لكثرة ما انتخى وتمرجل، وهدد وتوعد، كاد راْس النائب سامي الجميل ان يخرج من شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال، التي استضافته ضمن برنامج "نهاركم سعيد" صباح الاحد 8\11\2009.
في الشكل لم يكن امام الجميل الابن الا مقدمة البرنامج، أي انه كان وحيداً يرد على اسئلتها، من دون ان يقابله ضيف آخر، صاحب وجهة نظر اخرى، حتى يحتدم النقاش ويعلو الصراخ، كما يحصل غالباً في برامج الـ "توك شو" المسائية.
لذلك، يرى خبير في علم النفس، ان الصراخ ورفع نبرة الصوت في مثل هذه الحالة، انما هو تعويض قد يكون عن ضعف في شخصية او في منطق من يلجأ إلى هذا الأسلوب، لانه يحاول بذلك تغطية نقاط ضعف اخرى، تتمثل في عدم قدرته على عرض آرائه بطريقة منطقية وهادئة، تتيح له ايصالها بشكل مفهوم إلى المستمعين، بمن فيهم الذين يؤيدون سياسته وآراءه، مما يجعل هؤلاء مضطرين إلى استخدام اعظم اختراع بشري حتى الآن، وهو "الريموت كونترول"، خوفاً من ان يقفز المتكلم متطفلاً على مجالسهم.
هذا في الشكل، اما في الاساس، وهنا المصيبة الاعظم، فقد دخل الجميل الابن إلى الحديث عن موضوع تشكيل الحكومة من عدة أبواب، وبدل ان يترك هذه الابواب مفتوحة، كما يفعل السياسي الشاطر والمحنك، فقد اوصدها بل اقفلها كلها وراءه، ولم يعد بالتالي قادراً على الخروج منها إلى أي مكان، على قول نزار:"احرقت خلفي جميع المراكب".
قال الجميل ان "حزب الكتائب" يصر على تضمين البيان الوزاري نصاً واضحاً حول نزع سلاح المقاومة، وكان النائب نديم الجميل قد سبق ابن عمه سامي وزايد عليه، حين اكد وشدد انه "شخصياً" سيحجب الثقة عن الحكومة إذا تضمن بيانها الوزاري، نصاً حول المقاومة، شبيهاً ببيان الحكومة السابقة.
لقد فات النائبان "الجميل" ان رئيس اكثريتهم، الرئيس المكلف سعد الحريري، اكد في 8 حزيران الفائت، غداة الانتخابات، ان سلاح المقاومة يبحث على طاولة الحوار في اطار استراتيجية الدفاع الوطني، وبالتالي فان هذا الموضوع اصبح خارج التداول، ولا علاقة له بكل هذه البازارات والمزايدات السياسية والاعلامية الفارغة من أي مضمون.
كذلك لم يتنبّه "الجميّليّان" إلى ان ما كان يسمى تحالف "14 شباط" لم يعد له أي وجود او فاعلية في الواقع السباسي، واصبح أثراً بعد عين، خصوصاً ان النائب وليد جنبلاط ، وفي اطار اصراره المتكرّر على تمايزه عن حلفائه السابقين، يصرّ أيضاً على استعادة المحطات النضالية التاريخية في مواجهة العدو الصهيوني، لا سيما المحطة البارزة المتمثلة باسقاط "اتفاق 17 ايار".
ربما لم يصل إلى مسامع النائبين الكتائبيّين ان البند المتعلق بالمقاومة وسلاحها في البيان الوزاري قد تم حسمه بالتوازي مع الاتفاق على صيغة الـ 15 – 10 – 5. وربما لم يكتسبا بعد الخبرة الكافية التي تجعلهما يقدران ان المعارضة لم تكن لتخوض في كل هذا الجدل حول الحكومة وتشكيلها، لو لم يكن لديها كل الضمانات اللازمة في هذا الشأن.
قد لا يكون مستغرباً ان يفوت النائبان المذكوران، ان المقاومة بسلاحها وابطالها ونضالاتها وانتصاراتها، هي التي حررت جلّ الاراضي اللبنانية المحتلة، وهي التي حمت لبنان وذادت عنه وحفظت له دولته، ولولا ذلك لما كان ممكناً تنظيم انتخابات نيابية يحصل فيها "حزب الكتائب"، ومن معه، على تمثيل معين، بغض النظر عن كيفية الحصول على هذا التمثيل، ولا كان ممكناً ايضاً تشكيل حكومات "يتناتش" فيها "الكتائب" و"القوات اللبنانية" و"الحلفاء" حقيبتين أو ثلاثاً من حقائبها.
