مقالات مختارة

إنها ’إم تي في’ .. فعذراً ’عروس الجنوب’

إنها ’إم تي في’ .. فعذراً ’عروس الجنوب’

ميساء مقدم

 

لم تكن تدرك “عروس الجنوب” عندما لبست ثوب الفداء وتناثرت حباً وشجاعة وخلوداً في سماء الجنوب أنّها بعد ثلاثين عاماً على الاستشهاد، ستُسمّى على إحدى الشاشات المُفترض أنها لبنانية بـ”الانتحارية”.

“الارهاب يستدرج الانتحاريات في ظاهرة ليست جديدة”. هكذا افتتحت القناة التي اشتهرت في لبنان بترويجها للمفاهيم “الوطنية الاسرائيلية” تقريرها أوّل من أمس، ضمن نهجها شيطنة كل من هو معادٍ “للصهيونية” والترويج لِقَوم “المقاومة بالفكر مش بالسلاح”. فتحت “إم تي في” نيران حقدها على الاستشهادية سناء محيدلي. هي الحرب الناعمة، أو سمّها معركة تشويه الصورة، تخوضها قناة “المرّ” في لبنان (التي أثبتت تسريبات ويكيلكس تقاضيها أموالاً طائلة من السعودية) بكل ما تملك من أدوات.

في تقريرها، تجمع “إم تي في” بين الانتحاريات المنتميات الى التنظيمات الارهابية التكفيرية من “داعش” الى “بوكو حرام” و”القاعدة” و”طالبان” و”الأرامل السود”، وبين سناء محيدلي، ابنة الـ18 عاماً من بلدة عنقون الجنوبية، التي نفّذت صباح الثلاثاء 9 نيسان 1985 عملية استشهادية بطولية، استهدفت فيها تجمعاً لقوات العدو على “معبر الذل” في باتر – جزين حيث كانت تتجمع أعداد كبيرة من الشاحنات والدبابات والآليات المجنزرة، والعديد من المشاة المنسحبين من تلال الباروك ونيحا، وذلك باقتحامها القوة العدوة، بسيارة مجهزة بـ 200 كلغ من مادة “ت.ن.ت” الشديدة الانفجار. نعتت القناة محيدلي بـ”الانتحارية” متجاهلة تضحيتها في سبيل الوطن، مشبّهة اياها بانتحاريات الجماعات التكفيرية اللواتي يفجّرن أنفسهن بالمدنيين والأبرياء.

عنونت القناة تقريرها بـ”الارهاب يستدرج الانتحاريات في ظاهرة ليست جديدة” وأسقطت حالة الاستشهادية سناء على هذا العنوان. فمن يقصد التقرير بـ”الارهاب”؟ هل هي المقاومة أو الحزب القومي السوري الذي كانت تنتمي محيدلي اليه في ذلك الوقت؟ وعلى هذه القاعدة ما هو توصيف “المحتل الاسرائيلي” بالنسبة الى هذه القناة؟

عميد الإذاعة والإعلام في “الحزب السوري القومي الاجتماعي” وائل حسنية يرى في تقرير القناة ظلماً للمقاوِمة محيدلي. ويشير في حديث لـ”العهد” الى الفرق الكبير بين “من يضحي بنفسه من أجل وطنه وأرضه وشعبه وبين من يقتل أبناء شعبه ويحوّل الأفراح الى أتراح”.

وبما أننا في زمن يصرّ فيه الاعلام المدفوع الثمن على اثارة الشبهات والخلط  المقصود بين الاستشهاد والانتحار، يجد حسنية نفسه مضطرّاً لتأكيد المؤكد، فـ”الاستشهادي يضحي بنفسه من أجل قضية وطنية قومية يعتز بها الملايين من أبناء شعبنا في إطار المقاومة”، لكنه يعتبر في الوقت نفسه أن ما حصل “ليس مستغرباً من “إم تي في””، ويقول “إذا أخطأت القناة لمرة واحدة يمكن التغاضي عن الأمر، لكن بعد تكرار هذه الأمور أكثر من مرة وعند أكثر من مرحلة يصبح الموضوع خياراً وليس مجرد خطأ، “إم تي في” أصلاً منخرطة في المشروع الآخر الذي يعادي المقاومة والقضايا الوطنية والقومية”.

لبنان الذي اعتادت الدولة فيه تجاهل شهدائه والتطبيل لعملائه وتأمين الحماية لهم (بدءاً من رؤساء أحزاب تعاملوا مع العدو الصهيوني وهم يكملون حياتهم السياسية اليوم ويحاضرون بالعفة، مروراً بالأحكام المخففة على العملاء الذين انضووا تحت لواء “جيش لحد”، يفتقد المقاومون فيه لأي حصانة فتُعطى فيه الحرية الكاملة لوسائل الاعلام للتعرّض للمناضلين والمبادئ الوطنية المفترض أنّها موحّدة لجميع اللبنانيين.

