الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
مغترب قومي يروي تفاصيل "رحلة العمر" من لوس انجلوس إلى غزة طباعة ارسال لصديق
الأربعاء, 20 كانون الثاني 2010
los_angelous_visit_to_gaza_1.jpg

مفارقات غريبة عجيبة بين السنيورة والنظام المصري... والفلسطيني المقاوم

  

لقد تحولت غزة إلى ملهمة لكل من يقرأ في كتابها، وهي في طريقها للدخول في عالم أسطوري، إنها بروموثيوس، الذي أعطى الدفء للبشر،  وشعبها الصامد هرقل مخلصها من عذابات الشياطين، هي اليوم  قبلة الأحرار على الرغم من أنف الصهاينة وأذنابهم أينما وجدوا.

 

 

                   ربيع عبد الخالق متوسطاً النائب غالاواي ومدير مكتبه كافن في العريش

 

 

ربيع عبد الخالق، سوري قومي اجتماعي، مغترب في الولايات المتحدة الأميركية، تابع نشاط النائب البريطاني جورج غالاوي في لوس أنجلوس، واستمع إلى محاضراته وقرر أن يشارك في رحلة شريان الحياة الثانية إلى غزة في شهر تموز من العام الماضي، لم يأت ربيع وحده، بل اصطحب ابنتيه التوأم (17 عاما) لتشهدا على عزة غزة، ووحشية الصهاينة، والمؤسف أنهما شهدتا أيضا ظلم ذويي القربى!

 

في الذكرى السنوية الأولى لحرب الإبادة ضد غزة، استعاد ربيع تفاصيل تجربته ورواها لوريقات شاء لها أن تصبح صفحات من مجلدات ستتناقلها الأجيال كابرا عن كابر تحكي بطولات شعب لن يجد من النصر مفرا.

 

في تموز الفداء (2009) جاء ربيع وبرفقة أكثر من مائتي مواطنٍ أميركيّ. كانوا قد جمعوا التبرّعات لشراء أدوية لازمة ومعدّات طبّية بقيمة تعدّت المليون دولار لِتُقَدَّم إلى مستشفيات غزّة والمنظّمات الإنسانية الناشطة في غزّة.

 

 
                       ربيع عبد الخالق وعضو الكونغرس الأميركي سينثيا ماكيني

  los_angelous_visit_to_gaza_4.jpg

يقول عبد الخالق: "رحلتنا كانت ضمن فريق "نصرة فلسطين" (Viva Palestina) بقيادة النائب البريطاني جورج غالاواي وعضو الكونغرس الأميركي سينثيا ماكيني، وهي التي سجنتها سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" لأكثر من أسبوع حين حاولت الدخول إلى غزّة بحراً وعبر قبرص مع بعض المساعدات. ولكنّ فور إخلاء سبيلها، عادت إلى الولايات المتّحدة لتسافر مجدّداً إلى مصر في اليوم التالي، لمشاركتنا برحلة الإغاثة إلى غزّة. 

 

بعد مفاوضات شاقّة مع النظام المصريّ، وبقائنا في الأراضي المصريّة لمدة 11 يوماً، تمّ في النهاية السماح لنا بالعبور إلى غزّة ولكنّ لمدة 24 ساعة فقط، وذلك من الحادية عشرة مساء 15 تمّوز الى الحادية عشرة من مساء اليوم التالي.

 

 

اللقاء الأول مع غالاوي

 

كنت دوماً أتابع أخبار النائب غالاواي وأشاهده مراراً عبر الإنترنت مدافعاً بحزم وقناعة لا مثيل لهما، عن فلسطين وشعبها، كلّ فلسطين. 

