الزعيم

المحاضرة الثالثة في 25 كانون الثاني 1948

 
بعد أن تناولت في الاجتماعين الماضيين مسألة أنّ النهضة القومية هي خروج من البلبلة والفوضى إلى الوضوح في القصد والوضوح في الأهداف الاجتماعية، ولذلك هي نهضة بالمعنى الصحيح، تناولت في الاجتماع الثاني الخطاب الأول الذي أُلقي في أول اجتماع عام للحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1935، الذي هو بالحقيقة أول شرح لأهداف الحزب ومنهجه العملي. وإني أنتقل في هذا الاجتماع إلى المبادئ نفسها لنرى على ضوئها طبيعة النهضة السورية القومية الاجتماعية المتولدة من إرادة حية قوية فعالة.
أمهّد لابتداء درس المبادئ بقراءة كتاب أرسلته من السجن الأول من سجن الرمل في 10 كانون الأول 1935 إلى المحامي الأستاذ حميد فرنجية الذي كان أحد المحامين الذين تقدّموا للدفاع عن الزعيم في الدعوى الأولى في المحكمة المختلطة، التي تعني المحكمة الفرنسية.

كان المحامي المذكور طلب إليّ أن أضع على ورقة أو في كتاب، ما هي الأسباب التي دفعتني لإنشاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهاكم ما كتبت في ذلك الحين:

 

في ما دفعني إلى إنشاء الحزب السوري القومي الاجتماعي:

كنت حدثاً عندما نشبت الحرب الكبرى سنة 1914، ولكني كنت قد بدأت أشعر وأدرك. وكان أول ما تبادر إلى ذهني، وقد شاهدت ما شاهدت، وشعرت بما شعرت، وذقت ما ذقت مما مني به شعبي، هذا السؤال: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟.

ومنذ وضعت الحرب أوزارها أخذت أبحث عن جواب لهذا السؤال، وحل للمعضلة السياسية المزمنة، التي تدفع شعبي من ضيق إلى ضيق، فلا تنقذه من دب إلا لتوقعه في جب.

وكان أن سافرت أوائل سنة 1920، وقد بعثت الأحقاد المذهبية من مراقدها والأمة لمّا تدفن أشلاءها.

ولم تكن الحال في المهجر أحسن إلا قليلاً. فقد فعلت الدعاوات فعلها في المهاجرين، فانقسموا شيعاً. وكانوا كلهم سوريين. ولكن فئة كبيرة منهم خضعت للنعرات المذهبية، فنشأت هناك أيضاً الفكرة اللبنانية التي هي نتيجة بقاء زعامة المؤسسات الدينية وسلطانها ونفوذها.

وبديهي أني لم أكن أطلب الإجابة على السؤال المتقدم من أجل المعرفة العلمية فحسب. فالعلم الذي لا يفيد كالجهالة التي لا تضر. وإنما كنت أريد الجواب من أجل اكتشاف الوسيلة الفعالة لإزالة أسباب الويل، وبعد درس أولي منظم قررت أنّ فقدان السيادة القومية هو السبب الأول في ما حلّ بأمتي، وفي ما يحل بها. وهذا كان فاتحة عهد درسي المسألة القومية، ومسألة الجماعات عموماً، والحقوق الاجتماعية، وكيفية نشوئها. في أثناء درسي أخذت أهمية معنى الأمة وتعقّدها في العوامل المتعددة تنمو نموها الطبيعي في ذهني. وفي هذه المسألة ابتدأ انفرادي عن كل الذين اشتغلوا في سياسة بلادي، ومشاكلها القومية. هم اشتغلوا للحرية والاستقلال مطلقين، فخرج هذا الاشتغال عن العمل القومي بالمعنى الصحيح، أما أنا فأردت “حرية أمتي واستقلال شعبي في بلادي”. والفرق بين هذا المعنى التعييني، والمعنى السابق المطلق المبهم واضح. وكنت أحاول في جميع الأحزاب والجمعيات السورية التي اتّفق لي الانخراط فيها، أو تأسيسها، أو الاتصال بها أن أوجّه الأفكار إلى ما وصلت إليه فلم أوفق كثيراً.

يمكنني أن أعين موقفي بالنسبة إلى موقف المتزعمين السياسيين من قومي بأن موقفي أخذ يتجه رويداً حتى ثبت على الأساس القومي، بينما موقفهم كان ولم يزل على الأساس السياسي. والسياسة من أجل السياسة لا يمكن أن تكون عملاً قومياً.

بناءً عليه، ولما كان العمل القومي الشامل المتناول مسألة السيادة القومية، ومعنى الأمة لا يمكن أن يكون عملاً خالياً من السياسة، رأيت أن أسير إلى السياسة باختطاط طريق نهضة قومية اجتماعية جديدة تكفل تصفية العقائد القومية وتوحيدها، وتوليد العصبية (Esprit De Corps) ) الضرورية للتعاون القومي في سبيل التقدم، والدفاع عن الحقوق، والمصلحة القومية.