واذا فتشنا لـ"الجميل ابناء عم" عن عذر لجهل هذه الوقائع الدامغات، فلن نجد الا انهما كانا غائبين عن السمع والنظر في تلك الفترة، لانشغالهما بين ارصفة ومقاهي وربما جامعات جادة الشانزيليزيه الباريسية.
وليس على طريقة "حالات حتماً"، فان البيان الوزاري سيؤكد حتماً على حق اللبنانيين في استخدام كل الوسائل المتاحة واللازمة لاستكمال تحرير الأرض، وللدفاع عن لبنان في مواجهة العدو الصهيوني واعتداءاته المستمرة باكثر من وسيلة وشكل.
وللتذكير فان الفقرة السابقة وردت تقريباً حرفياً، في البيان الانتخابي للائحة التحالف الرباعي في عاليه – بعبدا في انتخابات العام 2005، والذي تلاه يومها مرشح "القوات اللبنانية" النائب الراحل الدكتور ادمون نعيم، وكان في عداد اللائحة النائب الكتائبي الراحل انطوان غانم، وقد تضمنت الفقرة أيضاً تاْكيد حق المقاومة في العمل لتحرير الاسرى من سجون العدو الصهيوني.
اما حين وصل سامي إلى الحديث عن حصة "الكتائب" في الحكومة، فقد عماها بدل أن يكحلها، وراح يرمي الكلام على عواهنه، محاولاً تبرير مطالبة حزبه بحقيبة التربية بأن لديه مشروعاً لتغيير المناهج التربوية وتوحيد كتاب التاريخ، "ما أسهل الحكي".
الا يعي الجميل الابن انه طرق موضوعاً خطيراً جدّاً، قد يوازي أو حتى يفوق بأهميته موضوع المقاومة وسلاحها؟ ألا يعرف ان كتاب التاريخ والمناهج التربوية والتنشئة الوطنية، لا يمكن ان تكون من مسؤولية وزير واحد مهما كان انتماؤه الحزبي او الطائفي او المذهبي، فكيف اذا كان هذا الوزير من "حزب الكتائب"؟
إذا كان لا يعي ولا يعرف خطورة ما يطرحه فتلك مصيبة، اما إذا كان مدركاً وواعياً لهذه الخطورة فالمصيبة اعظم، ولعلها كذلك.
واذا كانت طاولة الحوار معنية بوضع استراتيجية الدفاع الوطني، فانها معنية أيضا،ً وعلى المستوى نفسه من الاهمية، بوضع استراتيجية التربية الوطنية، التي لا يجوز ولا يمكن باي شكل من الاشكال، التعامل معها كلعبة يتسلى بها هذا وذاك.
على اية حال، لقد شُكّلت الحكومة، ولم يحصل "حزب الكتائب" على حقيبة التربية، ليس لأن سامي قال ما قاله، عن وعي او من دون وعي، بل اعطي حقيبة الشؤون الاجتماعية، التي تشكل في مقاييس الحقائب وتصنيفاتها حجماً اكبر من الحجم السياسي والتمثيل النيابي والشعبي لحزب الكتائب، وهو حجم لا يسمح له بتكبير الحجر وبفرض الشروط، او بتقليد رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون، صاحب التمثيل الشعبي الجارف والواسع على الساحتين المسيحية خصوصاً والوطنية عموماً.
طبعاً لن يكون لاعتراض "حزب الكتائب" على حصته الوزارية أي أثر على انطلاقة الحكومة الجديدة، التي عقدت اجتماعها الأول في قصر بعبدا، وشكلت لجنة مصغرة لاعداد مسودة البيان الوزاري، بينما يستعد الوزراء لبدء عملية التسليم والتسلم.
اما ما يمكن أن يفعله "حزب الكتائب" فلن يكون اكثر من بعض الغنج على من يعتقد انهم حلفاؤه، وافتعال مشكلة دخانية واعلامية تزول سريعاً وتتبخر.