|
بثت قناة "الجزيرة" منتصف شهر تشرين الثاني 2009، وثائقي ضمن برنامج "تحت المجهر" بعنوان: "السلاح في أيد ناعمة" (إخراج بلال خريس) يعرض لمشاركة المرأة في أعمال قتالية، وقد إستضاف الوثائقي المناضلة القومية الإجتماعية ميسلون فرحات التي شاركت في مقاومة الاحتلال الصهيوني، إضافة إلى عدد آخر ممن شاركن في أعمال قتالية داخلية.
وحول الوثائقي كتب هيثم حسين في جريدة "السفير"، فقال:
بمشهد يصوّر الشهيدة سناء محيدلي وهي تحضّر لعمليّتها الاستشهاديّة في 9 نيسان1985، استهلّ الوثائقيّ "السلاح في أيدٍ ناعمة" سلسلة من الشهادات لمقاتلات سابقات وحاليات، ركزت على تجارب تبقى استثنائية وخاصة لنساء بُحن بغيض من فيض ذكرياتهن على الجبهات أمام الكاميرا.
خاض الوثائقي في عرض طويل حاول فيه الزميل رياض قبيسي (الذي قام بالبحث والتحقيق مع الزميلة جوزفين ديب) بالذهاب بعيداً في انتزاع إجابات صريحة من النساء المقاتلات، حثهن أكثر من مرة على الخوض في التفاصيل الحربيّة وتأثيرها على أنوثتهن ورؤيتهن لذاتهن. وكان لافتاً ان النساء اللواتي شاركن في الحرب الأهليّة وقاتلن مع فصيل لبناني ضدّ آخر، قدمن شهادات فيها الكثير من التطهير للذات، ولو أن بينهن من أصرت على أنها ليست نادمة على خوضها معارك الاقتتال الأهلي.
طوال الوثائقي، بقي البوح شبيهاً بما سبق وسمعناه في برامج سابقة في هذا الإطار، بمعنى انه برغم الصراحة المعلنة، لم نغص في تفاصيل قتالية قد يكون بعضها صادماً لكثيرين وبعضها الآخر ملكاً لذاكرة لا يزال النشر العام والعلني محرّماً عليها. بأية حال، لم تكن تفاصيل الموت والقتل هي هدف الوثائقي بقدر تركيزه على تلك العلاقة بين الأنوثة والسلاح.
بين المقاتلات السابقات (اللواتي شاهدنا معظمهن على الشاشة من قبل) من تعتبر ان أنوثتها ذهبت ضحية الحرب، كما هي الحال مع فاديا بزي الملقبة بـ "مايا" التي خبرت القتال ضد الآخر اللبناني وعادت وقررت أن يكون قتالها ضد اسرائيل وحدها.
أكدت بزي أن حملها للسلاح منعها من أن تعيش حياة تشبه غيرها من الصبايا. بينما كان لافتاً ربط ميسلون فرحات (محاربة سابقة في "الحزب القومي") بين شعور الأمومة وحمل البندقية حيث شدّدت على أنها بقيت على الجبهة لغاية الشهر السادس من حملها، شارحة بفخر كيف أنها في المرة الأولى التي حملت وليدها، أمسكت به على كتفها الأيسر بالضبط كما تفعل مع البندقية. (فهي قالت عن سلاحها) "قطعة مني وكرامة لي"، (وكان لافتاً) إصرارها على العودة إلى الجبهة بعد وقت قصير من إنجابها.
كان الفارق إذاً كبيرا جداً بين المقاتلات في رؤيتهن للموضوع. ظهر تعدد النماذج في الوثائقي أيضاً عندما قالت المحاربة الكتائبية السابقة جوسلين خوري أنها لا تستطيع أن تحدد عدد الذين قتلتهم في الحرب، في حين أعادت شهادة المقاومة سهى بشارة التشديد انه اثناء محاولتها الأولى لاغتيال انطوان لحد "اصطدمت بذاتي ولم أقدر أن أنفذ".
هكذا نجح الوثائقي في دحض تعميم يطال النساء وعلاقتهن بفعل القتل من جهة والتعلق بالسلاح من جهة أخرى. فكسر أحياناً كثيرة فكرة نمطية عنهن: "كانوا يفتكرونا رجال" تقول "أم سبيرو" مثلاً. كما أطلت المقاومة وفاء نصر الله بالبزة العسكرية التي ترتديها دوماً في جبهات القتال ضد اسرائيل، وعادت ميسلون فرحات إلى الموقع الذي حاربت فيه لسنوات بالبزة العسكرية لتؤكد "زوجي كان متلي (مقاوم) بس على المَيلة الثانية".
وضع الوثائقي بين يدي مشاهده إمكانية مقارنة خفية بين حال من حاربت داخل لبنان ومن حاربت ضد العدو الاسرائيلي، فاستضاف مثلاً رجاء حسّان التي أسهبت في الحديث عن الخسائر التي كانت ورفيقاتها يوقعنها بالجنود الاسرائيليين أثناء الاجتياح. لم يكن لدى المشاهد إلا الوقوع على لهجة مختلفة، إذ تروي حسّان حكاياتها بسعادة وبهجة، كيف دلقت النساء طناجر الزيت المغلي على جنود العدوّ الاسرائيلي، على عكس مشهد الرثاء في مواجهة الأخ عند من قاتلن في الحرب الأهلية.
وختم الكاتب: هو وثائقي يستحق التوقف عنده، يتكلم مع وعن نساء فعلن ما يظن كثيرون أن "النساء لا تستطيع فعله"، ومن لا يصدق يستطع دوماً ان يشاهد "السلاح في أيدٍ ناعمة" من جديد.
|