عيد التأسيس
عقيدتنا
بيان 16 تشرين
الذاكرة
التأسيس والشباب
التأسيس والمرأة
لقاء
مرويات
أدب وشعر
نشاطات بالمناسبة

صناعة العقائد المزيفة 1/2 طباعة ارسال لصديق
الخميس, 04 تشرين الأول 2007
i3tikal 35-faddoul.jpg  

1/ مثالب الذل والخداع

 

إن أعظم بلية حلت بالأمة السورية، نتيجة لعصور التقهقر والانحطاط بعامل فقد السيادة القومية، هي بلية الأمراض النفسية والانحطاط المناقبي، وقيام المصالح الخصوصية والغايات الفردية مقام مصلحة الأمة والغايات القومية، وتحجر المجتمع السوري في قوالب الحزبيات الدينية المختلفة، فتفشت في المتحد الاجتماعي المثالب الأخلاقية وحلت محل المناقب فطغت نفسية الرياء والغش والتزييف والنفاق، يساعدها على الانتشار الجهل والفقر والذل التي تعرض لها الشعب في سقوطه من سيادته وعزه.

تلك المثالب هي التي تزيف اليوم حقيقة نفسية الأمة الأصلية وحقيقة قضيتها وغايتها العظمى، حتى أننا لم نكن نرى قبل نشوء الحركة القومية الاجتماعية، إلا متزلفين إلى الدول الأجنبية يطلبون المصلحة الخصوصية بخدمة غاياتها ومطامعها في وطننا، وإلا عاملين في الشؤون السياسية لمصالح الدول الاستعمارية الكبرى، وإلا العاملين لخدع الشعب بقضايا مصطنعة يشير الأجنبي بإنشائها وصرف مجهود الشباب التواق إلى الحرية والخير في أقنيتها المهيأة على قواعد الأمراض النفسية والفوضى الاجتماعية السياسية. ولذلك قال الزعيم في أحد مقالاته في"كل شيء" انه يحتقر دهاقنة السياسة الوطنية الرجعية الذين يظنون أن الغنم كل الغنم هو في الاستناد إلى دولة أجنبية تؤيدهم ليبلغوا قضاياهم الخصوصية ويخدموا مآربها وانه يحتقر أصحاب "السلطة الرابعة في الدولة" الذين يجدون الغاية العظمى في خدمة المطامع الأجنبية والمصالح الخصوصية ضد مصلحة الأمة وغايتها العظمى.

لعل أعظم فئات الشعب استحقاقا للحقارة هي الفئات التي تقتصر على العمل الضروري الحر في عملها ضد مصلحة الأمة، بل تتعدى ذلك إلى تنظيم العمل المجموعي لخدمة قضايا الرجعية والمصالح الأجنبية المرتبطة بها فتنشيء التشكيلات شبه الوطنية وشبه القومية وتسميها "منظمات" وتبتدىء تبث في الشباب الذين يجمعهم باسم الوطن" الطائفي و "القومية" الدينية أو اللغوية روح الغايات الملتوية، وتزيف لهم المبادئ وتشوه القيم، وتقدم لهم عقائد مزيفة تسجن نفوسهم في قوالبها، وتنشئ لهم حول الحقارة التي تتمرغ فيها وتنزل في مهاويها، حالة من المجد المزيف تخدع الشباب وتغرر بهم فيندفعون، بما في طبيعتهم السورية من نبل وخير، وراء سراب العقائد الزائفة والمبادئ المنتحلة، وينحدرون إلى حضيض المثل السفلى والقضايا الخسيسة وهم يظنون أنهم يرتقون إلى قنن المجد!

بعد أن نشأ الحزب السوري القومي الاجتماعي، على الرغم من قوانين منع الأحزاب في عهد الانتداب، وحين كانت الرجعة مسيطرة والمطامع النبيلة خامدة في الشباب، وأخذ يمتد في جميع المناطق اللبنانية التي رأت في مبادئه ونظامه عودة الحياة القومية إلى الشعب، ذهل الاستعمار وارتاع لهذا الحادث العظيم. ولما رأى أنه لا يستطيع قتل مبادئ الحياة القومية الجديدة وتعاليمها الاجتماعية بواسطة السجون والإرهاب والحديد والنار أوعز إلى عماله بإنشاء التشكيلات الغرارة لتخدع الشباب وتسمم نفوس الأحداث بسموم القضايا الرجعية وروحية الاستسلام للاستعمار. فقامت حكومات دهاقنة السياسة في ذلك العهد، الذين يعرفون قيمة العمل للمصلحة الأجنبية  في تحقيق الأغراض الخصوصية، تشجع إنشاء التشكيلات بقصد خدمة الاحتلال الأجنبي في غايته الاستعمارية.

