الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
صناعة العقائد المزيفة 2/2 طباعة ارسال لصديق
الخميس, 04 تشرين الأول 2007
tribunal 1.jpg  

 

2/ القاعدة الانتحالية الذهبية

 

لما كانت الغاية الحقيقة من إنشاء التشكيلات الطائفية المارونية المسماة "باللبنانية" محاربة الحركة السورية القومية الاجتماعية كما بينا في المقال السابق فقد اكتفت تلك التشكيلات في بادئ أمرها باقتباس بعض الأشكال التنظيمية عن هذه الحركة بتغذية الشبان بالتعصب للانعزال اللبناني ويكره القومية السورية، التي خفقت بحبها قلوب الأجداد ووضحت بها مواهبهم وثبتت مفاخرهم ليمسخوها ويمسخوا بمسخها آباءهم وأجدادهم، وبتشويه حقيقة النهضة السورية القومية الاجتماعية وإيعاز صدور الأحداث ضدها. وهذا العمل التأسيسي العظيم كان يكفيها في "خدمة لبنان" ويكفي الاحتلال الأجنبي المنتدب في عمله لتحقيق أغراضه الاستعمارية!

فجأة زال الاحتلال الفرنسي، وكانت قد سبقته إلى الزوال تشكيلتان من تشكيلات التعاون معه على توطيد استعماره وهما تشكيلة "حزب الوحدة اللبنانية" وتشكيلة "السباقة اللبنانية" ولم يبق من هذه التشكيلات إلا تشكيلة الشبان الرياضيين، الفلنج أو الكتائب التي دعاها موفدوها إلى المهجر حين زاروا المكسيك "الطلائع". وكان يجب أن تبقى تشكيلة واحدة، على الأقل، من تلك التشكيلات لتكون شاهدا حيا على مبلغ نجاح الاستعمار "الحنون" في إنشاء أعداء للأمة من أبنائها! فلما رأت تشكيلة الكتائب- الطلائع أن الاحتلال الفرنسي الذي كان يسندها ويعدها ربيبته والذي حورت نصوص "مبادئها" سنة 1939 للخروج بالتعاون معه من الباطن إلى الظاهر ومن السر إلى الجهر قد زال، وجدت هذه التشكيلة أن ما اقتبسته من أشكال التنظيم التي ظهر بها الحزب القومي الاجتماعي ومحاولتها تقليد بعض تصريحات زعيمه ومعاونيه لا يكفيان أساسا وسببا لبقائها بعد زوال الاحتلال الفرنسي الذي جعلت التعاهد معه في صلب غايتها- غاية وودها وعملها... كان الفراغ الذي أحدثه زوال الاحتلال الفرنسي في حياتها عظيما جدا، فلم يكن بد من سد هذا الفراغ العظيم بشيء من "عقدية" وأن تكون مزيفة، ومن هالة من المجد المزيف، فأخذ الماهرون في انتحال المبادئ والتعاليم القومية الاجتماعي يفرغون جهدهم في صناعة  "عقيدة وتعاليم" يتخذونها مبررا لبقاء الكتائب- الطلائع بعد زال الاحتلال الفرنسي ومستندا لشبه دعوته توجه إلى الشباب للانضمام إليها على أساس "قضية" غير قضية الصداقة والتعاهد مع الدولة المحتلة!

بين الذين أخذوا على عاتقهم صناعة "عقيدة وتعاليم" للكتائب- الطلائع الأستاذ المحامي عبيد عيسى عبيد والسيد جميل جبر يساندهما جوزف شادر.  وقد أعلنت جريدة الكتائب- الطلائع "العمل" في عدديها الصادرين في 17 نيسان وأول أيار 1949، إن هذين المفكرين في صناعة العقائد يعدان كتابين الأول متمما للأول موضوعه "الحزب والإنسان" والثاني للثاني موضوعه  "الحركة الكتائبية". والموضوعان في حد تسميتهما يدلان على قفزة رياضية صناعية في ميدان الاقتباس، فالكتائب الطلائع تعرف الآن باسم "حزب وحركة" بعد أن كانت تسمي نفسها "منظمة" أي تشكيلة، ترجمة للفظة "فورمسيون". وهذا النعت الجديد يدل دلالة واضحة على أساليب الصناعة العقدية الجديدة!