ولما كانت دروسي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وقد أوصلتني إلى تعيين أمتي تعييناً مضبوطاً بالعلوم المتقدمة وغيرها، وهو حجر الزاوية للبناء القومي، وإلى تعيين مصلحة أمتي الاجتماعية والسياسية من حيث حالاتها الداخلية، ومشاكلها الداخلية والخارجية، وجدت أن لا بدّ لي من إيجاد وسائل تؤمن حماية النهضة القومية الاجتماعية الجديدة في سيرها. ومن هنا نشأت فيَّ فكرة إنشاء حزب سرّي يجمع في الدرجة الأولى عنصر الشباب النزيه البعيد عن مفاسد السياسة المنحطّة. فأسست الحزب السوري القومي الاجتماعي، ووحّدت فيه العقائد القومية في عقيدة واحدة هي “سورية للسوريين والسوريون أمة تامة” ووضعت مبادئ الجهة الإصلاحية كفصل الدين عن الدولة، وجعل الإنتاج أساس توزيع الثروة والعمل، وإيجاد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن، واتخذت الصفة السرية للحزب صيانة له من هجمات الفئات التي تخشى نشوءه ونموه، ومن السلطات التي قد لا ترغب في وجوده. وجعلت نظامه فردياً في الدرجة الأولى مركزياً متسلسلاً (Hierarchique) منعاً للفوضى في داخله، واتّقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات، وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وتسهيلاً لتنمية فضائل النظام والواجب. ولقد وضعت كل ذلك، وأسّست الحزب بصرف النظر عن وجود الانتداب أو عدم وجوده. فالحزب لم ينشأ خصيصاً لأن الانتداب موجود، بل لجعل الأمة السورية موحدة، وصاحبة السيادة على نفسها والإرادة في تقرير مصيرها. ولما كان الانتداب أمراً عارضاً، فإن النظر في موقفه وموقف الحزب منه يأتي في الدرجة الثانية، أو الطور الثاني، السياسي. ولذلك فالحزب ليس مؤسساً على مبدأ كره الأجانب (Chauvinisme) ) بل على مبدأ القومية الاجتماعية. وأما أنّ تطبيق الانتداب قد ساعد كثيراً على انتشار الحزب في مدّة وجيزة وقوّى الدوافع على إنشائه، فذلك من المسائل الفرعية التي لها أهميتها المحدودة.

وإذا كانت المسألة القومية تتجه بطبيعتها نحو تنازع البقاء بين السيادة القومية والانتداب، فذلك أمر من طبيعة القومية، وطبيعة الانتداب.

سجن الرمل 10 كانون الأول 1935
الإمضاء: أنطون سعاده

من هذا الكتاب تتضح مسائل تحتاج إلى شيء من الدرس. فالمسألة الأخص تتضح من العبارة هذه: “إن الحزب لم ينشأ خصيصاً لأن الانتداب موجود، بل لجعل الأمة السورية موحّدة، وصاحبة السيادة على نفسها والإرادة في تقرير مصيرها، ولما كان الانتداب أمراً عارضاً فإنّ النظر في موقفه، وموقف الحزب منه يأتي في الدرجة الثانية، أو الطّور الثاني، السياسي”.

أول شيء نستخرجه من هذه العبارة هو الفرق بين الأمور العارضة والأمور الجوهرية، الأساسية، الثابتة. من هذه العبارة يتضح جلياً أن الحزب لم يتأسس لشيء عارض كالانتداب أو غيره، بل لمسألة ثابتة هي حياة الأمة السورية، وسيادتها والغرض من استقلالها وسيادتها.

لم يتأسس الحزب لمجرّد محاربة الانتداب القائم، حتى إذا زال الانتداب، زال الحزب. لأنه لو كان هذا هو السبب الرئيسي لكان من المحتم أنه إذا زال الانتداب كان زواله موجباً لزوال الحزب، لأن المسبِّب يزول بزوال السبب، لكن شيئاً من هذا لم يحدث لأن سبب نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس عارضاً: فالحزب نشأ لشيء جوهري ثابت يتقدم ويجاوز باستمرار كل الأمور الوقتية، أو الفرعية، أو الشكلية الزائلة، أو العارضة. إنه يقوم من أجل حقيقة ثابتة مستمرة. فقضيته هي قضية كلية أساسية، دائمة. إنها قضية حياة المجتمع، واستمرار حياته، وتقدمها نحو الأفضل والأجمل.

وهذا الاتجاه الواضح يتقوى بالعبارة التي تقول: “إنّ موقفي أخذ يتجه رويداً حتى ثبت على الأساس القومي، بينما موقفهم (المتزعمين) كان ولم يزل على الأساس السياسي. والسياسة من أجل السياسة لا يمكن أن تكون عملاً قومياً”. هذا يقوي القول إنّ الحزب لم يوجد من أجل السياسة، أو لأجل بعض الأهداف السياسية العارضة.

إن هذا الكتاب الموجز هو استمرار في شرح مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته الذي ابتدأ بخطاب 1935. وتظهر في هذا الكتاب الصفة الاجتماعية التي تشتمل عليها المبادئ ظهوراً جلياً.

من ابتداء هذا الكتاب يشعر الفاهم المدقّق أنه يواجه قضية حزب من نوع فلسفي عميق ابتدأت بهذا السؤال البسيط: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟ هذا السؤال يعني البحث عن الأسباب التي أخضعت الشعب السوري لإرادة غير إرادته، وقادته إلى ما قادته. وقد قلت في صدد هذا السؤال “لم أقصد الإجابة على السؤال المتقدم من أجل المعرفة العلمية فحسب”. بل من أجل تعيين الأهداف بالعقل، وإنقاذ الأمة من العوامل العمياء التي لا فهم ولا إرادة لها فيها.

