الأخبار
مجزرة حلبا
أخبار الحزب
إقليمي - دولي
مقاومة
الوطن
رئاسيات
نشاط الرئيس
إذاعة وإعلام
بيانات
ندوات
أخبار المتحدات
الخطة المعاكسة
دروس إذاعية
إعرف عدوّك
زعيمنا
شهر الفداء
سيرة وريادة
صوَر الزعيم
مؤلفات سعاده
شهادات في سعاده
Antoun Saadeh
صوت وصورة
صوَر
أناشيد حزبية
أفلام
تاريخنا
آثار وإكتشافات
مبدعون ومآثر
وقفات عز
شهداؤنا
البناء
البناء - دمشق
البناء - بيروت
العودة إلى الصراع عودة إلى التاريخ ـ جبران عريجي* طباعة ارسال لصديق
الثلاثاء, 01 كانون الأول 2009
a.jobran_3reije_3.jpg

 

 

نحن الآن نعيش مرحلة حرب وجود لا حرب حدود، وحرب الوجود هذه تدور رحاها فوق أرض فلسطين، وليست فوق الحدود مع تركيا ولا مع إيران.

ولما كانت الأمة تواجه العديد من التحديات، والاحتلالات لا يمكن النظر إليها على أنها على ذات السوية من الخطر الوجودي على الأمة، لذا يصبح من الضرورة ترتيب الأولويات، ومن هنا نرى أن نجمة القطب في الصراع هي استعادة فلسطين. وامتحان الحركات القومية وحركة العروبة هو في فلسطين الآن، إما أن تهزم تلك الحركات هناك، وإما أن تنتصر لأن مصير العروبة يتحدد في فلسطين، وأي نقاش آخر هو نقاش هامشي.

 على هذا، نجد أن الصياغات التفاهمية القائمة الآن بين سورية وإيران، وبين سورية وتركيا، هي التي تصنع التوازن الحقيقي في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة، وإن كنا نسلّم وندرك أن لتركيا دوافعها الخاصة، التي قد تصل إلى حدود الدور الذي تطمح إليه كل قوة إقليمية متعاظمة، وهذا متولد من مقالة سائدة  في انقرة ترى أن تركيا كانت أول الشرق وأصبحت آخر الغرب، وهي الآن تريد أن تعود لتكون ذات شأن في تقرير مصير المنطقة.

البعض في المنطقة العربية ينتابه قلق وهواجس من إعادة التموضع الإقليمي لكل من تركيا وإيران في المنطقة ودخولهما إلى الشأن العربي من البوابة الفلسطينية، دواعي القلق والهواجس وإن كانت تقوم على أسباب واعتبارات وجيهة، تبقى معالجتها رهن تعزيز المشروع العربي، لأن غياب هذا المشروع هو الذي يؤسس لمثل هذه المخاوف، ويمنح فرصة للغرب لتزكيتها وتعظيمها ليصنع منها عداوات ونزاعات بين أمم وشعوب الإقليم، يقتضي الاستغراق فيها، إهمال الصراع مع الكيان الصهيوني وتأخيره من سلم الأولويات لاستبداله بصراع مع إيران أو تركيا.  

ما يجري اليوم هو أن التاريخ يعيد نفسه ليس بطريقة مبتذلة بل مضحكة أيضا،، فالتشكيك بالدعم الإيراني والتركي لقضيتنا المركزية، شبيه بقطع الطريق على الدعم السوفياتي في السابق، عندما عمل بعض العرب على تعميم مقولة الشيوعية أكثر خطرا من الصهيونية.

مسؤولية "الإعتدال العربي"

الاعتدال العربي هو المسؤول المباشر عن الحضور التركي والإيراني في الذي يعتبره شانا خاصا به. وهو المسؤول عندما انسحب من معادلة الصراع العربي ـ"الإسرائيلي"، ووقع في مأزق يتشكل من هروبه من المواجهة من جهة وعجزه عن فرض تسوية على العدو من جهة أخرى، وبكلام بسيط رمى الاعتدال العربي العلم الفلسطيني، فتقدم الإيراني ورفعه، والأمر عينه بالنسبة للتركي، الذي دخل من البوابة الفلسطينية وإن بمضامين مختلفة عن الإيراني، فالسياسة كالطبيعة لا تحتمل الفراغ.