كانت أول تشكيلة نشأت في جو ثقافة الاحتلال وسياسة الاستعمار من اجل محاربة الحركة القومية الاجتماعية، تشكيلة حزب الوحدة اللبنانية، الذي ابتدأه السيد توفيق لطف الله عواد، الذي صار فيما بعد، سنة 1937، "نائبا بالتعيين! ولم يكن السيد عواد رياضيا بدنيا ونظرا لبعده عن أوساط الرياضيين لم يتمكن من جمع عدد كبير من هواة الحركات البدنية والمولعين بمظاهرها فلم ينجح حزبه كثيرا. حدثت حينئذ محاولة إنشاء الفلانج أو "الكتائب اللبنانية" في الأوساط الرياضية وكان الشيخ البرجوازي الرياضي بيار جميل متصلا بتلك الأوساط وكان يهتم بلعبة الكرة بالرجل، وبما أنه من عائلة الجميل المعروفة وله أصدقاء في الأوساط الرياضية فقد وجدت الأسباب الكافية لتأسيس تشكيلة شباب طائفية تكون على صداقة وتعاقد مع الدولة المحتلة! ثم جاء السيد يوسف السودا ينشئ "السباقة اللبنانية" ويسابق التشكيلتين المارونيتين المذكورتين وعلى أساس "السباقة" حاول إنشاء جبهة تشكيلات طائفية باسم "الجبهة القومية اللبنانية" فقصر في السباق مع التشكيلتين الأوليتين وأحبط مشروع الجبهة وتعزى السيد السودا بوضع "مبادئ" الفلنج أو الكتائب الطلائعية (والطلائع هو أحدث اسم تسمت به الفلانج)، وهذا على الأقل ما ادعاه السيد السودا في بعض المقابلات في اميركة الجنوبية!

جميع تلك التشكيلات اللبنانية التي شوهت الحقيقة اللبنانية وأخذت تنادي بفكرة تلبنن جديد، طائفي، انعزالي، لم يكن يراود إحساس احد من اللبنانيين، الذين كانوا دائما فخورين بحقيقتهم السورية وبمزايا أمتهم الممتازة، كانت تشكيلات مستحدثة على عجلة لقصد واحد هو: محاربة الحركة السورية القومية الاجتماعية التي أوجدت القضية القومية الاجتماعية العظيمة ونادت ببطلان القضايا الرجعية القائمة على الحزبية الدينية والمصالح العائلية، التي استند إليها الأجنبي المحتل في إنشاء دول "الألوان". وقد اعترف بهذه الحقيقة الرائعة التي تضم التشكيلات المذكورة بالمروق من القومية وبالسير ضد قضية الشعب، الرئيس الأول للتشكيلة الأولى السيد توفيق لطف الله عواد في خطابه في المجلس النيابي اللبناني سنة 1937، في جلسة محاسبة الحكومة على حلها التشكيلات اللبنانية التي سميت غلطا "منظمات". واعترف بهذه الحقيقة عدد من النواب الذين خطبوا في الجالية المذكورة.

فقد كانت الحقيقة مشهورة وهي أن الحكومة، ومن ورائها مفوضية الاحتلال الفرنسي، أوعزت بإنشاء التشكيلات اللبنانية وشجعت على تنميتها بما كانت ترسله من تعليمات إلى المحافظين والقائمقامين والمختارين وقيادة الدرك ورؤساء المخافر حتى أن تشكيلة الفلانج قامت تحت رئاسة جمهورية الاحتلال السيد أميل إده. وكان واضحا أن الغرض الرئيسي من إنشاء  التشكيلات المذكورة سنة 1936 هو محاربة الحزب السوري القومي الاجتماعي في أوساط الشعب بإنشاء تكتلات شباب من المثقفين ثقافة أجنبية ضد القومية والوعي القومي تكون عونا للدولة المحتلة على تنفيذ سياستها الاستعمارية.

وقد سارت التشكيلات المذكورة إلى تحقيق مهمتها بكل الرعونة التي تقتضيها طبيعة إنشائها، فأخذت تحارب الحقيقة السورية والحزب السوري القومي الاجتماعي، في الوقت عينه الذي كانت تقتبس من مبادئ هذا الحزب وتعاليمه كل ما وجدته جذابا للجماهير المحتاجة إليه وبينما كانت جريدة "الوحدة اللبنانية" تعلن انه إذا اقتصر زعيم الحركة القومية الاجتماعية على لبنان فالشباب اللبناني (أي الماروني في عرفهم) يكون مستعدا للسيربقيادته، كان "رئيس الكتائب اللبنانية الأعلى" يعلن في خطاب أو تصريح في بكفيا أنه يجب كسر رأس انطون سعاده لإنقاذ لبنان الحزبية والطائفية من دعوته القومية الاجتماعية. ولم تكتف هذه التشكيلات بذلك، بل قامت تشوه البلاد والقومية اللتين يحيا فيهما السوريون الذين يشكلون امة حية عظيمة ومنهم آباء الموارنة وأجدادهم العظماء، وأخذت تبث بترتيب روح الكره للاسم السوري الجميل العظيم وتعلم كره لبنان السوري القومي الاجتماعي وتحبيب لبنان الأجنبي الثقافة. ولكي تضلل اللبنانيين وتخدعهم صارت تسمى الثقافة الأجنبية الغريبة عن النفس السورية وأوصالها الثقافية العريقة: اقترابا من الغرب والثقافة الغربية أي اقترابا من حالة التقدم الغربي، مع أن الحقيقة هي بالعكس، أي أننا لا يمكننا أن نضاهي الأمم الغربية المتقدمة المتفوقة إلا بوعي حقيقتنا السورية الأصيلة واستخراج نهضتنا من روح أمتنا ومواهبها كما ينص المبدأ الأساسي السابع من مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية.

جريدة "الجيل الجديد"، العدد 16 في 27 نيسان 1949

 
< السابق   التالى >