ننتقل من هذا الكتاب إلى رسالة وجهتُها إلى الجالية السورية في البرازيل عام 1934 بعيد نشوء الحزب، بعد سنتين من نشوء الحزب، على أثر وفاة والدي في البرازيل، ونشرت في جريدة “الرابطة” في 28 تموز 1934 قلت:

” إذا كان هذا العصر عصر تنازع الأمم، فهو إذاً، عصر أعمال لا عصر أقوال. وإذا كان لا بد من القول، فيجب أن يكون مدعوماً بالقوة العملية ليكون من ورائه نفع، أو نتيجة هيولية محسوسة. ونحن أمة واقفة الآن بين الموت والحياة، ومصيرها متعلق بالخطة التي نرسمها لأنفسنا، والاتجاه الذي نعينه.

ويتراءى لي أن أمتنا كانت، منذ عصور قديمة جداً، أمام عدة مسائل تتطلب أجوبة صريحة هي:

  • هل نحن أمة حية؟
  • هل نحن مجتمع له هدف في الحياة؟
  • هل نحن قوم لهم مثل عليا؟
  • هل نحن أمة لها إرادة واحدة؟
  • هل نحن جماعة تعرف أهمية الأعمال النظامية؟”

 

وهذه الأسئلة هي أيضاً بسيطة وواضحة جداً، ولكنها أسئلة خطيرة وأهميتها واضحة للمدقق البصير المتبصر في القيم الإنسانية، وفي طرق التفكير الفلسفي وأهدافه.

هل نحن أمة؟ هذا السؤال الذي يعني أيضاً “ما نحن؟”، يعني ابتداء البحث عن حقيقتنا، ما هي. إنه نقطة الابتداء في أي تفكير إنساني يحاول إدراك حقيقته، ومحيطه، ومقاصده في الحياة والمحيط. يعني ابتداء التفكير في معنى ماهية الجماعة الإنسانية التي هي نحن، وأهدافنا الكبرى التي تعبر عن حقيقتنا ووجودنا نحن وجوهرنا نحن. كل هذا يعني أن قواعد الفكر التي نشأت عليها هذه النهضة القومية وينمو بها الحزب السوري القومي الاجتماعي هي قواعد فلسفة عميقة تتناول المسائل الأساسية غير التي ترتبط بوقت معين تمضي بمضيّه، أو بشكل من الأشكال الجزئية، بل هي عامة ثابتة، أو بالمعنى الفلسفي المطلق، ليست منسوبة إلى وقت أو حالة معينة وقتية تزول بزوال تلك الحالة”.

بهذه الأسئلة وابتداء الفكر من هذه النقاط وضعت مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي لتعطي الجواب على الأسئلة العلمية الفلسفية العميقة المتقدمة. فلنتقدم الآن إلى هذه المبادئ لندرسها، وندرس كيف عيّنت من نحن، كيف عيّنت أهدافنا ومقاصدنا.

المبادئ كما هو معروف مقسومة إلى قسمين، أساسية وإصلاحية، ولكنها جميعها، كما هو وارد في الشرح في غاية الحزب، تشكل قضية واحدة ــ قضية الحياة واتجاهها التي في سبيلها نحارب ونجاهد ونفكر ونعمل.

المبدأ الأول: سورية للسوريين والسوريون أمة تامة.
في شرح هذا المبدأ أقول:

 

“حين ابتدأت أفكر في بعث أمتي ونهضتها، وألاحظ الحركات السياسية الاعتباطية القائمة فيها، لاحظت أنه لا يوجد إجماع على تعيين هويتنا وحقيقتنا الاجتماعية، ورأيت أن كل عمل قومي صحيح يجب أن يبدأ من هذا السؤال الفلسفي: من نحن؟ ( في صيغة رسالتي إلى الجالية السورية في البرازيل: هل نحن أمة حية؟ ) والذي وضعته لأول مرة أمام نفسي، منذ بدء تفكيري القومي الاجتماعي، وطرحته على الشعب في رسالة مني إلى النزالة السورية في البرازيل، بمناسبة وفاة والدي هناك سنة 1934، والذي شرحت أهميته التأسيسية في أحاديث، ومحاضرات عديدة في بداية نشر تعاليمي القومية الاجتماعية. وقد أجبت نفسي بعد التنقيب الطويل فقلت: نحن سوريون ونحن أمة تامة. وكان وضعي هذا المبدأ.

إن هذه التعاريف المبلبلة التي جزأت حقيقتنا القومية أو أذابتها ومحتها: نحن اللبنانيين، نحن الفلسطينيين، نحن الشاميين، نحن العراقيين، نحن العرب، لم يمكن أن تكون أساساً لوعي قومي صحيح، ولنهضة الأمة السورية التي لها دورتها الاجتماعية والاقتصادية في وحدة حياة، ووحدة مصير.

