مقالات مختارة

هتاف دهام: عون يراهن على “صولده” الرئاسي -البناء

albinaa
  1. خرج أحد نواب المستقبل أمس على هامش جلسة التمديد للجان وهيئة مكتب المجلس عن منطق المجاملة للسعودية وعن منطق تياره القائل إنّ روسيا تتورّط في سورية، بتأكيده أنّ “الأزرق” في لبنان لا يزال جزءاً من الحرب التي تخوضها المملكة على لبنان، في حين أنّ المرحلة تتطلب مراجعة الحسابات، وأنّ دخول طائرات السوخوي الأجواء السورية أنهت صيغة الرئيس التوافقي.

ضَرَب الشلل المجلس النيابي منذ نحو عام. لم يعقد المجلس منذ كانون الأول الماضي أيّ جلسة، فنوابه الذين سارعوا للتمديد لأنفسهم مرة ثانية العام الماضي، ويتضرّعون إلى الربّ للتمديد مرة ثالثة تحت حجج أمنية واهية، جلسوا أمس تحت قبة البرلمان بمحبة ووئام، مع بدء العقد العادي الثاني للبرلمان ليُبقوا القديم على قدمه في هيئة مكتب المجلس وأعضاء لجانه النيابية الـ 16 ورؤساء ومقرّري اللجان النيابية، باستثناء بعض التعديلات الطفيفة المتوافق عليها، حيث حلّ نائب القوات اللبنانية أنطوان زهرا في لجنة المال مكان النائب روبير فاضل الذي أصبح عضواً في لجنة الاقتصاد بدلاً من النائب القواتي فادي كرم.
لم يعرض أصحاب السعادة أمس، مسرحية لجنة الأشغال مرة ثانية، اكتفوا بعرض واحد لها، ليس من مصلحة أحد نقل الإشكال الذي افتُعل عن قصد أو غير قصد أمام مصوّري التلفزيونات إلى القاعة العامة، أو المطالبة باستبدال النائب محمد قباني من رئاسة لجنة الأشغال بآخر، فالنواب البرتقاليون الذين منهم من التزم الصمت في تلك الجلسة واضعاً يديه في جيبيْ بنطاله متفرّجاً كالنائب ابراهيم كنعان، ومنهم من استخدم الألفاظ النابية التي رافقتها زجاجات المياه الفارغة كالنائبين فادي الأعور وزياد أسود، يدركون جيداً أنّ أيّ كلام جديد عن قباني، سيطيح بأمين سرّ تكتلهم عن رئاسة لجنة المال والموازنة التي تعتبر من أهمّ اللجان النيابية.
وإذا كان النائب نبيل نقولا هو الأصدق مع نفسه بين زملائه العونيين، بعدم حضوره الجلسة ومتابعة أوضاع أهالي منطقته من مكتبه في جلّ الديب، وهو الذي قاطع جلسة منح الثقة لحكومة المصلحة الوطنية، فإنّ الأعور الذي وصف قباني بالمَوْتُور ومن أكبر السارقين والفاسدين حضر الجلسة بكلّ ثقة ولم يقدّم أيّ اعتراض أو يبدي أيّ تحفظ، والحال نفسها تنطبق على النائب حكمت ديب الذي لم يقدّم أيّ تعليق على بقاء زميله المستقبلي في رئاسة لجنة الأشغال، فهُما وقعا إلى جانب زملائهم في التكتل على تعيينه رئيساً للجنة.
غير أنّ الجديد الذي خرجت به الجلسة هو “توسّل” رئيس المجلس النيابي نبيه بري في نهايتها تأمين حضور جميع الكتل السياسية في ساحة النجمة الهيئة العامة المقبلة مع بدء العقد العادي، تلافياً لإنذارات البنك الدولي التي تهدّد لبنان باستبعاده عن لائحة المساعدات. وإذ أشار إلى “أنه سيراعي بعض الكتل”، قال بري: “يجب أن تتحمّلوني إذا ما دعوت إلى جلسة ولن أسمح أن يصل البلد إلى مثل هذه الحالة. ولست غيوراً أكثر من أيّ واحد منكم ولكن يجب أن تتفهّموني”.
إنّ أول من استخدم مصطلح الجلسة الميثاقية التي لا تُعقد بغياب مكوّن أساسي من طائفة معينة هو الرئيس بري، وبالتأكيد لن يعقد جلسة تشريعية من دون التيار الوطني الحر الذي يبدي استعداده للمشاركة في أيّ جلسة عامة تكون على جدول أعمالها بنود لها علاقة بإعادة تكوين السلطة اللبنانية وبمصلحة لبنان الوطنية العليا. لقد أوضح بري على هامش جلسات الحوار الوطني أن لا مانع لديه من وضع قانون استعادة الجنسية على جدول أعمال الجلسة التشريعية، فيما لو تقدم أحد النواب باقتراح قانون معجل مكرّر، باعتباره أنّ هذا الاقتراح يشكل مخرجاً لمطالب التيار الوطني والقوات اللبنانية باشتراط وضع هذا البند على جدول الأعمال، علماً أنّ هناك مشروع قانون على جدول