زهرة حمود
في الطريق إلى منزله كنت أبحث عن كلام يناسب الوجع والشوق والترقب والحزن، ابحث عن عبارات تليق بهامة الفارس، الذي مضى طيفا بين ومضة نور وعتمة لجة. كيف يمكن للمرء أن يخفف من هول ما أصاب العائلة، وهي تعاني مرارة الانتظار اليائس؟ ولكن ما إن تطأ عتبة البيت حتى تكتشف أن الأمين فارس ذبيان موجود، إنه الصبر الذي اعتصمت به العائلة، هو الكبر والشموخ، بل التهذيب الفائق، كلام الشكر، هو التواضع واللطف، ها هو: إنه الشجاعة والصلابة على تحمل الفاجعة: "لا يخشى المصاعب، بل يواجهها ببساطة وشجاعة، ترى هل سأتمكن من تحمل مصيبتي بالشجاعة نفسها كما كان يطلب مني دائما". تقول ماغي رفيقة دربه وزوجته، وقد اعتلى وجهها غلالة من الحزن المهيب.
"فاجعتنا اليوم تصغر أمام هول الفواجع التي مرت عليه، وواجهها بعقل وواقعية" يقول وحيده، هيثم، وهو يخفي دموعه بابتسامة يحاول من خلالها تخفيف العبء عن المواسين...
"كان أبي رجلا عظيما بكل المقاييس، ونحاول أن نقتدي به في مواجهة كارثة فقده"، تقول ربى ابنته البكر وابتسامة الرضى والتسليم تعلو ثغرها.
"في كل لحظة تمر فيها صورة أبي في خاطري أشعر بأني متماسكة وشجاعة"، بهذه العفوية الصادقة تعبر صغيرته زينة.
القائد القدوة...
من يسمع ويرى، كيف تحدب العائلة على من يواسيها، يدرك أن فارس ذبيان موجود في كل واحد من أفرادها، وهو أيضا يسكن وجدان الأمة، هو الرفيق والأمين و"القائد المؤمن المصارع"، كما يقول أبو زوار رفيق الأمين فارس في النضال الحزبي وفي العمل الخاص.
ويتابع أبو زوار: "تعرفت إلى الرفيق وائل (الأمين فارس) في مكتب الحزب في الضاحية الشرقية، كان ذلك أوائل عام 1975، لم تكن الحرب الأهلية قد بدأت بعد، تنقلنا بين المناطق اللبنانية، من جل الديب إلى العرقوب، صعوداً إلى المتن، هو يكبرني ببضعة أعوام، لذا كنت أشعر أني تحت جناحيه، كما هو الحال مع جميع القادة، مررنا معه بمحطات نضالية كبيرة، منها السهل ومنها الصعب، ومنها ما تجاوزنا فيه أخطارا جمة، و قد كُتب لنا أن نبقى على قيد الحياة، لا شك أن للأمين فارس بصمات مهمة في المراحل الحزبية التي كان فيها من صناع تاريخه، وهو أحد أبناء الحزب الأوفياء المؤمنين المصارعين، كان قدوة، وهذا ما جعله محبوباً من قبل الرفقاء الذين عملوا معه، أو بإمرته، واستمرت علاقته متينة مع كل من عرفه.
ويضيف أبو زوار: منذ خمس سنوات ارتبطت معه بعلاقة عمل، ما جعلنا نلتقي بشكل شبه يومي، وإذا سافر نتحدث عبر الهاتف أكثر من مرة في اليوم، شخصيته فذة، يمكنه إدارة أي عمل بحنكة ودراية، بوعي ومعرفة بشؤون الإدارة الحكيمة، يمتلك قدرة فائقة على المتابعة بصبر وجلد، إنسان مميز ليس له مبغض.
هو خسارة كبيرة، لنا، نحن من نشأنا قوميين اجتماعيين معه، وهو خسارة للحزب، كما خسرته عائلته، وخسرته بلادنا. على المستوى الشخصي اعتبر أني خسرت سنداً كبيراً لي.
حمل الهموم باكراً تنكب مسؤوليات عائلية جسيمة، إضافة إلى مسؤولياته الحزبية، ولم يئن تحت حمل، ولا اشتكى يوماً، بل بالعكس كان يُشعر من حوله أنه بألف خير، كان يواجه أخطر المصاعب بالصبر ورباطة الجأش.
ماغي... بين العقل والقلب
زوجته ورفيقة عمره ماغي تعجز عن إيجاد كلمة تعبر فيها عن فاجعتها، فهي مقتنعة بالعقل أنها الرحلة الأخيرة، لكن قلبها يرفض التصديق، تنتظره يفتح الباب، ويملأ البيت فرحاً وصخباً جميلاً، سافر... تصمت ثم تقول "أنا رفيقة عمره". هنا تتدخل الرفيقة سهيلة ذبيان لتعاون ماغي على التفسير فتقول: إنها تعجز عن الكلام، لهول خسارتها، لقد كانت تعيش السعادة والاستقرار والحب الأسري، ولا نعرف كيف ستواجه فاجعته". ثم تستدرك ماغي قائلة: "لقد علمني فارس كيف أواجه الصعاب، ولا أعرف إن كنت سأتمكن من احتمال الكارثة، أتوق إلى تحقيق حلمه، واحتمال المصاعب وكأنه معي، أريد أن أحافظ على الحياة الأسرية، كما كان يريدها فارس، وأحمد الله لأنه أعطى أولاده كل ما كان يطمح أن يكونوا عليه، لقد ترك لي عائلة جميلة على صورته ومثاله".