القول بأن السوريين هم أمة تامة هو إعلان حقيقة أساسية تقضي على البلبلة والفوضى، وتضع المجهود القومي على أساس من الوضوح لا يمكن، بدونه، إنشاء نهضة قومية في سورية. والحقيقة أن قومية السوريين التامة، وحصول الوجدان الحي لهذه القومية أمران ضروريان لكون سورية للسوريين، بل هما شرطان أوليان لمبدأ السيادة القومية، سيادة الشعب الشاعر بكيانه على نفسه، وعلى وطنه الذي هو أساس حياته وعامل أساسي في تكوين شخصيته. فإذا لم تكن سورية للسوريين تحت مطلق تصرّفهم، بل كانت عرضة لادّعاءات سيادة خارجة عن نطاق الشعب السوري، في الحياة والارتقاء.

يعني هذا المبدأ سلامة وحدة الأمة السورية، وسلامة وحدة وطنها، وانتفاء كل إبهام من الوجهة الحقوقية في أن السوريين أمة هي وحدها صاحبة الحق في ملكيّة كل شبر من سورية، والتصرف به والبتّ بشأنه.

ويعني من الوجهة الداخلية أن الوطن ملك عام لا يجوز، حتى ولا لأفراد سوريين، التصرف بشبر من أرضه تصرفاً يلغي، أو يمكن أن يلغي فكرة الوطن الواحد وسلامة وحدة هذا الوطن الضرورية لسلامة وحدة الأمة السورية.

كل سوري يرغب في أن يرى أمته حرة، سائدة، مرتقية يجب أن يحفر هذا المبدأ على لوح قلبه حفراً عميقاً.

إن الذين لا يقولون بأن سورية للسوريين، وبأن السوريين أمة تامة يرتكبون جريمة تجريد السوريين من حقوق سيادتهم على أنفسهم ووطنهم. والحزب السوري القومي الاجتماعي يعلنهم باسم ملايين السوريين التائقين إلى الحرية، الراغبين في الحياة والارتقاء، مجرمين”.

هذا هو المبدأ الأول وشرحه، فلنحلّل قليلاً ولندخل في بعض النواحي التاريخية. هل زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي هو أول من قال: سورية للسوريين والسوريون أمة تامة؟ ولنجزئ هذا الموضوع إلى

(1) سورية للسوريين و(2) السوريون أمة تامة :
هل زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي هو أول من قال سورية للسوريين؟ لست أول من قال سورية للسوريين، فإن هذه العبارة مستعملة من قبل بعض الكتاب والأحزاب. وهذا التعبير جرى على الأقلام والألسنة فلست أول من قال سورية للسوريين. ولكن الجزء الثاني: السوريون أمة تامة، هو قول قيل لأول مرة في التعاليم السورية القومية الاجتماعية. قاله زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي. وقيمة الإنتاج من الوجهة الفكرية هي في هذا الجزء الثاني من هذا المبدأ للحزب، الذي يعيّن بالضبط قيمة الجزء الأول، ويعطيه اتجاهه الذي لا يمكن أن يعطيه إياه أي تأويل.

عبارة “سورية للسوريين” كان يمكن أن تعني أشياء كثيرة لأنها لم تعين من هم السوريون هل هم أمة؟ أم ما هم؟ يمكننا أن نقول بيروت للبيروتيين ولا نقول أنهم أمة. والاقتصار على العبارة المتقدمة يمكن أن يبقيها معرضة لتأويلات تلغي كوننا أمة. فالذين استعملوا العبارة استعملوها بطرق مختلَقة ومعان متضاربة، لا يمكن أن تعيّن فهماً صافياً لا يتغير لتغيّر الحالات، أو أن تعيّن قاعدة أساسية غير معرّضة لحالة المسائل الجزئية أو العارضة.

كانت العبارة لفظة لا نعرف ماذا يجب أن نعتقد منها. أما بعد إدخال الجزء الثاني: السوريون هم أمة تامة، فقد تم تكوين القضية القومية من أساسها. صرنا نعرف بأي معنى يمكن أن نقول “سورية للسوريين”، بمعنى قومي وليس بمعنى سياسي يتغير بتغير الأحداث السياسية. صارت العبارة تعني لنا أمراً ثابتاً ومبدأ أساسياً يبقى مهما تغيرت الأحداث والأحوال. فهو مطلق أساسي لا غنى لنا عن تفهمه لكي يكون جزءاً من عقيدة قضية ثابتة في نفوسنا، لا تغيرها أحداث الأشياء النسبية العارضة.

وضع هذا المبدأ عيّن، إذاً، الجواب للسؤال الأول: “من نحن؟” وأخرجنا من بلبلة التعرض للمسائل الجزئية أو النسبية للوقت، أو الظروف أو السياسة أو الزمان، التي بالنسبة إليها فقط كنا نسمي أنفسنا أحياناً لبنانيين، وأحياناً سوريين، وأحياناً عرباً بأسماء تضيع فيها حقيقتنا، وليست إلا نتيجة لعوارض وظروف تضيع فيها المفاهيم الحقيقية الثابتة.

