الزعيم

أنطون سعاده في البرازيل – المقالات والرسائل

في البرازيل

أ- المقالات والرسائل

آمال الوطن

“الجريدة” سان باولو، العدد 31 في 1921/06/04

لا حاجة بنا إلى ذكر ما ينوء تحته الوطن من الأحمال الثقيلة والضرائب الفادحة بفضل عناية فرنسا أم الحرية والديمقراطية، وصيتنا التي لا تصرف من مالها فقط في سبيل راحتنا وإعدادنا للاستقلال، بل من دم رجالها أيضاً، كما أفادنا مندوبها السامي غورو، ولكن ما يستحق الذكر هو حالة الخمول المستولية على الشعب، فإلى متى يظل عليها يا ترى؟ وإلى متى يلبث لسانه منعقداً عن الكلام؟ ألم يحن الوقت الذي يجب أن يستردّ فيه الشعب إباءه؟

لا يأتي كتاب من الوطن إلا وفيه تفاصيل ضافية الذيول عمّا تأتيه الوصية من ضروب الاستبداد لتسلب حقوق الشعب الذي أخذت على نفسها الوصاية عليه، وأكثر هذه الكتب ينشر على صفحات الجرائد ليطّلع عليه المهاجرون لعلّ الحميّة تستفزهم، فينشطوا إلى مساعدة وطنهم بكلّ ما لديهم من القوى ولكن حتى الآن لم نعثر على ما يدلّنا على أنّ هنالك نهضة حقيقية نتفاءل بها، وحتى الآن لم ينشأ سوى بعض الأحزاب لخدمة الوطن، لم تتجاوز خدمتها إلقاء الخطب وإرسال البرقيات الاحتجاجية إلى جمعية الأمم، مما لا يُجدي نفعاً إذا لم تكن هنالك أعمال وقد سبق المسيح فقال “ليس كلّ من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات”.

وهكذا ليس كل من يرسل الاحتجاجات إلى جمعية الأمم ينال الاستقلال، بل الذي يأتي أعمالاً ترغمها على الاعتراف باستقلاله.

إنّ الاحتجاجات إلى جمعية الأمم لا تأتي بفائدة قط، كما صرّحت بذلك تلك الجمعية نفسها من مدة قصيرة، وقد آن للشعب السوري أن يفقه بأنّ الاستقلال لا يأتيه عفواً، بل يتوقّف على مقدرة الشعب في تحرير نفسه ومقاومة من يريد له الاستعمار والاستعباد، فإذا كان للشعب مقدرة وقفَ في وجه الاستعماريين وقفة ثابتة، وعزيمة لا تعرف الكلل، وضحّى في سبيل استقلاله بماله.

إنّ الشعب السوري في الوطن يُقاسي الذل والفقر والإهانة من الأوصياء الاستعماريين وهو ينتظر معونة إخوانه في المهجر. أفنبخل عليه بها ونسجّل على أنفسنا محبة الذات والخوف وخيانة الوطن؟ أنرى الوطن يشقى ونحن شاخصون إليه كأننا نحضر تمثيل رواية محزنة في المراسح؟ أهكذا يقضي الواجب الوطني؟ أهذا ما ينتظره الوطن من أبنائه الغيورين؟ كلا وألف كلا.

إنّ السوري لا يرضى عن الإهانة، ولا يرضى بأن يسجّل على نفسه خيانة وطنه، بل بالعكس هو غيور على الوطن ومحبة للوطن، ولكن الغيرة والحب لا يكفيان، وليسا بالبرهان على ذلك، بل البرهان هو الأعمال التي يأتيها كل فرد تجاه وطنه، فهذه آمال الوطن بأبنائه عسى أن يحقق الله الآمال وهو السميع المجيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوطنية

“الجريدة” سان باولو، العدد 32 في 1921/06/11

الوطنية كلمة ذات معنى غير محدود، لا تدخل تحت نظامات ولا قوانين. إذا وقعت دعوتها على الآذان سرى فيها إلى القلوب تيار كهربائي هائل لا يلبث أن يتحوّل إلى هيجان يعقبه انفجار هائل يؤدي بحياة أنفس كثيرة. هي التي لا حياة للأمم إلا بها.

في سبيل الوطنية يهرق الحر دمه، ومن أجلها يأتي الرجل من الأعمال ما قد يكون مستحيلاً، ويعرّض الشجاع نفسه لأعظم المخاطر، ويلقي الوطني بنفسه بين أنياب الموت باسماً. هي عامل قد يدفع الشريف إلى ارتكاب أعظم الجرائم دون أن يعوقه عائق أو يردعه رادع. يخوض الجندي ساحات القتال غير هيّاب ولا وجل لداعي الوطنية. وتتطوّع النساء تحت لواء الصليب الأحمر للاعتناء بجرحاها.

الوطنية قوام الأمم، فبمقدار الوطنية تكون الأمم – الوطنية تضحية وبمقدار التضحية تكون الوطنية – وبالتضحية تحيا الوطنية وبالوطنية تحيا الأمم – الوطنية تولد في الجبان شجاعة الأبطال وتجعل في الضعيف قوة تفلّ الحديد وتضع في النذل شهامة الشرفاء.

لا أمل لأيّة أمة كانت بالاستقلال والارتقاء إلا عن طريق الوطنية، فلا استقلال بدون وطنية ولا ارتقاء بدون استقلال.

الوطنية للسوري اسمٌ لغير مسمّى، فهو لا يفقه للوطنية معنى سوى الوظائف، ولذلك تراه يوم يدعوه داعي الوطنية للقيام بالواجب الوطني قد اختبأ في زوايا البيوت، أو فرّ إلى محلّ آخر لينجو من الوطنية التي تطلب منه تقديم نفسه على مذبحها، ولكن عندما يأتي يوم الانتخاب تراه في مقدمة الوطنيين وأول المجاهدين في سبيل الغيورين عليها.