إزاء هذا، هناك مشروع مخطط أميركي أوروبي صهيوني يريد أن يقلب معادلة الصراع، ليدخلنا في صراع مع إيران، وهنا تكمن أهمية اتخاذنا فلسطين بوصلة في تعيين اتجاهاتنا الاستراتيجية لتجنب السقوط في الفخ الغربي ، ففلسطين هي عنوان تحالفنا مع إيران، وكان من الأفضل أن يكون هناك مشروع عربي متكامل، وعندها يصبح التعاطي العربي الإيراني أجدى وأنفع لمصالح الأمة. لكن الحالة المرضية التي أصابت المشروع العربي، وسببها الشيخوخة المصرية، والتراجع السعودي على مستوى الدعم المالي الذي كان يوفره في المنطقة، وانهيار البنية العراقية العسكرية، كلها كانت ثقوباً كبيرة في عجلة المشروع القومي والعربي في المنطقة والتي باتت عاجزة عن التحرك والتقدم.

رؤية القيادة السورية

سورية كانت تعي هذه المعطيات، فذهبت باتجاه أن هناك محاولة لتطويق دورها القومي والعربي، وعملت على تحصين نفسها بكل عناصر القوة الكامنة فيها والوافدة إليها، ومنه اجتهادها في صياغة معادلة تجسير المصالح العربية والتركية والإيرانية لسد الفراغ الناجم عن تراجع المشروع العربي.

التركي كان قد سعى بكل قواه للحصول على بطاقة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي غير أنه لم يوفق، وبناء لحساباته يدرك أن استخدامه البوابة الفلسطينية سيقلص المسافة التي تفصله عن عتبة هذا الاتحاد، معتبرا أن امتلاكه لبعض الأوراق على مستوى المنطقة وخصوصا في الموضوع الفلسطيني، سيستعيد حالة جذب أوروبي لدوره.

الأمر عينه بالنسبة لإيران، التي تملك طموحات كثيرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني تجاه آسيا (ليس صحيحا أن طموحات الإيراني مشرقية فقط)، لذا شكلت فلسطين ورقة أساسية في طموحات الإيراني باتجاه أسيا، بل تكاد أن تكون أهم مما يسمى التكنولوجيا النووية السلمية التي تصنع في إيران، وبالمناسبة الغرب لم يتحرك ضد طهران بسبب برنامجها النووي، بل لأنها بدلت من طبيعة توجهاتها في المنطقة، فإيران كما تركيا كانت فيما مضى إلى جانب "إسرائيل"، والآن انتقل الاثنان إلى مواقع في الصراع تتقدمان فيها على بعض الدول العربية. فما هي الحكمة من الاستدارة  والقول ـ كما هو مطلوب ـ أن الخطر في المنطقة هو خطر إيراني، وصار من الممكن التعايش والتآلف مع الخطر "الإسرائيلي"، لأن الخطر الحقيقي والفعلي والمدمر في المنطقة هو الآن الخطر الإيراني؟!.

هنا تكمن أهمية رؤية القيادة السورية في تثبيت معادلة طبيعة الأخطار في المنطقة، وعنوانها الرئيسي في فلسطين اي في مواجهة تمدد المشروع الصهيوني، وبالتالي استخدام كل أوراق الممانعة في هذه المواجهة.

مهمة إضافية تاريخية حميدة

 مسألة أخرى برزت نتيجة الضعف العربي والشيخوخة العربية في المواجهة، هي مسألة المقاومة. نشأت المقاومة بالأساس نتيجة للاحتلالات والهزائم، وهي لم تكن انطلاقتها نابعة من الرحم الإيديولوجي، حتى المقاومة الإسلامية المتمثلة في حزب الله التي ولدت كمشروع إسلامي ايديولوجي عادت وتخلّقت بالصراع القومي، وهويتها اليوم شهدت تعديلات كثيرة لدرجة لم تعد مطابقة لصورتها الأولى، فاليوم لا يمثل تبني حكم إسلامي أولوية لدى حزب الله، وبالمقابل نشهد تفرغه لإعلاء فكرة المقاومة بكل أبعادها، وهذا كفيل أن تزيل استغراب البعض من تحالف القوى القومية والعلمانية مع هذا الحزب.   