خرجنا، بهذا المبدأ، من بلبلة الشخصية وفوضى تحديد “نحن” وصارت لنا شخصية واضحة، فيمكن، بعد هذا التأسيس المتين، أن تُجزّأ بلادنا إلى مئة دولة، وأن نسمي كل دولة باسم نخترعه. ويمكن أن يحتل بلادنا أجنبي واحد، أو أكثر من أجنبي واحد ويقتسم وطننا بين دولتين أو أكثر. ويمكن أن تنشأ في بلادنا أشكال سياسية كثيرة ويمكن أن تتبدل هذه الأشكال، لكن حقيقة واحدة تبقى ثابتة، هي حقيقة أمتنا وشخصيتنا القومية التي تتغلب في الأخير على كل العوارض.

لغيرنا يمكن أن تتغير الشخصية بتغير الظروف والعوارض، أما لنا نحن القوميين الاجتماعيين، فلا يمكن ذلك مهما تجزّأت بلادنا وكيفما تشكّلت، احتلها أجانب أم بقيت حرة سائدة. هناك حقيقة واحدة تبقى هي أن السوريين أمة تامة وأن سورية البلاد هي لسورية الأمة.

ينتج عن ذلك تعيين الحقوق القومية “إذا لم يكن السوريون أمة تامة لها حق السيادة وإنشاء دولة مستقلة، لم تكن سورية للسوريين تحت مطلق تصرفهم”.

هنا الشخصية الواضحة أصبحت الأساس الحقوقي لهذه الأمة الواعية، الخالدة. إننا، بفضل المبدأ الأول من مبادئ حركتنا القومية الاجتماعية، أصبحنا نعرف من نحن، ونعرف ما يخصنا، ونعرف ما يخص غيرنا ــ ما هي حقوقنا وما هي حقوق سوانا في جميع الأمور والقضايا، التي تعرض في حياة الأمة، كقضية فلسطين، وقضية العقبة، وقضية الإسكندرون، وقضية سيناء التي تواجه الأمة اليوم، وجميع القضايا المتفرعة عنها، والتي لها مساس بسورية الأمة وسورية الوطن.

هذه القضايا كلها أصبحت متشابكة، ومكونة قضية حق وحياة واحدة، من ضمن قضية كلية واحدة ثابتة هي قضية الأمة السورية، وحقوقها بصفتها هذه الشخصية.

إن الذين أدركوا واتضحت لهم هذه المعاني الأساسية لم يستغربوا رسالتي التي وجهتها في 2 تشرين الثاني الماضي إلى القوميين الاجتماعيين والأمة السورية جمعاء في صدد تصريح بلفور لمصلحة اليهود، وقضية فلسطين الناشئة عن التصريح المذكور. في رسالتي هذه شدّدت على نقطة، وهي أن قضية فلسطين يجب أن تعتبر قضية سورية كلها، وتهم السوريين وحدهم قبل كل واحد سواهم.

يمكن أن يعاون السوريين من الخارج دول لها بسورية صلات تاريخية ودموية وثقافية وقرابة مصالح. ولكن لا يجوز أن يقرر أحد، مهما كان قريباً لنا، قضية تخصنا نحن. يجب أن ينتظر إلى أن نقرر نحن ليوافقنا على تقريرنا. فيجب أن نضطلع نحن بمسؤولية قضايانا القومية، وأن نقرر مصيرنا بإرادتنا وأن نبقي تقرير المصير من حقنا وحدنا. بهذا المبدأ يمكننا أن نفهم كيفية نظرنا إلى الأمور، ويمكن أن نخطط سياسة وسياسات، وأن نعين الأهداف التي نريد.

إن عدم اعتبار السوريين قضية فلسطين قضية سورية محض بالمعنى القومي، وعدم تناديهم إلى عقد مؤتمر فيما بين الدول السورية للبت في قضية فلسطين ــ للدفاع عنها ــ أخرج القضية من حقوق السوريين إلى نطاق مشاع بين حقوق عدة دول ضمن العالم العربي. صارت حقوق مصر والعرب ومراكش الخ … مثل حقوقنا نحن وهذا غلط كبير. هذا تفريط  في الحقوق القومية. ومع شدة تبجح السوريين بأنهم يمتازون بالفكر والعقل على بقية العالم العربي كانوا، من هذه الناحية، متأخرين ولنا بعصبية مصر مثل. إذا قابلنا بين قضية فلسطين وقضية السودان، وقابلنا بين موقف السوريين من الأولى، وموقف المصريين من الثانية، اتضح الفرق الكبير بين وضوح مصالح مصر للمصريين وغموض مصالح سورية للسوريين. والمصريون لم يضعوا قضية السودان في يد الجامعة العربية، ولم يسمحوا بجعلها قضية غير مصرية بحت، لأنهم يشعرون أن السودان يخصهم، ولا حقّ لأحد غيرهم بتقرير مصير ذلك الجزء من وطنهم، ولا يقبلون أن يتدخل لبنان أو الشام أو العراق في الأمر، وتنوب عن السودان أو عن مصر في البت في مصيره.

أما نحن فقبلنا أن تتدخّل في قضية فلسطين أية شخصية غير سورية من العالم العربي، وأن تعدها قضية لها كما هي لنا، وأن تعتبر نفسها متساوية معنا نحن في الحقوق والمسؤولية وفي تقرير المصير. لم ينتظر العرب والمصريون إلى أن يقول السوريون كلمتهم ليؤيدوها كدول شقيقة أو محبة أو متألمة أو مشتركة في بعض المخاوف، بل تدخّلوا مباشرة كأن الأرض تخصهم كما تخصنا ولهم ذات الحق كما لنا.