أداء القناة يثبت من جديد، أن المقاومة ضد العدو الاسرائيلي الذي احتل أرض لبنان لم يكن يوماً مُجمَعاً عليها، منذ الثمانينات وحتى يومنا هذا. لم تكن “إم تي في” في صف المقاومين ونهجهم بل كانت دوماً ضدّهم وفي الصف المقابل لهم. هي من الاعلام الذي استثيرت مشاعره بعد هجمات فرنسا الأخيرة فخصصت “فلاشاً” تحاكي فيه “المصيبة الانسانية”، فضلاً عن العنوان الذي تصدّر نشراتها الاخبارية “الارهاب يضرب فرنسا”، بينما تاهت القناة عينها عندما ضرب الارهاب عينه أيضاً أبناء جلدتها من لبنانيين في برج البراجنة فأسمت شهداءهم في بادئ الأمر بـ”القتلى”، وسعت لايجاد الأعذار للقتلة من خلال الايحاء بأن المنطقة المستهدفة مليئة بالمراكز الأمنية.

كذلك، هي القناة التي تستخدمها الجماعات الارهابية في كثير من الأحيان كناطق رسمي أو أداة لنقل الرسائل. وهو ما أقرّت به بنفسها من خلال تقريرها الذي نشرته بتاريخ 19 – 11 – 2015، وفيه مصادر خاصة وصور أهدتها كتائب “عبد الله عزام” الارهابية للقناة، حول أحد شهداء حزب الله الذي تحتفظ إحدى الجماعات التكفيرية بجثمانه.

تجاهلت “أم تي في” عن سابق اصرار وتصميم دوافع العمليات الاستشهادية البطولية ضد قوى الاحتلال والاستعمار والظلم في لبنان والعالم، وهو ما وثّقته عروس الجنوب بصوتها من خلال وصيتها:

“أنا من جنوب لبنان المحتل المقهور ومن الجنوب المقاوم والثائر. من جنوب المقاومة من جنوب الشهداء من جنوب الشيخ راغب حرب من جنوب عبد الله الجيزي وحسن درويش ونزيه قبرصلي وبلال فحص وأخيراً وليس آخراً من جنوب الشهيد البطل وجدي الصايغ. أنا أخذت هذا القرار من ضمن مجموعة قررت الاستشهاد في سبيل تحرير أرضنا وشعبنا لأنني رأيت مأساة شعبي في ظل الاحتلال من قهر وظلم وقتل أطفال ونساء وشيوخ وتهديم منازل فقررت عندها القيام بعملية الفداء. وأنا مرتاحة جداً لأنني سأنفذ هذه العملية التي اخترتها أنا كي أقوم بواجبي نحو أرضي”، قالتها استشهادية الجنوب قبل أن يتطاول المتطاولون، وأصحاب ثقافة “اتيكيت التظاهر” الذين تمسّهم مشاهد “القتلى الصهاينة”.

* “فيسبوك” ينتصر لسناء

وعلى موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، لاقى تقرير الـ”إم تي في” استنكاراً واسعاً من قبل الناشطين، فكتب حمزة الخنسا:
“سناء محيدلي إستشهادية فدائية رغم أنف اليمين اللبناني المتطرف”، “#ايام_زمان‬ لما كانت سناء محيدلي ورفاقها يقاومون كان اليمين المتطرف يتعامل مع العدو الصهيوني ضد أبناء بلده.. يلي استحوا ماتوا يا ام تي تفه!”، “هل يحق لليمين الغبي إعطاء المناضلين شهادة بالوطنية؟!”.

وكتبت كارمن جوخادار: “تزعجهم سناء محيدلي.. فهي في واجهة نموذج السطحية والسذاجة الذي تحاول بثه “أم تي في”.. سناء، زاهدة بكل ما في الدنيا حبا بهذه الأرض.. أما هم فمجرد “قياسات ومقاييس مثالية” تتحطم عند أقدام العروس الجنوبية”. و”أن نرفض ما صدر عن قناة “أم تي في” في حق الشهيدة سناء محيدلي ونصوبه.. مطلوب وحق.. أن نقف في وجه البروبغندا التي تحاول مساواة المقاومة والإرهاب واجب أيضا.. ولكن الصدمة مرفوضة.. سنوات لا بل عقود من التضليل يمارسه الإعلام في العالم أجمع ومؤخرا عبر هذه القناة بالتحديد.. هذا التضليل الممنهج يضعنا أمام مسؤولية تاريخية بصون تاريخنا ومقاومتنا وانتصاراتنا وشهدائنا.. فلنوقف موجات الهلع والاستنكار وليبدأ كل منا بمؤاخاة هذه التجربة المشرفة.. بمعرفتها وفهمها، بكتابتها ورفعها وإظهارها.. بذات قوة وذكاء من يحاول محوها”.

(موقع العهد الإخباري)