نحن من مدرسة مشهود لها بالعقلانية والعلمانية، نرى أن كل حركة إسلامية إذا انخرطت في عملية الصراع ضد العدو الصهيوني تتحول حتما إلى حركة ذات بعد وطني وقومي، وهذا ما حدث مع مقاومة حزب الله، وأكثر من ذلك مقاومة حزب الله كانت مرتبطة بتحرير الأرض، وبعد التحرير تحولت إلى مقاومة للدفاع عن إمكانية الاحتلال أو العدوان مستقبلاً، وحرب تموز 2006 خير شاهد على أن حركة المقاومة تكيفت مع مقتضيات الصراع وأصبحت مقاومة للدفاع مجددا عن الأرض إذا حدث احتمال مهاجمتها من قبل العدو، وهذه مهمة إضافية تاريخية حميدة بأن تتحول مقاومة من التحرير إلى حماية هذا التحرير.

 

المقاومة عامل توحيد

 

إذن طبيعة الصراع مع إسرائيل هي طبيعة تفرض تطوراً بالفكر وبالعمل وبالموقع. وهذا ما يحدث مع كل حركة أصولية إسلامية تنخرط جديا في هذا الصراع، حيث تصبح حركة مقبولة على المستوى الوطني وعلى مستوى التنوع الإثني والديني والاجتماعي في كل كيان، ولتأكيد ذلك هناك أمثال عن الحركات الإسلامية السنية الأصولية والتي لم تأخذ على عاتقها مواجهة المشروع الصهيوني‘ وذهبت باتجاه تغيير الأنظمة وإقامة حكم إسلامي، ومن ثم تتفرغ لعملية التحرير، هذه الحالة خلقت تشرذما داخل مجتمعاتنا، وبالتالي لم تتمكن من إقامة حوار حقيقي مع باقي الأمة، بل على العكس انتهجت نهجا إلغائيا لا يقر باحترام الآخر وبحضوره كشريك في الوطن، بخلاف الحركات التي واجهت المشروع الصهيوني فقد أقامت أوثق العلاقات مع باقي مكونات الأمة. إذن عنصر المواجهة مع "إسرائيل" هو عنصر توحيد وجمع، وهو عنصر احترام للآخر في داخل الأمة.

 

من هنا نرى أن بإمكان المسألة الفلسطينية أن توحد الأمة، وغير صحيح الكلام الذي  يقال أنه بمجرد أن انغرس الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين أصبح قاتلا لفكرة قيام وحدات في المنطقة، لا بل هو  يشكل تحديا صارخا لضرورة إعادة صياغة مشاريع الوحدة في المنطقة. إذا" قتال "إسرائيل عنصر أساسي في تشكيل حتى ما يسمى الوحدات القومية على مستوى العالم العربي، وقيمة هذا الكلام أن ندرك الوجه الآخر له، وهو أن أي عملية انتقاص من مضمون الصراع لأجل فلسطين أو تجويفه من أبعاده الحقيقية واختزاله بنزاع حدودي أو على مساحات من الأراضي يكون الهدف من ذلك هو تعميق تجزئة الأمة والذهاب إلى مزيد من التفكيك في عناصرها التكوينية.  

 

في النموذج اللبناني المقاومة هي ثابت من ثوابت تشكيل الوحدة الوطنية، فعلى المستوى الإقليمي، فلسطين كانت معبرا للتفاهمات العربية العربية، ومنطلق التفاهمات الاستراتيجية  السورية التركية، وكذلك السورية الإيرانية، إذن فلسطين هي محور كل حركة الصراع في المنطقة، من هنا نرى أن الصراع واقع بين حركة العروبة والحركة الصهيونية، وإن انهزمت الصهيونية انتصرت العروبة، ونعني بالعروبة هذا الكيان الحضاري الواسع الذي يشمل كل المنطقة العربية، أو ما نطلق عليه في مصطلحنا العقائدي الجبهة العربية الواحدة والمنيعة.