سرّ تقدم الشعوب هو الوطنية، وعدم وجود الوطنية هو سر تأخر وانحطاط الأمم، فالأمة التي تطلب الاستقلال والتقدم يجب أن يكون اعتمادها على الوطنية العامل الأساسي للرقي والاستقلال.

إذا أردنا مقدار الوطنية من أية أمة فبالنظر إلى الحالة التي هي عليها. وإذا أردنا معرفة مقدار ارتقاء أية أمة وجب علينا أن ننظر إلى وطنيتها – فإذا وجهنا جميعاً أنظارنا إلى الأمة السورية وراقبنا جميع حركاتها وسكناتها فماذا يتضّح لنا؟

لا يسع الناظر إلى الأمة السورية إلا أن يعترف بعدم تقدمها نحو الرقي والاستقلال لعدم وجود الوطنية فيها – الوطنية مفقودة من السوريين، وإن كان يوجد فيها شيء، فهو الوظائف كما ألمحت إلى ذلك، والوظائف داء لا يريد السوريون أن يشفوا منه، كما أنّ الوطنية دواء لا يريدون استعماله، ومن كانت هذه حاله فعبثاً يُرجى شفاؤه.

ما زالت الوطنية بعيدة عن الأمة السورية؛ فالاستقلال أبعد جداً، وما زال داء الوظائف متفشياً كما هي الحال الآن، فلا يعود من أمل بالاستقلال، وتظلّ الأمة السورية على ما هي عليه من التأخر والانحطاط إلى أن تغرب شمس هذا الكون ولا تعود إلى الشروق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غورو وسورية

“الجريدة” سان باولو، العدد 33 في 1921/06/18

رجع غورو إلى سورية ورأسه مملوءة بالتصورات الخيالية وحقيبته مكتظّة بالمذكرات والقرارات من مالية وعسكرية واقتصادية، وأهم ما تحويه تلك الحقيبة هو نظامات الوحدة السورية، التي هي بعض خزعبلات فرنسا التي تأتيها في وطننا السيّء الطالع، فهي بعد أن قسّمت البلاد السورية إلى دويلات لا تلتئم مع راحة الوطنيّين وإرادتهم، كما صرّح بذلك مندوبها، رجعت الآن إلى القول أن لا حياة للبلاد السورية إلا بالاتحاد ويا ليتها تفعل.

يقول غورو أنّ الوحدة أمر مقرّر، كما أنّ استقلال لبنان أمر لا جدال فيه، وهذا يعني أنّ لبنان سيكون متّحداً مع سورية اسماً فقط، لأنّ في اتحاده معها فعلاً خطراً عظيماً على إلهة الحرية ومنقذة الشعوب الضعيفة. فيتّضح لنا أنّ هذه الوحدة التي جاء بها غورو هي توحيد الميزانيات المالية فقط، وعلى هذه الطريقة، فلبنان وسورية متحدّان منقسمان، متحدّان من حيث الميزانية ومرجعهما واحد وهو القومسيرية العليا، ومنقسمان لأنهما دولتان مستقلتان الواحدة عن الأخرى تمام الاستقلال، وهو استقلال يخجل منه الرجل الحر ويهزأ به الصبيان.

إنّ الوحدة التي تعنيها فرنسا هي غير الوحدة الحقيقية؛ فهي تعني وحدة الميزانيات المالية، ويكون مرجعها مندوبها السامي غورو، وغورو يرجعها كلها إلى فرنسا التي قسمتها حسبما يلتئم مع مصلحتها الاستعمارية لا مع إرادة الأهالي الوطنيين، كما صرّح بذلك مندوبها، ليبرّروا أمتهم من تبعة هذه الخطة الشنعاء. وبما أنّ فرنسا تعمل بإرادتها هي وليس بإرادة الوطنيين كما تزعم، فالبلاد السورية ستبقى مقسّمة كما هي، وما الوحدة إلا وسيلة من وسائل فرنسا ليسهل إلى فرنسا لتسدّ بها بعض جشعها.

ولم يكد يصل غورو إلى بيروت إلا وأخذت الوفود تتسابق إليه من جميع أنحاء سورية وهو يقابلها، كل وفد على حدة، وبعد أن نفحهم بالوعود الحسنة صرفهم شاكرين له اهتمامه بهم مُظهرين غاية السرور لتلطّفه بمقابلتهم، داعين له ولدولته بدوام العز والنصر، هاتفين لتحي فرنسا أم الحرية ومحرّرة الشعوب الضعيفة، غير عالمين أنّ تظاهراتهم هذه التي يحسبونها فارغة تُحدث ضرراً سياسياً عظيماً لأنها تعاكس جهاد الوطنيين. ومع أنّ غورو يعلم أنها مظاهرات فارغة، فهو يعلم أيضاً أنّها حجته الوحيدة أمام العالم للبقاء في سورية. لذلك يتكلّف هو مقابلتهم مضطراً ليظهر للعالم حب السوريين لفرنسا وله على الخصوص.

لا نعلم ما يضمره لنا غرورو في فكره، وما تكنّه تلك الحقيقة التي أشغلت عقول الفرنسيين، ولكن الذي يظهر هو أنّ غورو يقوم بعمل سياسي هام لا يعلم أحد ماذا ستكون نتيجته إلا بعد أن يتم. ولكن لا شيء هنالك يُرجى منه خير؛ فغورو هو هو لم يتغيّر، وخطته الاستعمارية في لبنان، فهو يلبسها في كل وقت ثوباً وشكلاً جديداً، ولكنهما لمقصد واحد ونتيجة واحدة، ومع ذلك فإنّ السوريين لا يزالون يعلّقون الآمال على رجوعه وعلى ما سيأتيه من الأعمال في سبيل إصلاح أوطانهم.