 

عندما علمت أنّه قادم إلى لوس انجلوس لإلقاء سلسلة من المحاضرات الداعمة لفلسطين وشرح الوضع العام المتردّي في الشرق الأدنى، ذهبت والعديد من رفقائي القوميّين الاجتماعيّين للاستماع إلى ما يقوله. وقد كشف غالاواي، للجميع حقائق مؤلمة عن نتائج السياسات الأميركية والأوروبيّة وحتى العربيّة حيال الفلسطينيّين. وطالب بأن  لا يترك أهل غزّة مُحاصَرون وهم بأمسِّ الحاجة إلى المساعدات الطبّية والإنسانية، وإنّه من واجبنا كجاليات عربيّة أنّ نعمل بجهد وثبات على كسر الحصار الصهيونيّ عن القطاع ودعم أهله. واقترحَ تشكيل بعثة إنسانية تتكوّن من مواطنين أميركيّين تحمل معها معدات طبّية وأدوية ضرورية، على أنّ تنطلق الحافلة في 4 تمّوز – يوم ذكرى استقلال الولايات المتّحدة – إلى غزّة عبر مصر، ليعرف الكون بأنّ ليس كلّ الشعب الأميركي مؤيداً لسياسة بلاده الخارجيّة المنحازة لـ "إسرائيل" وعنصريّتها.

 

يضيف عبد الخالق: قرّرتُ المشاركة في البعثة برفقة ابنتَيَّ التوأم نيكول  كلووي وهما في ربيعهما السابع عشر، وانطلقنا في الأوّل من تمّوز من لوس انجلوس إلى نيويورك حيث تجمّع أعضاء البعثة لوضع اللمسات الأخيرة على الخطّة. وقد تعدت البعثة مائتي مواطن أميركي قدموا من 27 ولاية.

 

أمضينا الايام الثلاثة الأولى في جمع الأدوية والمعدّات الطبّية وزيارة المستشفيات المصريّة التي كانت تعالج الجرحى الفلسطينيّين. كان لقائي بجريح ينتمي لحرس الحدود الفلسطينيّ وكان يُعالج في المستشفى منذ أكثر من ستة أشهر بعد أن خضع لسبع عمليّات جراحية. جلست إلى جانبه أُحدّثه، فأخبرني كيف هاجم الجيش الصهيونيّ مركزهم من دون إنذار بينما كان ورفاقه يتناولون الافطار، وذلك يوم السابع والعشرين من كانون الأوّل 2008، فقتلوا جميع أفراد وحدته وتمنّى لو استشهد هو معهم أيضاً!  قضيت أكثر من ساعة أحادثه وانظر إلى جراحه البليغة، وهو يهدئ روعي، إلى أن حان موعد الفراق، فقال لي بصوت حازم ونبرة ملؤها الثقة: "إنّ النصر قادمٌ يا رفيقي."

 

ويروي عبد الخالق كيف اشترت البعثة السيارات والباصات من ميناء الإسكندرية لتزويد المدارس والمستشفيات الغزاوية بها، لكن النظام المصري وقف حائلاً دون إتمام الصفقة، وذلك عبر شرطه أن تدخل تلك السيارات عن طريق المعابر الصهيونية، وبقيادة سائقين مصريين.

 

الالعاب لأطفال غزة ... ممنوعة مصرياً!!

 

ويذكر أن أعضاء البعثة قصدوا السفارة الأميركيّة في القاهرة،  للتوقيع على تصاريح رسميّة تعفي الحكومة الأميركيّة من مسؤولية الحفاظ على سلامتهم الشخصيّة وأنّ السلطات المصريّة لن تسمح لهم بالعبور إلى غزّة بدون تلك التصاريح. وأن النظام المصريّ لن يسمح لهم بالبقاء في غزّة أكثر من 24 ساعة، مُخِلّةً بذلك بالاتفاقات الرسميّة التي عقدت سابقاً مع سفيرَيْ مصر في كلّ من واشنطن ولندن والتي تمكن البعثة من دخول القطاع والمكوث فيه لمدة ثلاثة أيام متتالية.

 

يضيف عبد الخالق:"المضحك المبكي هنا أنّ النظام المصريّ سمح لنا بإدخال سيّارتَيّْ إسعاف فقط آنذاك، ومن دون معرفة أسباب منعنا من إدخال كل السيارات! كما كانت أوامر المخابرات المصريّة صارمة بِمَنعِنا من إدخال أيّ طعامٍ أو ألعابٍ لأطفال غزّة.  بالطبع، نجحنا بإخفاء بعض الحلويات والألعاب والدفاتر والأقلام!"

