستبطن ما لا يطمئن له اللبنانيون.
لقد بدا واضحاً، أن البيان الصادر عن لقاء بقايا 14 آذار في البريستول، ارتكز على إزدواجية النظرة والمقاربة للأوضاع الداخلية. ففي وقت حرص بعض هذا الفريق على تسديد فاتورة "لقاء" السنوات الخمس الماضية، أصر البعض الآخر على أن تكون الفاتورة باهظة، ومن حساب مناسبة، يتوق اللبنانيون أن تكون جامعة وموحدة. وهنا وقع رئيس الحكومة سعد الحريري في فخ المقايضة، بين قبول الآخرين بتمرير ما يلفت ويشير ويؤكد انفتاحه الداخلي على التوافق وسيره في هذا الإتجاه، وقبوله هو، (اي الحريري) بجعل ذكرى والده محض فئوية، من دون وليد جنبلاط وآخرين.
لقد أخطأ رئيس الحكومة سعد الحريري بقبوله هذه المقايضة، فهو كان يستطيع أن يكرس انعطافته في مسار التوافق بموقف جريء، يستجيب فيه لتوق جميع اللبنانيين بالنزول في 14 شباط احياءً لذكرى والده، وأن يضع حداً فاصلاً للنظريات التي تعتبر الاحتفاظ بأوراق محددة أمراً لا غنى عنه، لأن أصحاب هذه النظريات ما زالوا يراهنون على إمكانية أن تهب رياح عاتية وفق ما تشتهيه سفنهم.
بكل الحالات، فوّت الرئيس سعد الحريري فرصة كبيرة، إذ كان يفترض به أن يتصدى للنظريات التي انهالت عليه من كل حدب وصوب، إن من قبل سمير جعجع وأمين الجميل، أو حتى من قبل بعض المحيطين به. وليس خافياً أن بعض المحيطين به، لم يواكبوا إنعطافته السياسية والوطنية، لا بل أن البعض حاول تفريغها من مضمونها.
بالنتيجة، ما يهم اللبنانيين، هو أن يستدرك رئيس الحكومة هذا الخطأ الكبير، فإذا تعذر عليه تحرير المناسبة هذا العام من آسريها، عليه أن يضبط برنامجها، فلا تأتي الخطب والكلمات على شاكلة ما سبقها أو على طريقة بيان الدعوة إليها.
هناك حقائق لا يجهلها اللبنانيون، والحقيقة الأبرز أن السلم الأهلي في لبنان تحقق بفعل اتفاق الطائف، وان من حمى السلم الأهلي طيلة السنوات الماضية، وأرسى معادلة الصمود في وجه العدو الصهيوني، هي القوى التي تمسكت بهوية لبنان ووحدته وخياراته الوطنية، وفي رأس هذه الخيارات، خيار المقاومة والعلاقة مع سوريا.
للتذكير فقط، "الطائف" هو الذي صاغ هوية لبنان، "لبنان عربي الهوية والإنتماء" وحين يزعم الذين حاولوا إبدال هذه الهوية، بأنهم ساهموا في صياغة الهوية الوطنية، فهذا خداع. ويكفي اللبنانيين أن يراجعوا ثقافة الانقلاب على الهوية الوطنية الجامعة، يوم اعتبر هؤلاء في خطبهم، سوريا عدواً للبنان و "إسرائيل" جاراً له.
في الخلاصة، قد ينجح هؤلاء في حشد قسم من محبي الرئيس الحريري في مناسبة 14 شباط، لكن حكماً القسم الأكبر من اللبنانيين لن يلبوا دعوة الذين يصرون على "تطويب" المناسبة وفق حساباتهم المعروفة.
|