من الذي يكفل لنا أن العمل صار بإخلاص من جميع الجوانب التي تدخلت في القضية لمصلحة فلسطين والأمة السورية؟

والصحيح أن النتيجة السيئة، في كل الشوط الماضي في صدد فلسطين، حصلت من تلك التدخلات الواسعة غير المضبوطة التي عرّضت القضية إلى مساومات وتأثيرات ما كان يجب أن تتعرض لها.

إننا نشك كثيراً في أن المملكة العربية السعودية كانت تشعر بالفعل أن فلسطين يجب الدفاع عنها كما يشعر السوريون، وللغاية السورية عينها، التي يريدها السوريون. فالأرجح، الذي تدل الدلائل عليه، أن المملكة السعودية رأت في تدخلها مجالاً للعمل لمسائل خاصة بها ويمكننا أن نعتقد، وهنالك أسباب تؤيد هذا الاعتقاد، أن مصالح مادية هامة تمكنت المملكة العربية السعودية من الحصول عليها بطرق المساومات على كيفية تقرير مصير فلسطين. إن القروض المالية الكبيرة التي تستعد دولة الولايات المتحدة الأميركانية لإقراضها لها، وفي المصالح المادية الكثيرة التي حصلت بين الولايات المتحدة الأميركانية والمملكة السعودية لا تسمح بأن نظن أنها بعيدة عن تنفيذ خطط السياسة الأميركانية في صدد قضية فلسطين. كذلك نرى أن المصريين نظروا إلى قضية فلسطين من وجهة نظر مصرية بحتة. في الوقت الذي لا يوجد فيه تخطيط سياسة سورية، وليس للسوريين موقف واحد صريح موحد وسورية مجزّأة، وكل جزء من أجزائها يكون احتكاراً لبعض الفئات الرسمالية أو الإقطاعية ــ في الوقت الذي نجد فيه سورية في هذه الحالة السيئة، نجد أمتين من أمم العالم العربي قد كونتا وحدتيهما على أسس أمتن وأقوى على تقرير مصيرهما، وأقوى على التدخل في ما يخص الأمة السورية وحدها بدون منازع!

لو كان هذا المبدأ السوري القومي الاجتماعي الأول وجد فعله في الأمة السورية جميعها بسرعة لما وصلت قضية فلسطين إلى الحالة المؤسفة التي وصلت إليها الآن. وكذلك نقول عن الإسكندرون وكيليكية. وإن عندي من الوثائق ما يدل دلالة صريحة على النتائج الوخيمة التي يسببها إهمال هذا المبدأ الذي يجب أن يكون مقدساً في كل سورية. حين تم انتزاع منطقة الإسكندرون، وإلحاقها بتركية، والأمة السورية جريحة دامية قام عام 1938 وزير خارجية مصر برد زيارة لوزير الخارجية التركية في أنقره وتبادلا الأنخاب على كل ما تم لإنجاح تركية، وعلى هذه النتيجة الباهرة الجميلة: إنّه لم يبق بين تركية ومصر من أرض حائلة إلا فلسطين! فكان هذا القول من قبل وزير خارجية مصر بمثابة اعتراف للاشتراك بتنفيذ الخطط الأخرى، وهي ضم منطقة حلب ــ دير الزور أيضاً إلى تركية، والإجهاز على غرب شمال سورية كله فلا يبقى بين تركية ومصر أي حائل إلا فلسطين.إن التفريط في حقوقنا بعدم اعتبار سورية أمة تامة، وأن سورية الوطن هي للأمة التامة هو الذي أفقدنا أجزاء غنية و يهددنا اليوم بفقد فلسطين.

 

***
المبدأ الثاني: القضية السورية هي قضية قومية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى.

بعد أن قلنا إن السوريين أمة تامة يجب أن نعيّن ما هي قضية هذه الأمة التامة فعيّنّا في هذا المبدأ، أنها قضية كلية “مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى”.
في شرح هذا المبدأ أقول:

“يمثل هذا المبدأ فكرة أن جميع المسائل الحقوقية والسياسية التي لها علاقة بأرض سورية، أو جماعة سورية هي أجزاء من قضية واحدة غير قابلة التجزئة، أو الاختلاط بشؤون خارجية يمكن أن تلغي فكرة وحدة المصالح السورية، ووحدة الإرادة السورية. والواقع أن هذا المبدأ هو نتيجة وتكميل للمبدأ الأول. فبما أن سورية للسوريين الذين يشكلون أمة تامة لها حق السيادة، كان من البديهي أن تكون قضيتها، أي قضية حياتها ومصيرها متعلقة بها وحدها، ومنفصلة عن كل قضية أخرى تتناول مصالح تخرج عن متناول الشعب السوري. إن هذا المبدأ يحفظ للسوريين وحدهم حق تمثيل قضيتهم، والبت في مصير مصالحهم وحياتهم، ويجعل قضيتهم قضية كلية غير قابلة التجزئة

ويعني هذا المبدأ من الوجهة الروحية أن إرادة الأمة السورية التي تمثل مصالحها هي إرادة عامة، وأن مثلهم العليا التي يريدون تحقيقها هي مثل عليا ناشئة من نفسيتهم ــ من مزاجهم الخاص ومواهبهم، لا يمكن أن يسمحوا بتلاشيها، أو بالفصل بينهم وبينها، أو بخلطها مع أهداف أخرى يمكن أن تضيع فيها. وهذه المثل العليا هي الحرية والواجب والنظام والقوة التي تفيض بالحق والخير والجمال في أسمى صورة ترتفع إليها النفس السورية، فلا يمكن أن يمثلها أو يحققها لهم غيرهم، لأن لهم نفسيتهم الخاصة.