لماذ يقيم السوريون الاحتفالات والمظاهرات للاستعماريين؟ ألا يعلم أخواننا أنّ هذه المظاهرات التي يحسبونها فارغة تشجّع الاستعماريين على التمادي في غيّهم وتزيدهم عتوّاً، فيحسبون أنّ البلاد بلادهم وأنّ أولئك الساكنين فيها ليسوا إلا عبيداً وُجِدوا لخدمتهم، وهم الآن لا يعاملونهم إلا معاملة العبيد، فضلاً عن أنها تكون أصدق شهادة على أنّ السوريين راضون عن الحالة التي هم عليها مع الأوصياء، وزد على ذلك الاستقبالات الحافلة التي يعدّونها لغورو رئيس الاستعماريين دلالة على ما تكنّه صدور الوطنيين من الحب الشديد لهم، غير أنّ الشيخ الجليل، أي غبطة البطريرك الماروني لم يشأ أن يُبقي ذلك الحب مكنوناً، بل أظهره بخطاب فاه به أمام فخامة الجنرال غورو إذ قال: “إنّه يكفينا أن نتأكد من وجود فرنسا بيننا، فهذا عربون نهوض بلادنا واستقلالها؛ فنحن ثابتون على حبها في كل الأحوال، فكيف إذا كان ممثّلها بيننا الجنرال غورو، وإننا لنحب الجنرال غورو ونجلّه لا لكونه ممثلاً لفرنسا، بل لأنه الجنرال غورو” وقال أيضاً: ” أنه يحق للبلاد أن تفتخر به كما تفتخر فرنسا لأنه أنجز في مدة قصيرة أعمالاً يعجز عن مثلها غيره، وذلك بفضل صفاته الفريدة، فإنه خدم لبنان وسورية وفرنسا فوفّق بين المصلحتين”.

لا نعلم كيف يحق للبلاد أن تفتخر بغورو كما تفتخر فرنسا. إننا نعلم أنّ غورو خدم بلاده أجلّ خدمة، وذلك بإجراراته الاستعمارية في سوريا كما في مراكش، ولذلك يحق لفرنسا أن تفتخر به، غير أننا لا نعلم أنّ هنالك خدمات قام بها غورو في سبيل البلاد السورية سوى القبض على أعضاء مجلس الادارة في لبنان والقضاء على استقلال سورية في معركة ميسلون. أما أنّه أنجز في مدة قصيرة من الأعمال ما يعجز عنها غيره فهذا لا ننساه له أبداً، لأنّ القبض على أعضاء مجلس الإدارة في لبنان والقضاء على استقلال سورية بطريق الغدر لممّا يعجز بإتيان مثله أعظم طاغية في العالم.

ما هذا الاستقلال السّخري الذي حصلت البلاد السورية عليه؟ وما هذه الآمال الشائنة التي يأتيها رجال سورية أمام مستعمريهم ومستعبديهم؟ بل ما هذا الخضوع والتذلل لذلك الذي أتاهم بصفة محرّر فلم يكن إلا طاغية.

ألم يكفهم الفخر الذي نالوه يوم ضربهم تلك الضربة القاضية في ميسلون؟ ألم يكفهم الشرف الذي نالوه يوم قبض على أعضاء مجلس الإدارة في لبنان وبعث بهم إلى الاعتقال في كورسيكا؟ ألم يكفهم كل هذا حتى يتسابقوا للسلام على ذلك الذي قضى على ما تبقى من آمالهم بالحرية والاستقلال؟ أو يظنّ بعض السوريين أنهم بمثل هذه الأعمال ينالون الاستقلال؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوحدة السورية ومخاوف اللبنانيين

“الجريدة” العدد 34 في 1921/06/25

يتخوّف اللبنانيون من الانضمام إلى سوريا لأنهم يعتقدون أنّ بالانضمام تُسلب أوطانهم وامتيازاتهم وحقوقهم، ويصبحون عبيداً لشعب آخر، ومستعمرة لدولة أجنبية وقد كثرت مخاوفهم إلى حدّ صاروا معه ينظرون إلى سورية كنظرهم إلى غولة تريد ابتلاعهم أو وحش يريد افتراسهم.

لا نعلم ما الداعي لهذه المخاوف والأوهام، وما السبب الذي يحمل اللبنانيين على الاستقلال عن سورية، فإذا كان ذلك السبب هو تجنّب المذابح التي تحدث بسبب التعصّب الديني، فإنّهم بالانقسام يزيدون تلك النار استعاراً ولهيبها اندلاعاً، من حيث يظنّون أنّهم يُخمدونها. وإذا كانت الأسباب غير ما ذكرت، فإنني لا أعلم أنّ هناك أسباباً سياسية أو غير سياسية تدعو إلى هذا الانفصال. وإذا كان يظن اللبنانيون أنّ باتحادهم مع سورية يتّسع وطنهم ولا تعود حقوقهم منحصرة في لبنان فقط، بل تكون حريّتهم ووطنهم كل سورية من ترعة السويس حتى برّ الأناضول، ومن البادية إلى البحر المتوسط يؤلّفون دولة عظيمة ذات شأن وقوة ينظر إليها العالم بعين الاعتبار.

بينما نحن نرى في هذا الوقت العصيب امبراطوريات عظيمة وممالك قوية تريد الانضمام إلى امبراطوريات وممالك أخرى، لتصبح أقوى وأعظم. نرى في ذات الوقت أنّ هنالك أمماً ليست مستقة ولم يتقرر مصيرها بعد، تريد الانقسام على بعضها، وكل مقاطعة منها تريد أن تكون دولة مستقلة عن الأخرى تمام الاستقلال، مع أنهم شعب واحد وبلاد واحدة. والغريب في هذه أنّ مصيرها ليس بيدها، وأنها لا تقدر أن تأتي أمراً إلا بمصادقة الدولة الوصيّة أو الحامية، وهذه لا تصادق عليه إلا إذا كان يوافق مصلحتها الاستعمارية.