 

ويتابع عبد الخالق واصفا مشاهداته: "وصلنا إلى معبر رفح في الساعة الخامسة مساءً وبعد تفتيش السيارات بدِقّة من قِبل شرطة الحدود المصريّة، دخلنا إلى غزّة الجريحة في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً ليستقبلنا حشد كبير من أهاليها ومسؤولي المنظمات الإنسانية والإعلامية العاملة في القطاع، ومن ثمّ اتجهنا إلى فندق الكومودور وهو الوحيد العامل هناك. وفي صباح اليوم التالي، قمنا بزيارة المستشفيات والمراكز الطبّية وقدّمنا لها الأدوية ومعدات الأشعة وسيارات الإسعاف.  وزرنا أيضاً مدينة غزّة ومنطقة خان يونس وشاهدنا الأضرار الجسيمة والخراب المريع فيها، وذهبنا إلى عدّة مخيّمات للنازحين (..في عقر أرضهم!..) وزرنا وزارة الأسرى والشهداء حيث استمعنا إلى عوائل إبطالنا من امّهات وأطفال وعجّز الذين لمّ ولن ترعبهم "إسرائيل" أبداً ومهما أجحفت بحقّهم. 

 

                                   إبنتا ربيع التوأم نيكول و كلووي عبد الخالق

los_angelous_visit_to_gaza_2.jpgلا يمكنني نسيان اللقاء المؤلم بالطفلة الصامدة زينب، زهرة العشرة أعوام وهي تخبرنا عن الطرق الهمجيّة التي مارسها جنود الاحتلال عندما جمعوا أهلها وأقاربها فى منزل واحد وقصفوه بالقنابل توّاً. وكيف استفاقت زينب من الغيبوبة لتجد نفسها بين أشلاء عائلتها البالغ عددهم 29 شهيداّ...

 

الصمت هنا أبلغ من خير كلام!  

 

بعد ذلك، توجهت وابنتَيَّ إلى أحد المطاعم في سوق غزّة لنلتقي برجال العزّ ونساء الكرامة من أهلنا هناك، وهمّ يؤكدون لنا مرارا وتكرارا بأنّ الفلسطينيّين لن يستسلموا والمقاومة حتى النصر هي خيارهم الوحيد والمطلق، وما علينا كبعثة إغاثة آتية من الخارج سوى العمل الدؤوب على توعية العالم عن مدى الهمجيّة الصهيونيّة وعمق المأساة الفلسطينيّة.

 

بعد ذلك وكما كان مفروضاً علينا من السلطات المصريّة، تركنا غزّة عائدين إلى مصر في مساء 16 تمّوز.  بعد إخلائنا في منتصف الليل من قِبَل شرطة الحدود المصريّة في معبر رفح، ذهبنا مباشرة إلى مطار القاهرة حيث عاد البعض منّا إلى الولايات المتحدة الأميركية، والبعض الآخر قرر الرجوع توّاً إلى معبر رفح ونصب خِيَم الاعتصام هناك حتى يتمّ فكّ الحصار الغير إنسانيّ عن قطاع غزّة. أما أنا وكلووي ونيكول، فقد توجّهنا إلى بيروت لزيارة والدتي والأقارب والوطن الحبيب.

 

تهنئة من الضباط اللبنانيين

 

عند وصولنا إلى مطار بيروت، تذكّرت فجأة وبسبب الإرهاق المضني في مصر، بأنّي وضعت إخراجات القيد اللبنانيّة في حقائب الأمتعة ولم يكن بحوزتنا سوى جوازات السفر الأميركيّة. 

 

على إثر ذلك تمّ استدعائي من قِبَل عناصر الأمن العام اللبنانيّ للتدقيق في هويّتنا اللبنانيّة (لكي يسمح لنا بالدخول إلى لبنان كمواطنين وليس عبر تأشيرات سفر للأجانب) فاخبرتهم بأنّ الإثبات موجود في الحقائب بالإضافة إلى تحدّثي معهم باللغة العربيّة وباللهجة اللبنانية تحديداً. 