أعمال اللجان المشتركة، أما في ما يتعلق بقانون الانتخاب وهو البند الثاني الذي اشترط الوطني الحر والقوات وضعه على جدول الأعمال لحضور الجلسة، فإن لا مانع عند الرئيس بري من أن يُدرج؛ لكن الواضح والمؤكد أنّ هناك عدم إمكانية للتوافق عليه وإقرار قانون ما. وعندها تكون الجلسة انعقدت لإقرار اتفاقيات وقروض يكاد أن يخسرها لبنان، وتكون أيضاً أعادت فتح الباب استثنائياً أمام تشريع الضرورة، وشكلت في ظلّ الجمود الحكومي ضربة لتيار المستقبل الذي لا يزال رئيس كتلته فؤاد السنيورة يؤكد أنّ حضور “النواب الزرق” سيكون فقط لتشريع الضرورة، مشدّداً على “أنّ كلّ الحلول في البلد تأتي من انتخاب رئيس للجمهورية”.
وعلى ضوء فشل تسوية التعيينات الأمنية وانتقال لبنان إلى مرحلة جديدة تؤكد على الشلل الحكومي والمرتبط حصراً بملف النفايات المعرقل بذاته وفي ظلّ الشروط العونية العالية السقف، الواضح أنه سيكون من الصعب جداً الوصول إلى أيّ معادلة تفعيل حكومية جديدة، فتلويح وزير الداخلية نهاد المشنوق باستقالة تياره من الحكومة والانسحاب من الحوار مع حزب الله، وردّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله العالي سياسياً وقوله: “إذا شعرتم بمنّة في بقائكم بالحكومة فالله معكم”، أدخل عناصر جديدة في الأزمة، جعلها أكثر تعقيداً وشدّ الخناق على رقبتَيْ الحكومة والحوار معاً، وأفرغ الكلام عن الرئاسة من أيّ مضمون وحيوية مع سقوط لعبة الرئيس التوافقي والمشروع الفرنسي الذي كان يسعى لإحداث اختراق عبر زيارة لم تحدث للرئيس فرنسوا هولاند.
وبانتظار ما سيترتب عن الاتصالات والمشاورات التي سيجريها الرئيس بري مع الأفرقاء السياسيين الأسبوع المقبل على طاولة الحوار، بخاصة أنّ بند تفعيل عمل المجلس النيابي هو من البنود السبعة المدرجة على جدول أعمال الحوار، فإنّ الجنرال ميشال عون الذي لا يزال في صلب المعركة وتستهويه المعارك حتى خواتيمها القصوى ويعتبر أنّ كلّ ما يجري (حكومة وترقيات وغيرها… انتهى) غدت كلها تفاصيل صغيرة أمام المعركة الكبرى المتأرجحة بين الرئاسة والنظام السياسي، أيّ بين تحسين التمثيل المسيحي واستعادة حقوق المسيحيين، فالوقائع الداخلية أضحت مرتبطة بالواقع الميداني السوري وما أحدثه التدخل الروسي بحدّة وبقوّة من معطيات على المستويات الاستراتيجية والميدانية باتت تشكل واقعاً جديداً من شأنه أن ينعكس ليس على مستوى سورية فحسب، إنما على مستوى المنطقة ككلّ.
ففي قراءة منطقية لأحد نواب تيار المستقبل “المنسجم مع نفسه”، يقول “إنّ التدخل الروسي في سورية جعل حظوظ الرئيس التوافقي صفراً في المئة، ورفع من حظوظ مرشح فريق 8 آذار الجنرال عون أو من يُسمّيه الأخير، بعيداً عن رئيس تيار المرده النائب سليمان فرنجية الذي يعلم أكثر من أي شخص آخر أنّ الرئاسة لن تكون له في هذه المرحلة، فالنائب وليد جنبلاط الذي لم يلمس مرونة سعودية حيال حلّ الأزمات، يبدو أنه يراجع حساباته بواقعية مع التدخل الروسي والتطورات الميدانية بغضّ النظر عن موقفه من الدولة السورية، على عكس تيار المستقبل الذي لا يزال جزءاً من الحرب السعودية على لبنان بدلاً من مراجعته حساباته السياسية على ضوء الاتفاق النووي والعلاقة الغربية التي ستتحسّن بشكل مضطرد بعد رفع العقوبات، وليس مستغرباً أن يكرّر جنبلاط الموقف الذي اتخذه عند تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بالتصويت لمصلحة عون، إيماناً منه بأنّ مقاربة الرئاسة أفضل طريقة لحلّ عقدة مجلس الوزراء وتفعيل عمل المجلس النيابي.
وإذا كان هذا الكلام لخصوم الجنرال، فليس عجباً أن يكون الحليف البرتقالي لمحور المقاومة من أكثر المراهنين على الواقع الجديد، وهذا يجعله يراهن بـ”صولده” الرئاسي، ربطاً بالمعطى الاستراتيجي الذي وفّره الروسي على أجنحة طائرات السوخوي.