تاريخ الحزب

الأمين لبيب ناصيف: الامين مطانيوس جريج شـــعلة تبقــــى مضيـئـــــة

الذين رافقوا سنوات ما بعد الثورة الانقلابية، وتعرّفوا على ما عانته عائلات الرفقاء الاسرى من مشقات الوصول الى سجن القبة في طرابلس ثم الى سجن القلعة في بيروت، وقبلهما الى ثكنة المير بشير، وما تخلل ذلك من اعتقالات واضرابات عن الاكل وافتراش الارض في لهيب الصيف، والتظاهر وتحمل الركل والتدفيش والضرب، ينضمون الينا في رفع تحية الوفاء، والتقدير الكبير الى كل امهات وشقيقات رفقائنا الاسرى، ومنهن من وافتها المنية منذ ايام قليلة، الرفيقة منيرة سليمان(1)، قرينة ورفيقة الدرب الطويل لامين عرف الحزب نضالاً ومثالية وتفانياً وصدقاً واستقامةً: الامين مطانيوس جريج.

*

عرفتُ الامين مطانيوس بعد خروجه من الاسر في شباط 1969، متولياً مسؤوليات محلية عديدة في عكار، منها، اكثر من مرة مسؤولية منفذ عام.

بتاريخ 11 نيسان 2007 وضمن نشرة عمدة شؤون عبر الحدود نشرتُ تحت عنوان “نتذكر باعتزاز“، كلمة تعريف عن الامين مطانيوس جريج، قلت:

اذ نذكر عدبل، تاريخاً وحضوراً قومياً اجتماعياً ومآثر نضالية، لا بد أن نتوقف بإجلال أمام شهدائها، وبتقدير كبير أمام المناضلين منها، وأبرزهم الأمينان خليل دياب ومطانيوس جريج، اللذان توليا المسؤوليات وكانا ركنين مميزين على صعيد العمل القومي الإجتماعي وترافقا نضالاً وسجناً، اذ كلاهما شاركا في الثورة الإنقلابية وسُجنا.

ولد الامين مطانيوس في عدبل عام 1935.

الام: هيلانة ديب

اقترن من الرفيقة منيرة مخايل سليمان ورزق منها الرفقاء والرفيقات: ناهية، الامين عبود، هيلانة، ربيع وكميليا والمواطنين الصديقين نجلاء وعليا.

انتمى الامين مطانيوس الى الحزب في عدبل عام 1953،

تولى مسؤوليات مذيع، ناموس ومدير مديرية، ناظر عمل، ناموس منفذية، فمنفذ عام اكثر من مرة.

شارك في الثورة الانقلابية وخرج مع العفو في 19 شباط 1969، وكان حكم عليه بالمؤبد في المحكمة البدائية وخفض الى 20 سنة في محكمة التمييز.

منح رتبة الامانة عام 1996.

 

 

وفاته

وافت المنية الامين مطانيوس جريج اثر نوبة قلبية في 10/10/2001 فنعى الحزب ” احد مناضليه البارزين الذي كرّس حياته في سبيل الحزب والقضية، وعبّر عن التزامه بقيم النهضة في اصعب ظروف النضال، وبنى اسرة ملتزمة “.

التشييع

بتاريخ 13 تشرين اول 2001 شيّع الحزب واهالي بلدة عدبل، الامين مطانيوس جريج في مأتم حاشد ومهيب بحضور رئيس الحزب في حينه الامين جبران عريجي، عدد من اعضاء قيادة الحزب، كما جاء في نشرة “صوت النهضة” عن شهر تشرين اول 2001:

“مثل نائب رئيس الحكومة عصام فارس والنواب: عبد الرحمن عبد الرحمن، مخايل الظاهر، محمد يحي، وجيه البعريني، والوزير السابق فوزي حبيش.