بناءً على هذا المبدأ يعلن الحزب السوري القومي الاجتماعي أنه لا يعترف لأية شخصية أو هيئة غير سورية بحق التكلم باسم المصالح السورية في المسائل الداخلية أو الأنترنسيونية، أو بحق إدخال مصير المصالح السورية في مصالح غير الأمة السورية.

إن ملايين الفلاحين والعمال وأصحاب الحرف والمهن والتجارات والصناعات، الذين تتألف الأمة السورية منهم لهم إرادة ومصلحة في الحياة يجب أن تبقيا من شأن مجموعهم وحده.

لا يعترف الحزب السوري القومي الاجتماعي لأية شخصية أو هيئة غير سورية بحق وضع مثلها العليا موضع مثل الأمة السورية العليا”.

من هذين المبدأين نأتي إلى وضوح كلي في من هم السوريون؟ ماذا يعني هذا الاسم؟ وما تعني حياتهم ومصالحهم؟ فنرى أمامنا قضية كلية واحدة غير قابلة للتجزئة أو الخلط مع مسائل وقضايا خارجة عن إرادة الأمة، أو غير خاضعة لهذه الإرادة.

وهذا يعني بتعبير فلسفي أن الذات السورية هي الناظرة، الفاهمة، الباصرة، التي تقرر والتي تعين وأنها لا تخضع للأمور المفعولة والإرادات الخارجية. هي ليست المادة التي تخضع للفنان, بل الفنان الذي يُخضِع المادة والوضع لشعوره ليكيف منه ما شاء بفنه. إن إرادة الأمة السيدة هي التي تعبر عن حقيقة السوريين ووجودهم، وعما يصبون إليه، وهي تعين لهم الهدف والغاية التي تهدف الأمة إليها، وليست الظروف أو الأحوال العارضة ولا شيء منها. ولذلك كنت أكرر وأقول إننا لا نخضع ولا نسلّم للأمر المفعول. لسنا هذه الجماعة التي يمكن أن يقرر مصيرها بإرادة غير إرادتها في مؤتمرات من الدول أو منظمة من أغلبية الدول في العالم، أو أن يقرر مصير أية قضية تخص سورية والأمة السورية.

على ضوء هذه الشروح نرى كيف أن هذه المبادئ الصغيرة تكون أساس انطلاق في اتجاه واضح معين، في جميع المسائل والمشاكل التي تعترض الأمة السورية في سيرها.

هكذا نرى أن هذه المبادئ ليست أقوالاً جامدة أو كلمات ميتة أو حروفاً متناسقة، بل قوة حية فاعلة تتولد فيها مقررات مبدئية أساسية هامة، وتبنى عليها خطط في السياسة المصلحية، وفي السياسة الأخلاقية، وفي السياسة الفكرية أيضاً. في السياسة النظامية، في السياسة التي تتجه إلى تقرير الاتجاه والاعتناء بالقيم الهامّة، الأساسية الجوهرية، السامية التي هي جوهر القضية السورية القومية الاجتماعية، وجوهر النظام القومي الاجتماعي.

ونحن نعتقد أن للأمة السورية عقلاً إنسانياً رائعاً. وكما قلت سابقاً إننا لا نخضع للأمر المفعول، كذلك قلت، في معرض آخر، أنه ليس أسهل، من أجل إيجاد سلام دائم في العالم من تنازل بعض الأمم عن حقها في الحياة. فإذا خضعت تركية مثلاً أو سواها لإرادة أمة أخرى كبريطانية مثلاً تجنباً للتصادم معها حققت السلام الذي تفرضه مصلحة بريطانية. فيمكن أن نسمي هذا السلام, السلام البريطاني، وإذا أمكن أن تتنازل بريطانية وفرنسة وروسية للسلام الأميركاني حصل سلام تقوده أميركانية، وإذا تنازلت سورية وإيران واليونان والبلقان لضغط تركية أمكن إيجاد سلام تركي. لكن سورية لا تريد أن تكون من هذا البعض من أجل إيجاد سلام يفرضه الأتراك ويقررون مصيره.

من هنا ومن هذه الشروح القليلة البسيطة يمكننا أن نتعرف إلى ماذا تعني من قيم ثابتة هذه المبادئ المعروفة باسم مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي.

