مقالات مختارة

معن حمية:حين تتناغم السماء والأرض – “البناء”

في السماء ترسمُ «السوخوي» الروسية ـــــ السورية خطوطاً بيضاء، لا تُشبه بتاتاً خطوط الأرض في خرائط «الشرق الأوسط الجديد» الأميركية ـــــ «الإسرائيلية».
مسار «السوخوي» في الجو، وتقدّم الجيش السوري على الأرض كرّسا خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، فلا تقسيم ولا تفتيت، لا إمارات إرهابية، ولا مناطق عازلة.

على الأرض يتقدّم الجيش السوري وحلفاؤه باتجاه العديد من المدن والبلدات السورية لتحريرها من المجموعات الإرهابية، وخلال أسبوع من بدء العمليات العسكرية البرية تمّ تحرير عشرات المدن والبلدات السورية، وسط تهاوٍ سريع للمجاميع الإرهابية.

تناغم السماء والأرض أحدث تحوّلاً مهمّاً في مسار الحرب ضدّ الإرهاب. وعرّى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، بعد عام ونيّف على قيام هذا التحالف بذريعة محاربة الإرهاب. وقد تأكد المؤكد بأنّ وظيفة طائرات التحالف الدولي الأميركي ليست ضرب الإرهاب، بل حراسة الجو لخلق واقع تقسيمي على الأرض.

من هنا، أهمية «السوخوي» في الجو، فمهامها لا تنحصر فقط بتدمير بنى الإرهاب ومجاميعه، بل تتعدّاه الى إبطال وظيفة حراسة الجو التي تفرّدت الولايات المتحدة الأميركية بها، من دون أيّ تنسيق مع الحكومة السورية، ما يعني تقويض مخطط التقسيم والتفتيت، الذي استدعى دعم الإرهاب واحتضانه من قبل واشنطن وحلفائها بذريعة دعم «الثورة».

مع تقدّم الجيش السوري على الأرض تحت سماء محروسة بـ»السوخوي»، أدرك رعاة المجموعات الإرهابية المتطرفة، أنّ ما سعوا إليه طيلة نحو خمس سنوات، لن يتحقق. لذلك بدأوا بالصراخ ضدّ المشاركة الروسية في الحرب على الإرهاب… وتركيا التي يحكمها حزب رجب طيب أردوغان هي الأكثر صراخاً بعدما تبدّدت طموحاتها بإقامة مناطق عازلة يحكمها «الإخوان» تشكل حزاماً آمناً لها… وبعدما بدأت تتحسّس حجم الخطر الذي سيرتدّ عليها. لكنها لحسابات معروفة تتجنّب القول إنّ إرهاب «داعش» و»النصرة» وما يماثلهما سيرتدّ عليها، وتزعم أنّ مصدر الخطر الذي يتهدّدها هو حزب العمال الكردستاني.

الهلع الذي يصيب تركيا، يصيب أيضاً «إسرائيل» وبعض الدول العربية التي شكلت جزءاً من حلف العدوان على سورية، وهذه الدول تعيش مآزق حقيقية على أكثر من صعيد، ولا تستطيع إخفاء مآزقها بسياسة التعنّت والتصعيد والمواقف الحادّة المتحجّرة.

ما من شيء يمكن أن يغيّر مسار ونتائج الحرب السورية ضدّ الإرهاب بمؤازرة روسية. فالتحالف الدولي الأميركي ومعه حلف الناتو بدأوا عملية إخلاء متدرّجة، وهم يمارسون سياسة غضّ الطرف عن «السوخوي» التي تفتك بالإرهاب. والاتحاد الأوروبي يرفع العقوبات عن إيران، وواشنطن تتابع مسار تطبيق إجراءات الاتفاق النووي مع طهران، والعراق يتقدّم في مواجهة الإرهاب، وجيل الانتفاضة الفلسطينية الثالثة يرسّخ بالدم والتضحيات خيار المقاومة ضدّ الاحتلال، ويقف العدو عاجزاً أمام بطولات المنتفضين والمقاومين، بحسب ما دلّت عليه عملية بئر السبع البطولية.