بعد الصلاة التي ترأسها المطران سليم غزال والمتروبوليت بولس بندلي في كنيسة السيدة، عدبل، القى مدير مديرية عدبل الرفيق ابراهيم النبوت كلمة المديرية اعتبر فيها ان الامين الراحل .. مستمر فينا .. وحاضر بيننا وفي وجداننا.. لانه جسد ايمانه بعقيدته وكان مثال في القدوة .. احب ابناء مجتمعه فبادلوه الحب .. ثم القى الامين احمد هاشم كلمة وجدانية باسم اصدقاء الفقيد، بعدها القى منفذ عام عكار الرفيق (الامين لاحقا) رياض نسيم كلمة جاء فيها: لأول مرة اشعر بالضعف وانا افتش عن كلمات تليق بك.. وتليق بعائلة قومية رفعت عمدها باهدابك.. ماذا اقول في رجل اعطى عمره لعقيدة، واكتفى ان اخذ منها الكبرياء والمحبة، والتماهي في حب أمته.. مسؤولياته الحزبية، لم تغيّر من عفويته والتصاقه بالناس.. بقي امينا لرفقائه. مستمراً معهم دون ضعف او تواني.. وجوده واندفاعه وصرخاته وطيبته ومشاعره الدافئة والحميمة، اقانيم سنفتقدها بعد رحيله.. ولكننا.. سنراه كل يوم … في زوجته وولديه وبناته ورفقائه.

 

باسم عائلة الفقيد القى الرفيق د. عبود جريج (الامين لاحقاً) كلمة قال فيها: اردت الموت واقفاً وانت الذي آمن بوقفة العز. فكنت مشعل الدرب الطويل.. لقد بررت بقسمك.. فكنت المؤمن الفاعل حركة في الحياة.. خضت التجارب المرّة ولم تركع او تنحني او تُذلّ.

كانت دعوتك الدائمة الالتزام بمؤسسات الحزب.. بالايمان.. والصبر وارادة الفعل.. والانتقال من “انا” الذاتية الى الـ”نحن” المجتمعية.. صدقه مع نفسه ومجتمعه لم يعرف الالتواء.. أحبّه الناس ووثقوا به.. عهدنا لك، وانت في ضجيج صمتك، ان نبقى اوفياء للمبادىء التي آمنت وآمنا بها، جنوداً عاملين لرقي أمتنا وعزها ومجدها.

 

والقى رئيس الحزب الامين جبران عريجي كلمة جاء فيها :

ما كنت اظن انني سأقف يوماً امامك في لحظة وداع، فالنهضة علمتنا ان ننصرف الى صنع الحياة وكأنها ابد لا ينتهي، وانت كنت واحداً من هؤلاء الفرسان الذين لم تكن لهم خطة شخصية في الحياة، بل كانت صياغة الحياة خطتهم.

ايها الامين الراحل

لنا من نضالك الدؤوب، وفضائل سيرتك القومية الاجتماعية، وفضائك القيمي والمناقبي في الحزب والمجتمع، واثرك الرائع في اهلك وصحبك ورفقائك، وعطائك المثمر في حزبك ما يجذر حضورك في ذاكرة النهضة، وما يجعل رثائي لك وكأنه استمرار لحوار الامس حول القضية التي لم تحد عنها يوماً، ولم تنحرف عن مسارها لحظة، رغم الكثير الكثير مما يغري ومما ينفر.. فالمسألة عندك مختلفة حساباتها، وفيها تجاوزت حدود الالتزام الى حدود التنسك، في انتماء افصح في جميع المواقف عن التماهي التام مع حزب سعاده.. وفي مسيرة نضالك المشرقة انتفى كل اثر للخلاص الفردي، فأنحيازك للخلاص العام مشهده الرائع بيتك، حيث خرّجت كوكبة من الشباب أمدوا النهضة بحيوية جديدة.

نقياً كنتَ.. وصافياً كنت، ولذلك لم يكن غريباً ان قلبك ضاق سريعاً بفداحة المأساة، وتعاظم المعاناة.

عبرت السجون، وواجهت الرياح الصرصر بفرح المؤمن وكبريائه، اما التواضع فأدخرته صفة ملازمة لعضويتك في الحزب.

عشت في عين الاعصار، تغالب الخطر في اصرار عنيد على حمل طوق النجاة لشعبنا، فامتلكت ذلك الاحساس السري الجميل الذي يفقده عادة العابرون في الحياة.