 

لاحظ الشرطيّ اللبنانيّ أختام دخول وخروج من السلطات الفلسطينيّة في جوازاتنا الأميركيّة ممّا استدعى استغرابه سائلاً إن كنّا قد زرنا دولة العدوّ "الإسرائيلي"، فأجبته بالنفي وأخبرته بأننا لم نشاهد جنديّاً "إسرائيلياً" واحداً، وأنّ معبر رفح هو الوحيد المشترك بين فلسطين ومصر. وشرحت له أيضاً بأننا كنّا من أعضاء بعثة "نصرة فلسطين" إلى غزّة، فأخذ الجوازات ودخل إلى غرفة مرؤوسيه الذين طلبوا مقابلتي والاستفسار عن "رحلة الإغاثة" بقيادة النائب الانكليزي غالاواي. 

 

ذهبت ونيكول وكلووي إلى مكتب الضباط اللبنانيّين وبعد حديث شيّق معهم قدّموا لنا التهنئة لمشاركتنا بالحملة من أجل مساعدة أهل غزّة، وأعطوا الأوامر اللازمة لعناصر الجمرك اللبناني بتسهيل أمورنا وعدم تفتيش حقائبنا متمنّيين لنا قضاء أمتع الأوقات في ربوع الوطن.

 

مفارقات عجيبة، ومعرفة البريطاني الإنساني

 

خلال وجودنا بالقاهرة تمكّنت من التعرّف عن كثبٍ إلى شخصيّة النائب غالاواي، ومرافقته إلى المؤتمرات الصحفية التي عقدتها معه الوسائل الإعلامية المصريّة والعربيّة والأوروبيّة، وفي المساء كنت أحادثه بكلّ ما له صلة المسألة الفلسطينيّة واستفسر منه عن الدوافع وراء شغفه بالدفاع المستمرّ عن فلسطين وشعبها كما لم يجرؤ أيّ حاكمٍ عربيٍّ العمل بالمثل قولاً وفعلاً. 

 

أخبرني أنّه كان التقى في السبعينات من القرن الماضي ببعض الطلاب الفلسطينيّين في جامعات لندن الذين شرحوا له قضيتهم واحتلال الصهاينة لأرضهم، مما دفعه للتعمّق بتاريخ المنطقة ومتابعة أخبارها، ومراجعة "وعد بلفور" المشؤوم واتّفاقية "سايكس- بيكو" التي قسّمت بلاد الشام والهلال الخصيب إلى دويلات ضمن حدودٍ مُصْطَنَعَةٍ على حدّ قوله، وكيف أنّه يشعر دائماً بالذنب من جراء دعم الحكومة البريطانيّة المطلق لدولة الاحتلال وفي حروبها الإجرامية المتعاقبة لإبادة الفلسطينيين واحتلال أراضهم.

 

ومن الغريب العجيب ما أعلمني إياه انه إبّان زيارته إلى لبنان بُعَيْدَ العدوان "الإسرائيلي" في تمّوز من العام 2006، التقى برئيس الحكومة اللبنانيّة آنذاك، فؤاد السنيورة، الذي بادره صارخاً في وجهه: "عليك التوقف عن القول والادعاء بانّ لبنان ربح الحرب على "إسرائيل"، فنَحنُ في الواقع خاسرون ومنهزمون." 

 

اضطرّ النائب غالاواي بالردّ على الرئيس السنيورة قائلاً: "يبدو وللأسف الشديد بأنّك أوّل حاكم عربيّ يدّعي الهزيمة بعد انتصارٍ مشهودٍ له وذلك عكس حكّام العالم العربيّ الذين من عادتهم الإسراع بالإعلان عن النصر على "إسرائيل". 

 

"إنّ المقاومة اللبنانية يا حضرة الرئيس قد ربحت الحرب وهزمت غطرسة الجيش الإسرائيلي"لأوّل مرّة في تاريخ الصراع مع هذا الكيان الغاصب وأفشلت المؤامرة على بلدك لبنان وشعبه".  حينئذٍ، ارتأى السنيورة تغيير مجرى الحديث!

 

"عين الجبان لا تنام"

 

الجدير ذكره حادثة وقعت عند عودتنا من الإسكندرية إلى القاهرة وهي بالفعل تعبّرُ عن واقع وطبيعة النظام المصري.