تتابع، كنت أخشى ركوب الطائرات، فيضحك ساخراً، ويقول أسهل موت هو الموت في سقوط طائرة، إذ مع الصدمة يغيب الإنسان عن الوعي، مثل لمح البصر، فلا يعاني من سكرات الموت.
زوجة شقيقه الشهيد ياسر تخنقها العبرات، وقد شعرت بالترمل مرة ويتم الأولاد مرات. تشرق بالدمع، وتقول: إن أي كلام لا يعبر عن هول الفاجعة التي حلت بعائلاتنا، كان المعيل والأب والأخ لي ولأولادي، الذين ما تركهم يشعرون باليتم يوماً، لقد تعلموا وتزوجوا واشتغلوا في كنفه، لا نعرف كيف سنتمكن من تجاوز هذه النكبة.
الإبن سر أبيه
هيثم وحيد الأمين فارس، وكأن الولد سر أبيه حتى في الفواجع، كُتب عليه ان يتحمل المسؤولية باكراً، كما هو حال والده، يخفي حرقته، يحاول أن يتحدث عن أبيه فيرتبك، يفتح باب الغياب لاستجماع صور الحاضر أبداً في وجدانه: أحتار بأي صفات أبدأ بالحديث عن والدي، بل عن صديقي، عن أخي، عن رفيقي، هل أحكي عن حنانه، الذي كان يمارسه من دون أن يعبر عنه، عن عطفه على من حوله، عن أخلاقه ومبادئه، عن علاقته الراقية بأمي، بأخواتي، عن العلاقة الخاصة جداً التي كانت تجمعني به، والمبنية على الصداقة والثقة. أم عن علاقته بأبناء بلدته الذين طالما غمرهم بمحبته وعطائه، ووقف معهم في أحلك الظروف وأصعبها.
سأتحدث عن أهم ميزة عرفتها في والدي، وهي واقعيته وعقلانيته في مواجهة الكوارث والصعاب، وكارثتنا بخسارته، جزء من الكوارث الضخمة التي عرفها في حياته وفي وقت مبكر، خسر أحبة، ورعى عائلات، وكان صاحب المبادرة، نحن تعلمنا منه كيف يكون الصبر والتحمل، وكيف يتخطى الإنسان العاقل المصاعب، كان يأخذ الأمور كما هي يستوعبها ويفهمها، ويتصرف على أساسها بكل عقل وحكمة وموضوعية، لم ألمحه يوما يتصرف بردة فعل عاطفية أو انفعالية.
العقل هو الشرع الأعلى
لم يكن يؤمن بوجود المستحيل، كل الأمور تحل بالعقل، وكل ما يبتغيه المرء يصل إليه بالعمل والدأب، لم نسمعه يوما يتشكي من أمر حزبي أو عائلي أو عملي، كان يؤمن إيمانا قاطعا بالعقل شرعا أعلى ويتصرف على هذا الأساس، لذا سرعان ما كان يجد لكل معضلة حلها المناسب، كل أعماله نجحت بالإرادة والتصميم والصبر، والاستيعاب حتى لأخطاء الآخرين.
لقد ناضل كما أراد، وأسس الأعمال التي طمح لها وأسس العائلة التي حلم بها، وأجمل صفاته جمعه وموازنته بين صدق العاطفة والحنان من جهة، ورجاحة العقل والتصميم والجدية من جهة ثانية. لقد كان القدوة الصالحة لكل أفراد العائلة، وهكذا يرانا الناس اليوم نواجه كارثة غيابه بما تعلمناه منه بالقدوة من ضرورة مواجهة الفواجع بالعقل."
أتمنى أن أشبهه
ربى ابنته البكر، صورة أبيها ومثاله، تراه رجلاً عظيماً بكل المقاييس، أبا بكل ما في الكلمة من معنى، لم يكن يظهر عواطفه، وربما يعود ذلك لشخصيته الحزبية العسكرية، كان يمارس العاطفة بالفعل لا بالقول، يلبي كل احتياجاتنا، ليس فقط لعائلته الصغيرة، بل للعائلة الكبيرة، للصبايا والشباب، في تأمين العلم والعمل، وكل متطلبات المستقبل.
مسيرته النضالية الطويلة زادته صلابة وتماسكاً، فأصبح رجل أفعال لا أقوال، علمنا القوة والثقة بالنفس، وأردنا رفقاء له عن وعي وإيمان عقائدي، وكل أملي في الحياة أن أتمكن من القيام ولو بجزء بسيط من المهام التي كان يطمح إلى أن أنجزها، لقد أعطى كل واحد منا شيئا من شخصيته، ويقول عني المحيطون أني أشبهه، وأنا أتمنى أن أشبهه.