يمكننا أن نرى، بوضوح أكثر، المجهود الصناعي العقدي الكتائبي الطلائعي وخططه في ما نشر السنة الماضية بالفرنسية ليقدم إلى مؤتمر المؤسسة الثقافية في منظمة الأمم المتحدة الذي عقد خريف السنة الماضية في بيروت، وفي ما نشر مؤخرا في جريدة "العمل". فقد أعد صناعي العقائد الجديد الأستاذ عبيد خطابا عقديا ألقاه في حفلة حلف اليمين لأفراد انتموا مؤخرا إلى الكتائب الطلائع ونشر في جريدة "العمل في 3 نيسان الماضي. وفي هذا الخطاب أوصى الخطيب الكتائبيين الطلائعيين الوصية الجوهرية التالية: "لا تدع حزبا إلا وتتعرف إلى حقيقته. وحاربه إذا كان فاسد الأساس سيء النية واقتبس من حسناته إذا وجدتها لا تتنافى وروح عقيدتك وتنظيم منظمتك".

لا بد من الاعتراف للأستاذ عبيد بعض اللباقة في جعل الانتحال المستند إلى أسلوب الاقتباس الاكلكتي (الاختياري) قاعدة عقدية ثابتة. ولكنها، في كل حال، لا تخرج عن كونها لباقة شفافة لا تقدر أن تغطي الزيف العقدي ولا أن تحجب قباحة الانتحال الذي بلغ بالسيد عيسى حدا أقدم عنده على انتحال عبارة الزعيم القائلة بتغيير وجه التاريخ! وقد التقى مؤخرا الأمين عبد الله قبرصي رصيفه المحامي عبيد فصاح الأمين قبرصي به: " ولو يا عبيد! أإلى هذا الحد وصلتم فلن تعودوا تكتفون بنقل الأفكار والأشكال، بل صرتم تأخذون عبارات الزعيم كما هي وتنتحلونها لأنفسكم! من هو الذي اضطلع بقضية تغيير وجه التاريخ وانشأ رسالة غيرت وجه التاريخ، أسعاده أم أنتم؟!" فأجابه الأستاذ عبيد بالسذاجة عينها التي أعلن بها أن مهمة الكتائبيين الطلائعيين هي "تغيير وجه التاريخ" قائلا "إن تفكير سعاده قد أصبح تراثا إنسانيا فماذا يمنع من الاقتباس والاستفادة منه؟"

فرد عليه الأمين قبرصي: "وأين تذهبون بالأمانة لمصدر الأفكار؟" فقال السيد عبيد: "أيجب أن يقال دائما عن المبادئ الماركسية أنها ماركسية مثلا؟" فصاح به الأمين قبرصي: نعم يجب أن يقال عن المبادئ الماركسية أنها ماركسية وعن المبادئ السعادية أنها سعادية لكي لا ينغش الناس وينخدعوا بالتراكيب الزائفة.."

هذا الحوار القصير بين الأمين قرصي والسيد عبيد يكشف عن الناحية الهامة من الموضوع: ناحية الحقيقة وتزييفها وانتحالها. فلو ا أن الكتائبيين الطلائعيين، الذين يتوصلون إلى حد تزييف اسم تشكيلتهم حسب الظروف وتزييف مبادئهم ومقصدهم المعلنة، كانوا يلزمون شيئا من الأمانة للحقيقة كما يفعل أعضاء "حزب الوحدة اللبنانية" وجريدة "الوحدة اللبنانية" لهان الأمر. فإن جريدة "الوحدة اللبنانية التي كانت تنشر أفكار تشكيلة الوحدة المذكورة كانت علن صراحة أن الشباب اللبناني (الماروني خاصة) قد أخذ بتعلق مبادئ سعادة القومية الاجتماعية ويريد تحقيقها ويريد سعاده قائدا له بشرط أن يجعل قضيته مقتصرة على الدولة اللبنانية والفكرة الانعزالية.