غورو مندوب وصيّتنا يقول للبنانيّين أنّ لبنان يقدر أن يكون دولة ضخمة ذات قوة وعظمة متناهية، إذ أنّه أمنع حصون الشرق، أما أنا فأقول أنّ باتحاد لبنان مع سورية يصبح دولة أضخم وذات قوة وعظمة غير متناهية، ولا يعود أمنع حصون الشرق فقط، بل الدولة ذات الأراضي الواسعة والجيوش الكثيرة التي تجعل حداً لمطامع فرنسا الاستعمارية.

أيها اللبنانيون افتحوا أعينكم وانظروا، انظروا إلى امبراطورية النمسا، تلك الإمبراطورية العظيمة ذات الحصون المنيعة والقوة الهائلة، التي كانت صدمات جيوشها في الحرب العالمية تزعزع الجبال، والتي كانت تعد نفسها أعظم دول العالم طراً. ها هي اليوم تريد الانضمام إلى ألمانيا ليس لتكون مستعمرة لألمانيا، ولا لتهب ألمانيا أراضيها، بل لتصبح أعظم وأقوى وأمنع.

أيعلم اللبنانيون لماذا أرسل الحلفاء بلاغاً إلى النمسا يتهدّدونها به باحتلال أراضيها إذا هي ظلّت تعمل على الانضمام إلى ألمانيا؟ ليس ذلك شفقة منهم عليها لكي لا تهب نفسها لألمانيا، بل خوفاً وارتياعاً من نتائج ذلك الاتحاد.

ما هي الأسباب التي دعت اللبنانيين لطلب الاستقلال عن سورية؟ أليس اللبنانيون والسوريون شعباً واحداً؟ فلماذا هذا الانفصال الذي لم يغيّر حال لبنان من الشقاء إلى السعادة، بل زاد شقاءه شقاءً حتى أصبح أبناؤه يودون بيعه للصهيونية ليدفعوا ثمنه (أجرة ناولون) إلى أميركا أو أوروربا أو أي محل آخر يستنشقون فيه نسيم الحرية اللطيف. أليس الأجدر أن تكون جميع البلاد السورية دولة واحدة مستقلة ذات حصون وقلاع وجيوش وأعلام وطنية من أن تكون مقسّمة إلى دويلات وأعلام وطنية، أو أن تكون مقسمة إلى دويلات مستعمرة من الأجانب؟

لو علم اللبنانيون عواقب تشبّثهم بالانفصال عن سورية، والحالة التي سيصلون إليها بفضل عناية فرنسا لما أبدوا ذلك التشبث مطلقاً، غير أنّهم تسرّعوا في الأمر حاسبين أنّ استقلالهم تحت عناية فرنسا يكون أفضل لهم من استقلالهم التام المطلق مع أخوانهم السوريين، وأن يكون لبنان وحده وطناً لهم، أحسن من أن يكون لبنان وسوريا معاً.

كيف يقبل اللبنانيون أن يكون لهم قسم محدود من الأراضي السورية يعيشون فيه مع أنّهم سوريون، ووطنهم سورية بأجمعها، ولهم فيها من الحقوق ما لأخوانهم السوريين. هذا شيء تحار فيه العقول، لأنّه لا يوجد أسباب تقضي على اللبنانيين بذلك، والظاهر أنّهم يريدون هذا الانقسام لمجرّد أنّهم يريدونه فقط.

لا شكّ بأنّ اللبنانيين مخطئون باستقلالهم عن سورية، ولكن تبعة هذا الخطأ لا يجب أن تقع على جميع اللبنانيين، بل على نوّابهم وقادة الرأي الذين لا ينظرون إلا إلى كل ما يعود عليهم بالنفع الشخصي، ولو أدى ذلك إلى هلاك اللبنانيين بأسرهم.

يوجد فريق من اللبنانيين الذين إذا سألتهم لماذا تريدون للبنان الاستقلال عن سورية، يجيبوك على الفور أنّ لبنان جدير بالاستقلال، وبؤيدون قولهم باتّخاذهم استقلال الجبل الأسود برهاناً على ذلك، مع أنّ هذا لا يصحّ أن يُتّخذ  حجةً أو برهاناً، لأنّ سكان الجبل الأسود أرادوا أن يتحرروا من الأتراك لأنهم ليسوا أتراكاً، وأرادوا أن يستقلوا في بلادهم ويحكموا أنفسهم بأنفسهم، لأنهم لا يريدون أن يُستعبَدوا لشعبٍ آخر، ولكن ممّن يريد اللبنانيون أن يتحرروا؟ ولماذا يريدون أن يستقلوا عن سورية؟ هل هم شعب والسوريون شعب آخر لا يريدون أن يُستعبدوا له أم ماذا؟ أليسوا هم والسوريون شعباً واحداً؟

إنني لست من الذين ينكرون جدارة لبنان بالاستقلال، ولكنني أرى أن يكون لبنان وسورية دولة واحدة هو الأجدر، إذ هما شعب واحد في بلاد واحدة غير قابلة للتجزئة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السوريّون والاستقلال

“الجريدة” العدد 47 في 1921

من أعظم العقبات التي قامت في سبيل استقلال سورية التعصّب الديني، ذلك الدّاء العضال الذي أحدث شللاً في أعضاء الأمة السورية، ووقف حاجزاً منيعاً بينها وبين ما ترمي إليه من النهوض إلى مصاف الأمم الحيّة.

ولقد سبّبت التعصبات الدينية في سورية معضلة، هي أشبه شيء بالمعضلة البلقانية من حيث المنازعات والانقسامات الوخيمة العواقب، والمعضلة السورية هي ناتجة عن معضلات عديدة لا تلتئم مع مصلحة أمة تريد النهوض إلى مستوى الأمم الحيّة فقط.