ما قلته حتى الآن، وما يمكن أن أقوله في الاجتماعات المقبلة لا يغني عن درس تحليلي عميق هادئ يوضَع كتابة ليستعرض التسلسل التاريخي والمنطقي للأمور، ويوضّح بصورة أكمل وأجلى ما تعني هذه التعاليم، وما ينكشف عنها للأمة واتجاهها الجديد الآخذ في تغيير حالتها الداخلية ووضعها الأنترنسيوني، وفي تغيير وجه التاريخ كما قلت مكرراً. وإني لا أعني بها جمالاً زخرفياً، بل حقيقة بكل حروفها.

 

***
المبدأ الثالث: القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري.
وفي الشرح أقول:

“يتناول هذا المبدأ تحديد القضية السورية الواردة في المبدأ السابق تحديداً لا يقبل التأويل، وهو يظهر العلاقة الحيوية، غير القابلة الفصل، بين الأمة والوطن، فالأمة بدون وطن معين لا معنى لها، ولا تقوم شخصيتها بدونه. وهذا الوضوح في تحديد القضية القومية يخرج معنى الأمة من الخضوع لتأويلات تاريخية أو سلالية أو دينية مغايرة لوضع الأمة، ومنافية لمصالحها الحيوية والأخيرة.
إن وحدة الأمة والوطن تجعلنا نتجه نحو فهم الواقع الاجتماعي الذي هو الأمة، بدلاً من الضلال وراء أشكال المنطق الصرف وتراكيب الكلام.

وإن الترابط بين الأمة والوطن هو المبدأ الوحيد الذي تتم به وحدة الحياة. ولذلك لا يمكن تصور متّحَد إنساني اجتماعي من غير بيئة تتم فيها وحدة الحياة، والاشتراك في مقوماتها ومصالحها وأهدافها، وتمكّن من نشوء الشخصية الاجتماعية التي هي شخصية المتحد ــ شخصية الأمة”.

اليهود في تفرّقهم في العالم بدون وطن يجمعهم في حياة واحدة توحد نظرهم في جميع القضايا الأساسية، كانوا أمة لا معنى لها فأرادوا أن يحققوا معنى كونهم أمة، فأنشأوا حركتهم الصهيونية وجعلوا هدفهم ابتغاء إيجاد “وطن قومي” لهم في فلسطين يصح أن يصير لهم وجود قومي فعلي فيه.

كل فكرة قومية بلا أساس من وطن، يخرج الأمة عن وضع واقعها الاجتماعي. فالتأويلات السلالية القائلة مثلاً أننا عرب، لأن قسماً منا أتى من العرب، أو أننا فينيقيون أو كنعانيون لأن قسماً منا تحدّر أو انتسب إلى الفينيقيين أو الكنعانيين، أو أننا آشوريون فقط هي تأويلات مخالفة لواقع المجتمع.

إن الاسم الذي تكتسبه الأمة هو في الغالب من الأرض أو من جماعة برزت في أرض معينة: ليس صحيحاً أن العرب هم عرب لأنهم ولد يعرب. ولا سبيل لنا لتحقيق من هو يعرب أو ما كان يعرب. فيعرب لا يمثّل إلا طريقة واجتهاداً فكرياً للتعبير عن واقع جماعة، أو للتعليل عن مصدر جماعة، أو عن سبب تسميتها. وهذه طريقة استعملها العرب ليس فقط في جدّهم الموهوم يعرب، بل في جميع التعليلات التي تعين واقعاً جغرافياً أو اجتماعياً. فقالوا إن افريقية بناها أفريقس مثلاً، ولا سبيل لتحقيق أساس تاريخي عن أفريقس المزعوم وكيف بنى افريقية. وقالوا في العدنانيين المستعربين الكنعانيي الأصل أنهم ولد اسماعيل، للتعليل عن دخول الكنعانيين في حياة الصحراء.

العرب اسمهم عرب ليس لأنهم ولد جدٍّ يدعى يعرب، بل لأنهم سكان العربة. والعربة اسم للصحراء، فالعرب هم سكان العربة كما أن السوريين هم سكان سورية، وليس لهم جد دعي بهذا الاسم، بل لأنهم يسكنون سورية ووحّدوا حياتهم فيها.

وأصل اللفظة أخذ من أشور كما يرجّح، وسُميت البلاد سورية، والسوريون ينسبون إلى البلاد، وكذلك العرب يُنسبون إلى بلادهم العربة. أما العلاقة والقرابة الدموية بين سكان سورية وسكان العربة، فقد قام عليها الدليل، ولكن من أخذ من الآخر أكثر؟ يمكن أن يكون السوريون الكنعانيون المستعربون أكثر في العربة من العرب الذين دخلوا سورية وتسرينوا، وإن كثيراً من العرب الذين دخلوا سورية بالفتح المحمدي هم عرب مستعربة، أي أنهم سوريون كنعانيون في الأصل تحولوا إلى البداوة بعامل جفاف الأرض وقطنوا العربة (الصحراء)، واكتسبوا الطابع العربي (الصحراوي). من هذه الحقيقة تظهر لنا أهمية الوطن الفاصلة في تقرير شخصية المجتمع وحقيقة الأمة.

هذه المبادئ الأساسية الثلاثة التي قرأتها مع شروحها تشتمل على نقطة الانطلاق الأولية نحو القضية القومية الاجتماعية وكل ما يأتي بعدها مستند إليها.

وفي المحاضرات المقبلة سأتابع شرح التعاليم القومية الاجتماعية.