مقالات مختارة

وليد زيتوني:عمليّات باريس “الأمن المفقود”-البناء

albinaa
يستنتج المراقب من خلال تتبّعه لسير العمليات في باريس، أنّ فعل العصابات الإرهابية كان ممسكاً بشكل كامل بخيوط الحركة على الأرض، بينما جاء الردّ الأمني الفرنسي مربكاً وغير قادر على أخذ المبادرة. هذا الضعف في الأداء استفاد منه الإرهابيون إلى أقصى درجات الاستفادة، بل يمكن الذهاب إلى القول بأنّ تراخي العمل الأمني الفرنسي وردّ فعل القوى الأمنية هو مَن رفع عدد الضحايا إلى هذا المستوى غير المتوقع.

ثمّة استنتاجات عدّة يمكن أخذها بعين الاعتبار، وذلك من خلال التسلسل الزمني للأحداث. أولها أنّ الهجوم على «ستاد دو فرانس» تمّ بواسطة ثلاثة انتحاريين بفارق زمني هو 23 دقيقة في المكان نفسه أمام المدخل. وهذا يعني أنّ القوى المولجة بالحماية لم تأخذ مبادرة عزل الموقع ومسرح الجريمة، وهو أبسط الإجراءات الممكنة، مما أتاح للإرهابيين تكرار المحاولة لفتح الطريق لعناصر أخرى قد تكون مكلفة بالدخول إلى الهدف المقصود. ربما هذه العناصر نفسها التي اختارت أهدافاً بديلة لها في الحيّ العاشر والحيّ الحادي عشر أو في مطعم «لا بيل إيكيب»، أو قاعة «باتكلان». وربما هناك عناصر كانت مكلّفة بالولوج إلى الستاد ولم يتسنّ لها لأسباب أخرى وفرّت إلى جهات مجهولة، مع ترجيح واضح للفرضية الأولى.

الملاحظة الثانية تقع على أداء القوى الأمنية في قاعة «باتكلان». ونظراً إلى أنّ عملية «تحرير الرهائن» لم تتجاوز الدقائق الخمس بهذا العدد الكبير من الضحايا. فلها أيضاً فرضيتان… الأولى أنّ عملية قتل جماعي مارسها الإرهابيون قبل وصول القوى الأمنية، أو أنّ القوى الأمنية دخلت بطريقة عشوائية وغير مدروسة، وبالتالي لم تتعاطَ مع الموضوع بروية وحنكة.

الاستنتاج الثاني: يقع في التشابه بعدد الانتحاريين بين باريس وتفجيرات الضاحية الجنوبية لبيروت، بالإضافة إلى التزامن المبدئي بالتوقيت، وهذا يعني أنّ المخطط الأساس للعمليتين واحد، وهو بالتأكيد جهاز مخابرات دولي له أهدافه في بيروت كما في باريس. رغم انّ طابع العملية في باريس يأخذ شكل هجمات «القاعدة» ومشتقاتها المعتمدة في كلّ من العراق وسورية، هجمات متعددة على المداخل ثم الاندفاع إلى عمق الهدف.

غير أنّ لعملية باريس متطلبات لوجستية وتسهيلات لا تتوافر عادة للمنظمات الإرهابية. انطلاقاً من هذه النقطة وجب البحث عن المشغل الأساس الذي يعمل على أجندة غير محلية ويدير شبكاته في بيروت وفرنسا، وربما في أماكن أخرى من هذا العالم. فهل المطلوب من فرنسا ومن خلال هذه العملية أن تدفع بقوات برّية إلى المنطقة وتغرق في وحولها؟ أو أنّ العملية هي ردّ على قرارات تمييز البضائع «الإسرائيلية» المتخذ أخيراً على مستوى الاتحاد الأوروبي؟ أو أنّ هذا الوحش الإرهابي وصل إلى مستوى أصبحت فيه الدول المشغلة عاجزة عن ضبط إيقاعه؟

لا شك في أنّ العقل الفرنسي هو عقل انفعالي، ويميل إلى التنظير من دون القدرة على العمل. والسياسة الفرنسية سياسة عاجزة ومباشرة، غير قادرة على التخطيط الطويل الأمد، وهو ما استفاد منه الأميركي والصهيوني في محطات كثيرة وكبيرة في التاريخ. من علاقة فرنسا بمستعمراتها سابقاً وخاصة في الجزائر وسورية ولبنان، إلى معركة «ديان بان فو» في فييتنام، إلى الاعتداء الثلاثي على مصر العام 1956 إلى حروب الخليج. محطات أظهر فيها المستعمر الفرنسي بأنه يغرق في بركة ماء صغيرة. الدولة الفرنسية الكبرى لم تنجح في أيٍّ من الحروب التي خاضتها منذ عهد الإمبراطورية النابليونية حتى الآن، بما فيها الحربان العالميتان.

في الأخير ننصح فرنسا أن تبني علاقاتها على أساس مصالحها وليس على أساس الطموحات الإمبراطورية المتماهية مع الولايات المتحدة الأميركية.

ننصح فرنسا أن تقيّم وضعها الداخلي وقدراتها قبل أن تقدم على أيّ عملية انتحارية في سورية أو العراق أو لبنان.

وننصح فرنسا أن تخلي سبيل المناضل جورج إبراهيم عبدالله، لأنه يمثل تطلعات شعبنا في الحرية والاستقلال. وأن تبتعد عن الإملاءات الصهيونية والوهابية وأميركا.