والمُعضلات المشار إليها هي معضلة لبنان وجبل حوران وفلسطين وسوريا، وكل هذه المعضلات محصورة في معضلة واحدة، فإذا لم يبادر السوريون إلى حلّها قبل أن يتفاقم شرّها، جرت عليهم ويلات لا تُعدّ ولا تُحصى.

ولكن الغريب في أمر السوريين أنهم لا يهتمون لهذه الأخطار المحدقة، كأنّهم جاهلون حقيقتها، والسبب في ذلك هو انصرافهم الكلي واهتمامهم الشديد في منازعة بعضهم بعضاً دون داعٍ أو موجب، وهم قد يبقون غافلين عن هذه الأمور إلى أن يحلّ البلاء ويبلغ عويل صراخهم عنان السماء، عندئذٍ يستيقظون ليروا أنّ النار التي لم ينتبهوا إليها قد أحرقت كلّ شيء، حتى الحجارة والتراب، فيعضّون أصابعهم تحسّراً وندماً.

مرّت على السوريين سنون عديدة، طرأ خلالها تغيّر في الفلك وتغيير على الأرض، وظهرت في الفلك نجوم واختفت أخرى، وبرزت على الأرض جزر واختفت أخرى، وانقلبت الأودية إلى سهول والسهول إلى جبال، ولكن السوريين بقوا جامدين في أماكنهم كأنهم ليسوا جزءاً من هذا الكون.

سقطت ممالك وهوت عروش وتدحرجت تيجان، وقام على أنقاض تلك الممالك والعروش ممالك وعروش أخرى، أما السوريون فقد كانوا ينظرون إلى كل هذا دون أن تختلج أفئدتهم أو يخامرهم شيء من الغيرة والحماسة، فإذا خامرهم شيء من ذلك كان إلى حين فقط، ثمّ تعود جذوة تلك الغيرة والحماسة إلى الوضع الذي أعدّه لها السوريون بين مدافن الضمائر.

ترزح سورية الآن تحت ويلات الاحتلال الفرنسي من جهة، والاضطهاد الصهيوني من جهة أخرى، وهذا هو الجزاء الذي تستحقه سورية جزاء جنابة التعصّب والانقسام التي جنتها على نفسها.

لا تأتي الأمة السورية عملاً إلا والتعصّب الديني العامل الأول فيه، ولا تُقدم على شيء إلا والتعصّب الديني رائدها، ولقد أصبح هذا التعصّب لازماً لسورية لا غنى لها عنه، وهي اليوم تدفع ثمنه غالياً لأنها لا تريد الاستغناء عنه، وهو كالسرطان ينهش لحمها وينخر عظمها، وهي تدفع ثمنه من مالها ودمها، فعليها بالتآخي والاتحاد لأنه الأساس المتين الذي تبني عليه الأمم استقلالها.

يجب على السوريين إذا كانوا يطمحون إلى الاستقلال والحرية كأمة حيّة أن يتّحدوا كالأمم الحية التي سبقتهم، فيعتمدون على أفعالهم لا أقوالهم، وعلى اتحادهم لا منازعاتهم، وعلى أنفسهم لا غيرهم، لأنّ هذه هي الطريق الوحيدة إلى الحرية والاستقلال.

وإحدى هذه الويلات الآخذة في الحلول في الأراضي السورية كضيف ثقيل يضطر الساكنين إلى الرحيل، هي الصهيونية، فللصهيونية جمعيات وفروع في جميع أقطار المسكونة، تعمل يداً واحدة لغاية واحدة وهي الاستيلاء على فلسطين وطرد سكانها السوريين منها ولو كان الصهيونيون وحدهم القائمين بهذا المشروع الخطير لهان الأمر، ولكن يعضدهم في مشروعهم هذا أعظم دولة بحرية وُجدت على وجه البسيطة إلى يومنا هذا.

كلٌ يعلم العواقب الوخيمة التي تحلّ بسورية، والأخطار التي تهدّد البلاد فيما لو نجح الصهيونيون في مشروعهم، ومتى علم السوريون أنّ الدولة التي تساعد الصهيونيّين هي الدولة الانكليزية، علموا خطورة موقفهم، وشعروا بشدّة احتياجهم إلى التعاضد ، ورأوا بأية وسيلةٍ كانت، ذلك إذا كانوا حقيقةً يريدون التخلّص من سيطرة الأجنبي ويطمحون إلى شيء من الاستقلال.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى نرى أنّ الاستعمار الفرنساوي خطرٌ يضاهي خطر الصهيونية إذا لم يكن يفوقه، ولا يخفي على السوريين ما صرّح به غورو يوم تساءل السوريّون عن سبب إنزال العلم الفرنسي عن دار الحكومة في بيروت إذ قال: “إنّ فرنسا أتت سورية لا لترحل عنها، بل لتبقى، وستبقى إلى الأبد، وإنّه ما زالت فرنسا في سورية فلا أمل لهذه بالاستقلال إذ لا يمكن أن تكون سورية مستقلة، وجيش الاحتلال الفرنسي يسرح ويمرح فيها إلى الأبد”.

ولكن ليعلم السوريون أنّ الذي جلب عليهم هذه الويلات، إنما هو التعصب الديني الذي مزّق كلمتهم، وبعثر آراءهم، وأوهن قواهم. ثمّ لو كانت آراؤهم متوحّدة وكلمتهم مجموعة، لما كان تجاسر بلفور أن يعد الصهيونيّين بما وعدهم به، ولما كانت فرنسا طمعت في استعمار سورية خوفاً من أن يثور الشعب السوري ثورة بركان هائل، أو يتحوّل إلى سيلٍ جارف يجرفهم من على شواطئه المقدّسة إلى البحر التاريخي، فتزيده هذه الحوادث أهمية في التاريخ.