إنه أبي
زينة أصغر أولاده المهموكة بالموقع الإلكتروني حيث يتجمع المحبون، ويقولون بالأمين والعميد، كلاما يثلج صدرها المكلوم: أبي بطل ورجل قوي ويحب كل الناس، لا نذكر أن لديه مشكلة مع أحد من الناس، كان يواجه أي مصيبة بحكمة وصبر، ويريد منا اليوم أن نكون كذلك، وكل ما أتذكر أنه أبي، أشعر أن علي أن أكون قوية، فقد ربانا على العقل والصبر والتحمل، ومواجهة الصعاب بكل ثبات، أشتاق إلى روحه المرحة والجو الجميل الذي يضفيه على العائلة.
الأب والعم ... والإثنان معاً
وسيم ياسر ذبيان الشاب الذي ركب أول طائرة وعاد من غربته، لحظة سماعه بالنبأ الفاجعة، يرتبك، فهل هو في حضرة خسارة الوالد أم العم، بل قل الاثنين معاً: "فقدت والدي وأنا ابن ثماني سنوات، وكنا قد فقدنا عمي قبل ذلك، فكان عمي فارس أبا لنا جميعاً، هو من ساعدني في الجامعة، وهو من فتح لي سبيل العمل في أبو ظبي، ثم في نيجيريا حيث أعمل في الشركة التي يشتغل معها عمي.
صدمت ولم أصدق ما حصل، لحظة سمعت الخبر صباح الاثنين ركبت أول طائرة وعدت، وحتى هذه اللحظة لا أستوعب ما حصل.
عمي رجل محب ومحبوب، معطاء مضحي لأهله وبلده، خسره القريب والبعيد. أفتقده صدراً حنوناً، وسنداً لا غنى عنه، ربانا أنا وأخي وأختي، وكبرنا وزوجنا، خسارتنا لا تعوض".
نحن بأمس الحاجة إلى أمثاله
خالد واحد من رفقاء فارس يحاول تعزية نفسه بكلمات تعجز عن حمل كبر اعتزازه برفيقه: "عرفت بالأمين فارس القدوة والمثال، وخصوصاً خلال كل الأزمات الصعبة، وفي سنوات الحرب، وأيام السلم، لا شك أنه خسارة كبيرة، ونحن بأمس الحاجة لأمثاله، تميز الأمين فارس بأخلاقيته بصدقه مع أصدقائه ورفقائه، وبنجاحه المبني على الصبر والمثابرة، بالأسرة المترابطة التي أنشأها على فكر الحزب ومبادئه."
ببساطة.. إنه فارس ذبيان
سمير ثابت رفيق الأمين فارس ورفيق التنقل بين القارات بحثاً عن المستقبل الأفضل، تخطف الغصة الكلمات من بين شفتيه، يتجالد على نفسه ويقول: فارس مشهود له بالمناقبية، والإصرار على التقدم، كان قائداً ميدانياً أمام العسكر، وإذا شعر أن أي رفيق سيتعرض للخطر يقف أمامه أو إلى جانبه ليحميه.
فارس كان رجلاً مثقفاً فكرياً وعقائدياً وعسكرياً، وأهم من ذلك كله كان إنساناً حكيماً في اتخاذ القرارات، يدرس الأمور بتمعن وترو وتبصر، لم يتخذ يوماً قراراً متسرعاً، كان لا يأخذ بالإشاعات، يتقصى أي خبر قبل أن يأخذ فيه.
الأمين فارس (وائل) القائد العسكري الشجاع، هادئ الطباع، دمث الأخلاق، هو عينه الأب المرح الحنون، يسعد كل من حوله، يبحث عن المحتاج يساعده بسرية تامة، كان يرفض أن يتحدث أحد عن أعانته للمحتاج.
في تنقلي معه بين الإمارات وجيبوتي وأثيوبيا، تأكدت أكثر من شخصيته الفذة والفريدة، بإمكانه التفاهم مع كل الشرائح الاجتماعية، والوصول إلى حل لكل المشاكل مهما صعبت وتعقدت. أنه فارس ذبيان بكل ما للأسم من مضمون إيماني وعقائدي عميق.
في عيون الجيران.. وقلوبهم
جارته مدام جردي قالت: فارس الرجل المتواضع الشجاع الكريم المحب المعطاء كان مصدر أمن وأمان لكل جيرانه، وفي أحلك الظروف، حتى لأولئك المتباينون معه سياسياً، وهو بالفعل خسارة لا تعوض، وما يعزينا أن كل فرد من أفراد عائلته هو صورة عنه، ، يحتار المرء بأمرهم لا يكل لسانهم عن شكر الناس، وكل واحد فينا يقدم أقل واجب ممكن، نشعر أن أفراد الأسرة يخشون على من يزورهم من الحزن فيواسونه ويخففون عنه.
ما تقدم، شهادات مقتضبة، وغيض من فيض سيرة الأمين المناضل فارس ذبيان،.. وللسيرة النضالية تتمة مع رفقاء دربه في ساح النضال ومواقع العز القومي..
يُتبع...
|