ايها الامين الراحل

اضأت دروب عكار المنفية والحزينة، بتعاليم سعاده، صمدت فيها كبيراً، وتشبثت بأرضها مناضلاً يحاول رفع الظلم عن اهلها. ممتشقاً سيف النهضة في وجه آفات الظلم الاجتماعي، والتعصب الطائفي، والتفرقة المذهبية، لم يثنك عن قسم انتمائك عائق، ولم تحل بينك وبين مبادئك شائبة او نائبة او صعوبة، وبقيت في جميع الفصول والاحوال والاهوال صامداً عنيداً جريئاً تبث في عدبل وعكار روح الفكر الجديد والسلوك الجديد، والمناقب التي تعلو على كل الموروث المعطل لوحدة الحياة.

نودعك يا امين مطانيوس، ونحن نعيش لحظة تاريخية في عالم مضطرب تجتاحه اعتى موجات العنف الدولي، فأميركا اليوم تستثمر دماء وارواح ضحاياها الابرياء في حرب غامضة، تنكشف دوائرها عن عولمة متوحشة، ومشاريع خطيرة تهدد أمتنا بأخطار فادحة.

نحن اليوم الهدف الاساسي للحرب التي تديرها اميركا وفق شعارات مختلفة، مرة حرب المسيحيين على الاسلام، ومرة اخرى حرب الحضارات، مما يجرد القضايا العادلة من عدالتها، وهذا يدعونا الى الكثير من الحذر واليقظة.. كي لا تضيع الحقوق، وتصبح الطريق الى فلسطين مكتنفة بالضباب.

المسألة ليست في اطار صراع طائفي عالمي، كما انها ليست ازمة لاهوتية بين دينين، فالحقيقة كامنة في الفقر وفي قهر الشعوب المستضعفة، انها مسألة حقوق ومصالح، واحتلال يجب ان يزول.

اننا نرفض ان تكون مسألة فلسطين واقعة تحت شبهة الارهاب، وان يصبح المطالبون بعدالتها في قفص الاتهام لانهم لا يرضون مكاناً في بيت الطاعة الاميركية.

لسنا بمتنازلين عن حقوقنا ووسائل نضالنا، وافاق فكرنا الانساني، رغم كل الارهاب النفسي الذي تمارسه الولايات المتحدة، ومحاولاتها الباس شعبنا الجريمة، لننتقل بذلك من موقع الضحية الى موقع المتهم، ونستسهل السعي لصك البراءة من اميركا عبر التورط في التحالف لما سمي مكافحة الارهاب.

وختم: ان الاخطار المتعاظمة تستنفر في الامم الحيية قوى خلاقة، وأمتنا كانت وما تزال الاقدر على مواجهة التحديات وصنع الانتصارات، ولنا من عقيدتنا خير نبراس في عتمة الطريق، وكنت يا امين مطانيوس علماً في النضال، بك نقتدي وبفضائلك نعتز، ولنا من سيرة حياتك مدعاة للفخر، كبير النفس كنت على الدوام، ونشهد انك رحلت عالي الجبين، وعزاؤنا ان مزاياك باقية في رفقاء الدرب، وفي عائلة حميدة ، وفي تاريخ النهضة القومية الاجتماعية التي اعطيتها دون حساب.

*

من الابنة الرفيقة الى والدها الامين

مرة ثانية، وتحت عنوان “نتذكر باعتزاز” نشرتُ بتاريخ 27 ايلول 2007 ضمن نشرة عمدة شؤون عبر الحدود، الكلمة التي كانت وجهتها الرفيقة كميليا جريج الى والدها الراحل الامين مطانيوس، في العدد تشرين الثاني – كانون اول 2001 من نشرة “صوت النهضة“، قدمتها بالكلمات التالية:

” عندما يتكلم الابن او الابنة عن والدهما تدرك اكثر، من كلامهما، كم كان قوميا اجتماعيا  في تجسيده للقسم عبر بناء عائلته، واشعاعه في محيطه.

والكلمة التي نشرتها الرفيقة كميليا جريج عن والدها الامين مطانيوس في العدد تشرين الثاني – كانون الاول 2001 من مجلة “البناء – صباح الخير” تحكي لنا المزيد عما كنا نعرفه في الامين مطانيوس، صدقا في الالتزام ووفاء لايمانه القومي الاجتماعي.