ولا بدّ للسوريين في دفع هذه الويلات عنهم، والتخلّص من سيطرة الأجانب إذا أرادوا أن يعدلوا عن طريقة مقاومة الأخ لأخيه، التي مشوا عليها زمناً طويلاً، ولا يزالون سائرين عليها إلى الآن، وأن يعملوا متّحدين ويستخدموا لذلك جميع قواهم العقلية والجسدية والمادية، وأن يكونوا مستعدين لأيّة تضحية كانت في هذا السبيل شأن كل أمة تريد الحرية والاستقلال.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الامبراطورية الافرنسية الشرقية

“الجريدة” العدد 49 في 15/10/1921

لم يكن وعد كليمنصو للشعب الفرنسي، أثناء الحرب العالمية، بالعصر الذهبي الذي سيعقب تلك الحرب الهائلة إلا آمالاً شيّد عليها صروح امبراطورية فرنسية في الشرق تدرّ على فرنسا لبناً وعسلاً. نظرت فرنسا إلى المستعمرات البريطانية الواسعة الأطراف، فراعها غِنى تلك المستعمرات وأبّهة الامبراطورية المتجليّة بها بريطانيا، وأصبحت تتطلّع إلى الأراضي الشرقية التي لم تصلها يد بريطانيا بعد. تطلّعاً يشفّ عما تُضمر لتلك الأراضي من الاستعمار الأبدي فيما لو ساعدتها التقادير، وأخذت لتلك عدّتها لإنشاء امبراطورية تضارع الامبراطورية البريطانية غنىً وضخامة.

وكانت قد قطعت فرنسا الأمل من الامبراطورية التي صوّرتها لها مخيّلة كليمنصو وميلران وأمثالهما، ومن بقائها نفسها في عالم الوجود، عندما كان الجيش الألماني قد اكتسح نصفها، وبدت طلائعه على أبواب باريس، حتى أنّ كليمنصو عندما رجع من زيارة خطوط القتال الأمامية، طلب إلى رئيسه بوانكاريه أن يتركا العاصمة قبل حلول النكبة.

بَيْد أنّه ما كاد الجيش الألماني يتراجع عن موقفه أمام عاصمة الفرنسيس، حتى أخذ كليمنصو يؤكّد للشعب أنّ العصر الذهبي آخذ في البزوغ، وأنهم عمّا قليل يستثمرون ممّا يقع في أيديهم من الأراضي الشرقية الخيرات الكثيرة، ويسوّقون القطعان البشرية فيها بِعصا من حديد.

وقد جرت رياح السياسة بعد الهدنة كما تشتهي سفن كليمنصو، فمعاهدة فرساي خوّلت فرنسا استرجاع الإلزاس واللورين، ومؤتمر سان ريمو خوّلها الانتداب على سورية وكيليكيا، ولكن إعصار الحرب التركية صدمت إحدى تلك السفن، فحطّمتها وسلخت قسماً كبيراً من أراضي الامبراطورية الموهومة، التي وعد بها كليمنصو أن تدرّ على الفرنسيس لبناً وعسلاً.

ولمّا رأى ميلران وبريان أنهما عاجزان عن إبقاء كيليكيا، أخذا يصرّحان أنهما لم يقصدا الاستيلاء عليها، أو البقاء فيها على الإطلاق، لأنّ البلاد ليست في حاجة إلى حمايتهما. أما سورية فإنهما سيبقيان فيها إلى الأبد، لأنه لو تركاها لذهبت صروح الامبراطورية التي شادها كليمنصو، وقصور الآمال التي زيّنها بأفخر الرياش، وزخرفها بأجمل الألوان، وكلّ أتعابهما في هذا السبيل أدراج الرياح.

والذي جعل هذا الاعتقاد يرسخ في ذهنهما، هو ما أظهره السوريون للفرنسيس عند بدء الاحتلال من الحفاوة والإكرام، لظنّهم إنما أتوا ليحرروهم وليس ليستعبدوهم؛ فوطّدا العزم على إبقائها لفرنسا إلى الأبد، وقد انتدبا للمهمة الاستعمارية في سورية الجنرال غورو، الذي أماط بخطّته العوجاء وسياسته الخرقاء، والاستبداد الذي لا يعادله استبداد، اللثام عن نوايا فرنسا الاستعمارية وجشعها الذي ليس له حدّ، مما نفّر قلوب السوريين منها وكرّهها لهم، ولكنه كان يكتم الحقيقة عن ميلران وبريان، ويرسل إليهما بالتقارير المنمّقة عن حبّ السوريين الشديد لفرنسا، وله على الخصوص، مستشهداً على ذلك بالاحتفالات القسرية وأمثال خطاب المطران عبدالله الخوري.

ولا بدّ من أنّ ميلران وبريان وقفا على حقيقة الحال في سورية، ولكنهما يحذران التفوّه بكلمة من هذا القبيل لئلّا يثور الرأي العام في فرنسا عليهما، خصوصاً وقد سئم الشعب الفرنسي انتظار اللبن والعسل الذي ستدره عليه سورية، بعد أن قطع كلّ أمل من لبن وعسل كيليكيا.

غير أنّه لما كثرت طلبات غورو للاعتمادات المالية والنجدات الحربية مع أنّ كل تقاريره تدل على أنّ الأمن مستتب في تلك البلاد، وأنّها خاضعة لفرنسا تمام الخضوع، أخذ الشكّ يتطرّق إلى أدمغة نواب الأمة الفرنسية وهو ما حدا ببعض النواب إلى مناقشة رئيس الوزارة الحساب، وسؤاله عمّا إذا كان موقف فرنسا في تلك الديار يدعو إلى حشد الجيوش وإكثار الذخائر.