ما هو مؤكد وحاسم أن لا صفقات في كلّ المسارات والأحداث الآنفة. بل هناك تكريس لواقع دولي جديد أنهى مرحلة القطبية الواحدة، وقد تمّ الدفع نحو هذا الواقع الجديد بفعل صمود سورية وثباتها. إذ ليس خافياً أنّ هدف الحرب الإرهابية ضدّ سورية، إسقاط وضرب دول وقوى الصمود والمقاومة، وتصفية المسألة الفلسطينية، وتقسيم المنطقة وجعلها ملحقة بأميركا و»إسرائيل». ولولا صمود سورية رئيساً وقيادة وجيشاً وشعباً، لما دخل العالم مرحلة توازنات جديدة، ولَكانت أميركا كرّست هيمنتها العالمية لعقود مقبلة من الزمن.

كلّ الوقائع تشي بأنّ الدول الأساسية الكبرى غير قادرة على منع روسيا الاتحادية من العودة قوية إلى المسرح الدولي ومعها الصين وإيران وسورية ودول أخرى، وأنّ هناك شبه تسليم بهذا الواقع الجديد الذي فُرض فرضاً. ورغم قناعة الغرب بالعجز عن فعل أيّ شيء يحول دون هذا المستجدّ، إلا أنه سيستخدم كلّ الوسائل والأساليب التحريضية ضدّ روسيا. وهذا ما بدأه الرئيس الأميركي باراك أوباما عندما قال: «العالم سيجد نفسه معتدىً عليه بهذا التدخل الروسي »!

أما الدول التي تُستخدم كأدوات، فقد تلقفت أمر عمليات أوباما، وذهبت باتجاه ممارسة التحريض الطائفي على خلفية ما نُسب إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من موقف محرّف بشأن المشاركة الروسية في الحرب على الإرهاب واعتبارها «حرباً مقدسة»، وهكذا اصطفت هذه الدول في خانة الإرهاب تحت هذا العنوان.

وهذه الدول نفسها لا تزال تراهن على استثمار الوقت الضائع الفاصل بين مرحلة سابقة وأخرى مقبلة. ومن أغبى النظريات، اعتقاد هذه الدول بالقدرة على استنزاف روسيا الاتحادية في سورية على غرار استنزاف «الاتحاد السوفياتي» سابقاً في أفغانستان. وهذه نظرية إرهابية بامتياز، يتبناها إعلام الدول الغبية التي تشارك في العدوان على سورية. علماً أنّ روسيا الاتحادية لم تدفع بقواتها إلى سورية، بل تشارك في الحرب على الإرهاب بواسطة «السوخوي» التي تلهب الأرض من الجو، وبواسطة بصواريخ عابرة، تنطلق من بحر قزوين. ولعلّ في إطلاق هذه الصواريخ من قزوين عبرة لمن يعتبر.

يبقى أنه في مرحلة مخاض تكريس الواقع الجديد عالمياً، قد يندفع الخاسر الإقليمي والعربي والمحلي إلى الجنون… لذا يجب ترقب الساحات الرخوة داخلياً… لبنان نموذجاً.

وبالمناسبة، فقد ارتفع في الآونة الأخيرة منسوب التصريحات والمواقف التصعيدية من قبل الفريق اللبناني الذي يدور في فلك ما يُسمّى دول «الاعتلال العربي». ومواقف هذا الفريق وصلت حدّ التلويح بمغادرة الحوار والإمعان في مواصلة تعطيل البلد والمؤسسات. ومثل هذه المواقف لا تأتي من فراغ، بل بدفع دافع، سجله أسود بسبب دوره في سفك الدماء في سورية، ومن يستسهل سفك الدم السوري، ليس ضنيناً بالسلم الأهلي في لبنان.