 

الرهانات الواهمة

 

قد يجد البعض سواء أكان عن خطأ في الحسابات أو لأسباب مغرضة، أن فكرة استعادة فلسطين في المرحلة الراهنة هي فكرة غير واقعية، وبالمقابل وتبعا لرؤيتنا وللتجربة، نرى جازمين أن المفاوضات التسووية مع "إسرائيل هي أيضا غير واقعية في ظل اختلال موازين القوى، بمعنى أن "إسرائيل" كيان غير جاهز لتقبل أي تسوية وليس لديه نية سلام، والرهانات على تمايزات في الداخل " الإسرائيلي" بين حزب العمل والليكود هي رهانات واهمة، وواهم أيضا من يعتقد أن حزب العمل يختلف عن حزب الليكود، ربما يتغير بالأسلوب، مثال على ذلك أن الليكود في علاقته مع الولايات المتحدة الأميركية يبتز واشنطن، وهذا ما يميزه عن حزب العمل الذي هو تابع بالمطلق للإملاءات الأميركية، لكن الطرفين بالنتيجة النهائية يعملان في خدمة الكيان المحارب، ولا يستطيع أن يكون كيان سلام لأنه إذا أصبح كيان سلام ينتهي مبرر وجوده، هو كيان محارب وأحزابه أحزاب محاربة ومجتمعه مجتمع محارب، أما تصنيفات اليمين واليسار داخل الكيان الصهيوني، ربما تصلح حول إدارة الداخل المحتل، أما مع العرب، ومع الأمة فعنده اتجاه واحد، هو كيف يحولنا إلى مجموعة رعايا، كيف يحول هذه الأمة إلى مرعى ويديره هو. وأي محاولات لإعادة قراءة الكيان الصهيوني بوصفه كيانا قابلا للحوار السلمي هي قراءة بلا أفق واقعي، وبالنتيجة النهائية تحتاج المفاوضات إلى توازن، وتحتاج إلى عناصر قوة، وأهم عناصر القوة في هذه المرحلة هي المقاومة، ويصبح من الطبيعي أن نسعى إلى بناء مجتمع المقاومة لتحسين شروط المواجهة مع "مجتمع" الحرب الصهيوني.

لماذا التفريط بعناصر القوة؟

  وهنا يطرح السؤال  كيف ستفاوض دول الاعتدال وهي تسعى إلى إلغاء دور المقاومة اللبنانية وكافة المقاومات العريبة، علما أن قوة هذه المقاومة لم تعد قوة كيانية او ملك كيان معين بذاته، بل أصبحت قوة إقليمية وقوة قومية، وهنا نسأل  لماذا يفرط دعاة التفاوض بعناصر القوة المتاحة لهم قبل جلوسهم على  طاولة التسوية، في حين أن التسوية بالأساس مستحيلة، فكيف تستقيم على قاعدة تدمير القوى الذاتية؟ أليس هناك من يخجل من مثل هذه المهزلة؟  

إن استراتيجية أميركا كما استراتيجية إسرائيل هدفت وتهدف إلى إقفال الكيانات بعضها على بعض، بحيث تكون سورية  في سورية ولبنان في لبنان (من دون مقاومة)، وكذلك فلسطين، أي الضفة الغربية وقطاع غزه، وربما يمنع القطاع من المساهمة في تقرير مستقبل المسألة الفلسطينية، على أن يتم هذا الإقفال عبر تشجيع انفلات الهويات الما دون قومية ووطنية.