ولكن بريان كان يُجيب على تلك الأسئلة بعبارات مُبهمة، وبقي منتظراً نتيجة إجراءات غورو ووفاء عهوده من جعل سورية تحت سيطرة فرنسا المطلقة، لتدرّ عليها اللبن والعسل اللذين وعد بهما كليمنصو. والحقيقة أنّ غورو كان يظنّ أنّ خطته قد أبلغته ما يريد، وأنه بعد أن ضرب الجيش السوري، الذي لم يكن على استعداد لمحاربته في ميسلون، أصبحت البلاد تحت مطلق تصرّفه، وقد غاب عن ذهنه أنه يمكن للرجال أن يكونوا جنوداً ولو كانوا بغير ملابس الجنود، فبعث إلى ميلران وبريان يبشّرهما بنجاح خطته، وأنّ البلاد قد تطهّرت، ولم يبقَ فيها من يخشاه.

بينما غورو يُجهِد فكره في وصف الاحتفالات القسرية التي كانت تُقام له في سورية، ليرسلها إلى ميلران وبريان، وبينما هذان البطلان يعلّلان نفسيهما بقرب موعد استدرار اللبن والعسل، مستندين في ذلك إلى تقارير غورو، كان أحرار السوريين يعقدون الجلسات تحت ستار الليل لوضع الخطط الثوروية وتنظيم حركاتها، وبينما غورو يهنّئ نفسه بفوزه في ميسلون، وميلران وبريان يحلمان الأحلام اللذيذة، كان أحرار سورية يعملون ليلاً ونهاراً دون أن يأخذهم هدوء، أو يقرّ لهم قرار في سبيل تحرير البلاد، ويتحفّزون للوثوب على جيوش الاحتلال وتمزيقه.

ولقد ظنّ غورو أنّه بانتهاء معركة ميسلون انتهت القضية السورية، وأصبحت سورية تحت سيطرة فرنسا بلا معارض. والحقيقة هي أنّه ما كادت معركة ميسلون تنتهي، حتى ابتدأت المسألة السورية في دخول طور خطير؛ فبدلاً من أن يخضع السوريّون لغورو، وطّدوا العزم على مناصبته العداء لاسترجاع الحرية التي سلبهم إيّاها، والحقوق التي لم يحفل بها، والاستقلال الذي لم يحترمه.

لم يكن السوريّون عازمين على مقاومة الفرنسيس قبل معركة ميسلون، لأنهم كانوا في شكّ من نيّة فرنسا نحوهم، ولكن معركة ميسلون أزالت كل شكّ، وأماطت اللثام عن نوايا فرنسا، وجشع فرنسا، وغدر فرنسا التي كانوا يظنونها إنما جاءت لتحرّرهم وتمنحهم الاستقلال. أما وقد كشفت معركة ميسلون القناع عن حقيقة موقف فرنسا نحو الأمة التي استشهد نصفها جوعاً في سبيلها، فلم يعد في وِسع السوريّين إلا القيام بثورة دموية في جميع أنحاء سورية لاسترجاع حريتهم واستقلالهم الذي سلبهم إياهما رجال فرنسا.

والحق يُقال أنّ الثورة السورية أشبه شيء بعاصفة آخذة في الهبوب على صروح وقصور امبراطورية كليمنصو وميلران وبريان، هبوباً تزعزعت له أساساتها. وإذا كانت للآن لم تسقط، فذلك لأنّ العاصفة في أول هبوبها. أما متى اشتدّ عصفها؛ فهناك يكون البكاء وصرير الأسنان، لأنها ستهدم جميع ما بناه الفرنسيس من صروح الأماني وقصور الآمال على رؤوسهم.

وقد غاب عن ذهن غورو أيضاً أنه يمكن للثورة أن تسري في جميع أنحاء البلاد، ولو لم تنشر أخبارها جرائدها (المتخلّفة) فهو قد ظنّ أنه بوضعه قلم المراقبة على تلك الجرائد قد أقام حاجزاً متيناً ينفي به شبوب مثل هذه الثورة، ولكن غورو رجل اشتهر بالعقم، فلا عجب إذا كانت هذه ظنونه وأعماله.

في سورية ستقوّض الأساسات التي شاد عليها الفرنسيس صروح الامبراطورية الشرقية، ومتى سقطت عليهم تلك الصروح أحدثت دوياً عظيماً تردّد صداه جميع أقطار الشرق. أجل: إنّ العصر الذهبي الذي يعلّل الفرنسيس أنفسهم بقرب مجيئه سيتحوّل إلى عصر دم يكون لونه أشد احمراراً بكثير من لون الذهب، لأنّ المستعمرات التي ينتظر الشعب الفرنسي أن تدرّ عليه خيراً، سوف لا تدرّ عليه إلا سيوفاً ورصاصاً، وتحوّل العصر الذهبي إلى عصر أحمر قانٍ، فأسود قاتم. ولا شكّ في أنه متى علم الشعب الفرنسي هذه الحقيقة، انقلب على رؤسائه انقلاباً يبعث على انقلاب معاقل الجور والاستبداد التي شادوها في سورية وغيرها من مستعمرات امبراطورية كليمنصو وميلران وبريان، وطالبهم بالدماء البريئة التي تُسفك في سبيل مطامع ليس من ورائها سوى تقتيل الأنفس وإهراق الدماء.

سوف يهدم السوريّون قصور آمال كليمنصو وميلران وبريان، ويشيّدون على أنقاضها صروح استقلال مجيد يكون أساسه الوطنية، وسيدكّون معاقل الجور والاستبداد التي أقامها لهم الفرنسيس حتى الأساس، ويبنون عوضاً عنها مجالس حريّة وإخاء ومساواة.

وعلى هذه الصورة ستنتهي رواية الامبراطورية المبكية المضحكة معاً، التي قام بتمثيلها من هم ليسوا في الحقيقة إلا مشعوذين.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لجنة التمثال تُهين شعور العالمين المسيحي والإسلامي

“الجريدة” الحلقة الثانية، العدد 84 في 15/07/1922

إني أحد أولئك الذين وقفوا في بعلبك أمام تلك الأعمدة التي لا تزال رغم كرِّ الأعوام رمز تلك العظمة التاريخية، متهيّبين خاشعين، يتأملون تلك البقايا الخالدة، فلا تزيدهم التأملات إلا حيرة، ويفكّرون في دقّة ذلك البناء العجيبة، فلا يزيدهم التفكير إلا رهبة.