 

كلمة الرفيقة كميليا

أزهر النرجس الذي زرعته يا ابي عن عمر عام ، وبقي الياسمين لم تزرعه بعد .

كثيفة هطلت الامطار يا ابي بعد موتك .. اراحتك الديمة ( المطرة الاولى ) من ريّ الزيتون .. ولكن هذه المرة الى الابد .

هل نصدق ان الرجل الذي يحب الحياة … رحل !

هل نصدق اننا لن نرى بعد منسق الاحلام وزارع الامل !

رحل من كان طيبا ليفهم الناس . ورحل من كان حنونا ويخفي حنّوه بهيبة . راح من كانت له قدرة رهيبة على كبت مشاعره وعواطفه عنا دون باعث .. للكبرياء فقط . نعرف كم احببتنا يا والدي .

رحل دائم الابتسامة والساخر ابدا بالحياة . انني يا ابي اجد اليوم وانا اذكر وجهك المبتسم ان الابتسامة هي قوة منيعة داخل الانسان … قوة تجعل فهمه مشبوها في عيون الآخرين .

فما اعطي لكل الناس ان يفهموا صمت العيون وما اعطوا جميعهم فهم حزن الابتسامات .

وانت كنت حزينا ، لكن اِفرح . كان لديك هذا المزيج الغامض والجميل بين الفرح والحزن ، بين الضحك والبكاء ، بين الحياة والموت …

لوهلة عرفت فيها انك لم تعد حيا ، شردت في المدى . حزينة انا .. لماذا ؟

حزينة على موتك ام على فقداني لك .. هل نحن نحزن على البشر ام على فقداننا لهم ؟ هل نحن نحزن عليهم ام لغاية في نفوسنا ؟

ولكنك انت كنت جزءا كبيرا من نفوسنا وما كنت تعرف وما كنا نعرف .. مكانك في نفوسنا وردة ربيعية بعمر آذار ، حمراء كالدم جميلة .. اشواكها كرحيلك تجرحنا في الصميم .

نحن نضحك يا ابي لحاجة في داخلنا ولكن البكاء ينفع في بعض الاحيان لانه يغسل مرارة الالم . احببنا سعاده لانك صوّرته لنا بطلا ، زعيما خالدا .

احببنا الحزب لاننا رأينا ممارستك فيه ، وما عرفناك الا سوريا قوميا اجتماعيا ملتزما مبادىء النهضة . كان الحزب اساسا في تربيتك لنا ، انت وامي اطال الله بعمرها .

لم نعرف الحزب مؤسسة بل مسيرة حياة ونهج تربية وقيما انسانية سامية .. وعندما كبرنا عرفنا الحزب كتبا ومؤسسات .

غيّبك الموت عنا والموت قدر لا بدّ منه . موتك علّمنا قيمة الحياة واقسى ما في الموت انه يحوّل كل مقاييس الحياة الى ذكريات وصور . لم تزرع الياسمين يا ابي ، لكنك صنعت ناهية وعبود وهيلانة ونجلا وعليا وربيع وكميليا … فتحية لك وتحية لامي .

نعدك بان نزرع الياسمين وأن نعتني بالنرجس والزيتون والليمون .

*

كانت علاقتي بالامين مطانيوس قد تميزت باواصر متينة من المودة والاحترام. كنت ارتاح الى صدقه، صلابته، صراحته، واخلاصه الكامل للقضية التي رهن لها كل حياته.

بعض الوفاء لمناضلينا، ان نعرّف بهم وان نبقيهم احياء في ذاكرة الحزب، وهذا ما نسعى إليه.

 

هوامش:

  • وافت المنية الرفيقة منيرة مخائيل سليمان، بتاريخ 06/05/2015 وشيعت في اليوم التالي الى مثواها الاخير في عدبل وسط حزن عارم وحضور لافت، من رفقائها وابناء بلدتها والجوار.

والرفيقة منيرة شقيقة الامين حبيب سليمان، الرفيقة نجلا خليل دياب، المربية مروى سليمان، هيفاء الياس الاشقر وانتصار ناصر خوري.

 

 

 

في: 19/05/2015                                                     لجنة تاريخ الحزب