كان شباب "الوحدة اللبنانية" يعترفون بالمبادئ السعادية وبأنهم يريدون اتباع سعاده وتحقيقها ولكنهم كانوا يشترطون حصرها في لبنان فقط. أما شباب الكتائب الطلائع فإنهم لا يذكرون لا سعادة ولا الحركة القومية الاجتماعية مصدرا لأفكارهم ومبادئهم بل ينتحلون التعاليم والأفكار والتخطيط القومية الاجتماعية انتحالا أي أنهم يزعمون أنها تعاليمهم وأفكارهم وتخطيطهم ويمسخونها لأغراضهم وهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يتعدونه إلى القول لهم حقا في هذا الانتحال المعيب وأن الأصول والقسم والحقوق يجب أن تضيع بمجرد أنها صارت من "التراث الإنساني"! فيجب أن لا نعترف لروسو وولتار وهوبز وكنط وهيغل وغيرهم بما قدموا لفكر من قضايا، لأن ما قدموه صار من "التراث الإنساني"! والغريب أن من يقول هذا القول مخرج هذا القول مخرج في الحقوق ويدرس لينال درجة دكتره فيها!

هذا التفكير الغريب الشاذ هو القاعدة العقدية في صناعة العقائد المزيفة والأستاذ عبيد صار من أشد دعاة هذه القاعدة لأنه بها يتمكن من الدخول في التراث الإنساني" أو هو قد مارس هذه القاعدة بأمانة فأخذ يحتك ببعض القوميين الاجتماعيين المطلعين في العقيدة القومية الاجتماعية ويدرس حججهم "ليقتبس من حسناتها" وطلب أن يقابل الزعيم في صيف 1947 بواسطة الرفيق طالب الحقوق ادمون كنعان. وقد كان هذا الرفيق يعتقد أن الأستاذ عبيد على وشك ترك الحزبية الكتائبية الطلائعية لعدم وجود عقيدة لها، على ما فهم من بعض مباحثاته معه، وألح بضرورة السماح له بمقابلة قد يكون من ورائها اقتناعه الأخير بان الأصل أفضل من الانتحال والاقتباس ومحاولة تركيب "عقيدة" للكتائب الطلائع. وبالنظر إلى هذا الإلحاح من جانب الرفيق ادمون كنعان ضرب الزعيم موعدا لاستقبال السيد عبيد في مخيم ضهور الشوير فحضر برفقة الرفيق ادمون كنعان وكان مع الزعيم الأمين فريد الصباغ والرفيقان هشام شرابي وفؤاد نجار أخيرا الأستاذ نقولا الشويري.

وبعد كلمة أولى من الزعيم اتخذ الأستاذ عبيد صفة الجدل والمقارعة. وكان الزعيم يظن أنه لا يزال طالب حقوق فسأله ليتأكد فأجابه السيد عبيد أنه محام فقال الزعيم: "إذن جدلك ينطبق على صفة المحامي فأنت تتكلم بأصول المهنة كأنك تدافع في دعوى موكلة إليك لا بضرورة الفهم والبحث عن الحقيقة." وكانت طريقة المجادلة التي سلطها الأستاذ عبيد سقيمة فمن حججه "أن لبنان أقدم من سورية لأنه مذكور في التوراة قبلها وأن لبنان ينتسب إلى الفينيقيين" أما الفينيقيون فقد نبهه الزعيم إلى أنهم كنعانيون وأن أصولهم وبقاياهم هي فلسطين، "أما أن نبحث في الحقيقة الاتنية التاريخية كلها وأما أن نتركها". وأما قول السيد عبيد أن لبنان أقدم من سورية لأنه مذكور في التوراة قبلها فقد صعق له الزعيم ولم يكن يظن انه يصدر عن شاب درس شيئا من المنطق والتاريخ، ولذلك انقطع عن متابعة البحث مع السيد عبيد تحاشيا من النزول إلى الدرك المحقر للمدارك الإنسانية. والأستاذ عبيد يتباهى بأن الزعيم ترك له الكلام وحده ولم يعد يجيبه، فهو يقول لبعض معارفه "إني ناقشت الزعيم نفسه وكانت الكلمة الأخيرة لي"!

مع كل ذلك فإن القاعدة الأكلكتية في البحث عن الحسن عند الأحزاب الأخرى لتركيب العقيدة الجديدة دفعت الأستاذ عبيد  إلى حضور بعض محاضرات الزعيم أوائل سنة 1948 وإلى تتبع كل ما يصدر عن الحزب القومي الاجتماعي من نشرات ودروس. وسنرى فيما بعد قيمة النتائج التي بلغها المجتهدون في صناعة العقيدة الكتائبية الطلائعية.

جريدة "الجيل الجديد"، العدد 17 في 28 نيسان 1949

 
< السابق   التالى >