 

الأسود والأبيض

لقد انطلقت مرحلة حكم جورج بوش من هذه المعادلة، وحتى  مرحلة حكم أوباما الذي أشعرنا بأنه قد يحدث تبدلا ولو طفيفا بالاتجاه الإمبراطوري للولايات المتحدة الأميركية، فتبين أن الرئيس الأسود هو اسود بالبشرة وأبيض بالسياسة، بمعنى أن اتجاهه هو اتجاه من سبقه يبغي الهيمنة الامبراطورية، لكن ما جرى في المنطقة في هذه المرحلة، من تراجع كل مشاريع الشرق الأوسط  بكل مسمياتها، أن هناك نوعا من الحوار العميق داخل الإدارة الأميركية، يدور حول إمكانية تعويم المشروع الامبراطوري كما طرحه المحافظون الجدد بأشكال أخرى، ام الاكتفاء بتبوؤ أميركا سدة قيادة العالم مع شركاء آخرين. لا ندري إلى أي حدود سيصل هذا الحوار، ولكن من الواضح  أن فكرة الآحادية الدولية الأميركية تراجعت، وبدأت مرحلة بداية صياغة مراكز قوى اقتصادية وسياسية في العالم ناشئة باضطراد الصين والهند وروسيا مثالا، كما أن المحاور الناشئة في المنطقة والتي تحدثنا عنها في بداية الكلام أصبحت مراكز قوى جدية عدلت في طبيعة الاستهدافات الأميركية مشرقيا.

 نحن نسترشد دائما بقراءة أنطون سعاده للولايات المتحدة الأميركية، القائلة بأن لأميركا عقيدتين واحدة لشعبها في الداخل، وهي عقيدة مفعمة بعناوين الحرية والديمقراطية والرفاه والحياة الكريمة والجميلة، أما عقيدة الخارج، فهي عقيدة الاستغلال والاستعباد والهيمنة والنهج الامبريالي، ويمكن أن نضيف بأن الحضارة الأميركية والغربية بشكل عام لم تكن وفية لقيمها وأفكارها، بمعنى آخر حبست تلك الأفكار داخل كياناتها، وخصت شعبها بتلك القيم، وتحولت في الخارج إلى نظرة عنصرية إلغائية تفكيكية جعلت كوكب الأرض مركبا هشا إذ لم تعمم سلم القيم على البشرية قاطبة.

  الولايات المتحدة الأميركية تشعر بالارتياح اليوم لانفلات الهويات الإثنية والطائفية في العالم العربي، وخطورة هذا الانفلات أنه جعل من التنوع المجتمعي في الأمة انقساما عموديا حادا يشطرها إلى عنوانين سني وشيعي، وما حصل في العراق، تجاوز الاحتلال خطورة، وهو الفتنة السنية ـ الشيعية، التي بدأت رياحها تهب على كل المنطقة.  

إختلال الهويات

 

عندما تنفلت الهويات الجهوية والمذهبية من عقالها ويصبح الصراع إما قاتل أو مقتول، يختفي الحوار الحقيقي بين الناس، ويحل محله مبدأ الإلغاء، ولا يعتقدن أحد، أن هذا المبدأ سيلازم فقط الاحتراب السني الشيعي، بل سيطاول بعدواه سائر التنوعات داخل الأمة، وسينتقل إلى الإثنيات وإلى الأقليات الطائفية. وهنا من المفيد، لفت انتباه بعض مسيحيي لبنان الذين يتوهمون بأنهم لن تصيبهم شظايا الانفجار السني الشيعي، أو قد يجنون منه مكاسب لتحسين موقعهم، إلى الاتعاظ مما جرى في العراق، حيث أن أول من تضرر من هذا الصراع في العراق، ودفع أكلافه، هم المسيحيون، وقد غادروا العراق، وحتى الصابئة المندائيون الذين لم يشفع لهم ذكرهم في القرآن تجنب شرور هذه الفتنة المرعبة. من هنا فإن إعادة التركيز على الهوية القومية والعربية هو الذي يحمي كل الأطراف، ويعمل على التجميع وصولاً إلى الدمج الاجتماعي داخل المجتمع، وإذا شئنا أن نتحدث عن الاختلال الحقيقي في المنطقة فهو اختلال الهويات.