 

خلال اجتماع إداريٍّ عُقِدَ ليلاً لأعضاء البعثة، كان "مسؤولٌ" في جهاز المخابرات المصريّة حاضراً في القاعة يدوّن في محضر ملاحظاته، مما دفع النائب غالاوي إلى أنّ يطلب منه مغادرة القاعة حالاً ولكنّ المسؤول الأمنيّ رفض الاستجابة للطلب.

 

توجّهت إليه شخصياً متكلماً معه بالعربيّة وداعياً إياه إلى إخلاء القاعة بناء على اتفاق كان قد أُبْرِمَ مع السفير المصريّ في واشنطن يلزم السلطات المصريّة عدم مضايقة أفراد البعثة. ولكنّ بعد إصراره على المكوث في القاعة، انفعل بعض شبّان البعثة وصرخوا في وجهه، فأسرعت لأنتشل "المحضر" من بين يديه وقراءته بالعربيّة أولاً ومن ثم نقله للانكليزيّة. 

 

ادّعى العنصر الأمنيّ في المحضر أنّ الغاية من اجتماعاتنا هو التحريض على النظام والعصيان على الدولة وشتم الشعب والرئيس المصريّ، وطبعاً إنّ كلّ ما دوّنَه في المحضر كان كَذِباً وافتراءٌ. 

 

حقّاً، صدق القول الشائع: عَيْن الجبان لا تنام!

 

أمّا الحادثة الأكثر إيلاماً، فقد حصلت لدى وصولنا إلى معبر رفح من الجانب المصريّ إذ تجمهر هناك عشرات الفلسطينيّين من سكّان غزّة وبدأوا بالتوسّل إلينا بأنّ نصطحبهم إلى ديارهم بعد أنّ منعتهم مصر من العودة إليها من جراء حصارها المبرم. 

 

أذكر بألمٍ مأساة امرأة فلسطينيّة وطفلها الرضيع البالغ 5 أشهر، وكانت قد قصدَت العريش وهي حاملٌ في شهرها الثامن لشراء اللوازم الحياتية لعائلتها في غزّة، ولكنّ لسوءِ الحظ وفي اليوم نفسه أقفَلَت السلطات المصريّة معبر رفح ولم تسمح لها بالعودة إلى منزلها والالتحاق بعائلتها مثيل العشرات من أبناء شعبنا. 

 

بعد شهر من وجودها القسريّ في العريش، رزقها الله مولوداً في أحد المنازل، بمساعدة الأهالي الكرام، وبقِيَت الأمّ هناك منذ ذلك الحين وحتى وجودنا في مصر محرومةً من العودة رغم توسّلها المتواصل مع أجهزة الأمن المصريّة ولكنّ من دون أيّ فلاح. 

 

أثناء حديثها المؤثّر جدّاً معي، فوجئنا بعناصر من جهاز مكافحة الشغب المصريّ يركضون نحونا فرمَت السيّدة بطفلها بين يديّ راجيةً منّي بأنّ أُدخِله معي إلى غزّة وأسلّمه لعائلتها. 

 

وصل إليها أحد أولئك العناصر شاتماً إيّاها وانهال عليها ضرباً قاسياً فهوَتْ على الأرض تصرخ من أعماقها ألماً وكان ذلك المنظر مُرْعِباً بِكُلّ ما في الكلمة من معنى.

 

هرَعْتُ بطفلها الرضيع مسلّماً إياه إلى ابنتَيَّ حفاظاً على سلامته، لأعود نحو عنصر الأمن أصرخ به "أين كرامتكم؟" وألومَه وحكومته ورئيسه على تعجرفهم ولعدم رحمتهم وباعتدائهم بالضرب على امرأة عربية مسكينة فتدخّل النائب غالاواي على الفور وأبعدَني عنهم للحفاظ على سلامتي.

 

كانت الرحلة إلى غزّة منهكة جداً والتجربة قاسيةً بالفعل إنما في النهاية تمكّنا من الدخول إلى فلسطين الحبيبة وتقبيل أرضها الغالية ومشاركة شعبنا فيها مأساته ولو لأربعةٍ وعشرين ساعةٍ فقط. 

من لوس انجلوس إلى غزّة، رحلةٌ للعمر ولنّْ تُنسَى... وحُلُمٌ صغيرٌ تحقَّقَ!

 
< السابق   التالى >