 الغرب والولايات المتحدة الأميركية، يعملان من فترة زمنية على معادلة  أنهم لا يريدون دولا في العالم العربي، بل يريدون طوائف، وما اشتغلوا عليه بدقة هو ضرب فكرة العروبة في المنطقة، لإعادة الدور الحقيقي للهويات الدينية، والهويات الكيانية على حساب فكرة الأوطان، وهذا يسهل عملية التلاقي مع الاحتلال الصهيوني، من هنا نقول: إسلام من دون عروبة سيؤدي حتما إلى صراع سني شيعي، والحوارات اللاهوتية بين الأديان لا تؤدي إلى نتيجة، لكن الحوارات الداخلية على قاعدة تنظيم العيش والحياة الحرة والكريمة وترسيخ الثوابت وحدها تلجم النزاعات الطائفية وتوفر استعادة الهوية الجامعة الكبرى.  نحن لا ننكر أن الغرب يمتللك ناصية الوعي، لكن وعيه هذا حوله إلى أداة للسيطرة والاستعباد وللاستيلاء على مقدرات الشعوب وتحديدا للسطو على خيرات أمتنا،وفي المقابل نتخبط نحن في أزمة وعي ومفاهيم تتراوح بين الماضوية والزائفة، وهذا ما يجعل الأمة مكشوفة ومعركتها صعبة، فقد دخلنا القرن الحادي والعشرين على غير هدي  من دون بوصلة لمعرفة الاتجاهات، ولا خروج لنا من هذه الحال إلا على قاعدة التوحد، ولا أعني بهذا التوحد، الوحدة السياسية أو الكونفدراليات، ولا الاتفاقيات المستعجلة، بل الوحدة التي تؤسس على بناء مفهوم المواطن وفكرة المواطنة على قاعدة المساواة والكرامة والحقوق، فبغياب المواطن، يخلو المكان لمصلحة الطوائف والقبائل ويتحلل المجتمع إلى مكوناته الأولى، وعندها تصبح الوحدة ضربا من المستحيل، فالوحدة والمواطنة والدولة تتشكل من خلال ثقافة مجتمعية ولا خلاص لمجتمعاتنا العربية إلا بالمعرفة التي هي كفيلة بإدخالنا إلى المجتمع الديموقراطي الحقيقي.  

تحرير الإنسان بعد تحرير الأرض

 

كثيرون منا،  يحملون الاستعمار كل ويلات هذه الأمة، ولكن ماذا نفعل نحن على مستوى الذات؟ ألا تقع مسؤولية تاريخية علينا؟ يجب الاعتراف بأننا كنا نحن  مطية صالحة لهذا الاستعمار، وفي هجمته الأخيرة على المنطقة والتي بدأت مع غزو العراق،  ومنها انطلق لاستهداف كل مواقع القوة لدينا، يمكن القول أنه أفاد من تناقضاتنا وانكشاف مواقع ضعفنا، وهذه ثغرات يقع عبء تلافيها على قوى الأمة. ليست كل مواجعنا خارجية، فبعضها وليس قليلاً من صنع الداخل، وتسببت بها المعالجات الفئوية والجزئية والظالمة لبعضنا البعض.

بأي حال، يجب أن ندرك، أن الاستعمار ولو تراءى لنا أنه غادرنا باحتلاله المادي المتمثل بالجيوش والاساطيل العسكرية، إلا أنه ما زال رابضا فوق صدورنا بأشكال أشد فتكا منها وأكثر فعالية في السيطرة على مقدراتنا وحتى إرادتنا، وهي سيادة ثقافاته وسلوكياته على معظم تفاصيل حياتنا، وهذه تلقي علينا مهمة تحرير إنسان بلادنا بعد أن حصلنا على تحرير الأرض.   

في الختام، فلسطين هي قضيتنا، فلسطين هي حقنا، فلسطين هي موضوع صراعنا، ومن يخرج من الصراع لأجل فلسطين يخرج من التاريخ.

 مقتطفات من محاضرة ألقاها عضو المجلس الأعلى الرئيس الأسبق للحزب السوري القومي جبران عريجي في ندوة أقيمت في النادي الثقافي بمدينة طرطوس بدعوة من منفذية صافيتا بمناسبة العيد الـ 77 لتأسيس الحزب.
  

 
 
 
< السابق   التالى >