أمام تلك الأعمدة التي غالبت الدهر وأبناءه، وصارعت الطبيعة وعناصرها وقفتُ مسائلاً إيّاها عن ذلك الماضي المجيد، فكان جوابها ذلك الصمت الرهيب الذي هو أبلغ من كلّ كلام، فشعرت بعاطفة ارتعشتْ لها نفسي، وتأثير عميق تردّد صداه في قلبي.

وأنا أيضاً أحد أولئك الذين أسعدهم الحظ أن يقفوا أمام تلك البقايا الخالدة في تدمر، وشاهدوا تلك الآثار التي أكبرها التاريخ أيّما إكبار، وهي وآثار بعلبك أشهر ما بقي ليحدِّث العالم عن أمجادنا القديمة الباذخة.

هذه الآثار التي لا تُعادَل بثمن، تريد لجنة التمثال أن تقتلعها من أماكنها لتجعلها وقفاً على البرازيل والشعب البرازيلي، لأنّ أعضاء اللجنة أثروا في هذه البلاد.

إنّ عظام أولئك الجبابرة الذين على إرادتهم الحديدية وسواعدهم الفولاذية قامت هذه الأمجاد التي قصّر عن أمثالها العالم، والتي خلّدت اسم “سورية” في بطون التاريخ إلى الأبد لتنتفض في مراقدها حنقاً لهذه الإهانة التي وجّهتها لجنة التمثال، ليس إلى العالمين المسيحي والإسلامي فقط، بل أيضاً إلى أرواح أولئك الجبابرة الراقدين رقادهم الأبدي.

إنّ أولئك الجبابرة من أجل سورية وأبناء سورية وأمجاد سورية، أقاموا تلك الأمجاد، والآن تريد لجنة التمثال من أبناء سورية أن تنتزع كلّ أثر من آثار مجد سورية، وكلّ مَعْلَم من معالم عزّها القديم، وتقفها كلّها على البرازيل، لأنّ البرازيل في حاجةٍ إليهم كما أنّهم في حاجة إليها!

فما أمجد سورية في نظر العالم على زمن أولئك الجبابرة، وما أحقر سورية في نظر البرازيل على عهد لجنة التمثال!

إنّنا لم نرَ لجنة إفرنسيّة تقول: لو أتينا بقبر نابليون ودانتون، ولا إنكليزية تقول لو أتينا بقبر ولنتون ونلسن، ولا أميركية تقول لو أتينا بقبر واشنطن ولنكلن، لما وفّينا البرازيل ما علينا لها من الإكرام، فما قولك بلجنة سورية تقول لو اغتصبنا قبر صلاح الدين في دمشق، واغتصبنا قبر المسيح من القدس، ووقفناهما على البرازيل لما وفّينا ما علينا لها من الإكرام.

إنّ اللجان الفرنسية والانكليزية والأميركية التي تقول هذا، تقتلعها جواليها من كراسيها اقتلاعاً في خلال أربع وعشرين ساعة، وينقضّ عليها غضب انقضاض الصواعق من عنان السماء!

ومن هما نابليون ودنتون، ومن هما ولنتون ونلسن، ومن هما واشنطن ولنكلن في عين العالم المسيحي بالنسبة إلى يسوع المسيح؟ إنّ هؤلاء العظماء وألوفاً سواهم من الأباطرة والأمراء كانوا ينحنون لاسمه ويسجدون له ويركعون لتمجيده في كنائسهم، لا ركوع العبد أمام السيّد، بل ركوع المخلوق أمام الخالق!

ألا تفقه لجنة التمثال أنّ هذا القبر المقدّس إنما هو وحده، دون سواه، كان سبب الحروب الصليبية؟ هل تفقه ما معنى الحروب الصليبية؟ إحدى عشرة حرباً هائلة نشبت بين الأوروبيّين والمسلمين بعد أن طاف الناسك بطرس الشهير عواصم أوروبا وبلاطات باباها وملوكها، وأشهر مدنها وبلدانها، خاطباً مُثيراً الحماسة في الصدور للاستيلاء على القبر المقدّس – جيوش جرّارة تسير على أقدامها قاطعةً أوروبا، مؤلّفة من رجال تركوا وراءهم نساءهم وأطفالهم، ومن شبّان تركوا وراءهم أمهاتهم وعرائسهم – في تلك الأيام التي لم يكن فيها سكك حديدية ولا مراكب بخارية ولا أسلاك برقية ولا ذخائر حربية – يسيرون في الفيافي والقفار تحت تأثير الجوع والعطش – تحت حرارة الشمس المُحرِقة، أو سيول الأمطار الجارفة – تتفشّى فيهم الأوبئة، ويجرفهم الموت كما تجرف الأنهار الأشجار اليابسة قبل أن يبلغوا ميناءً بحرياً للإقلاع منه إلى قبر المسيح – كم مات منهم على الطريق! كم تألّموا! كم لاقوا من المصاعب والمصائب التي تقصر الأقلام عن وصفها! كم لعبت العواصف بمراكبهم الشراعية في عرض البحر كما تلعب الجبابرة بالأكر! كم تجشّموا، من المشاق حتى بلغوا الأرض المقدسة! وهناك – هناك – ما أهول الحروب التي خاضوا غِمارها! وما أغزر الدماء التي سالت في سبيلها! هناك اضمحلّت هذه الجيوش الجرّارة كما يضمحلّ الثلج تحت حرارة الشمس، وكلما اضمحلّ جيش هبّت أوروبا لحشد جيشٍ آخر – هناك التحم الغرب والشرق في معارك دموية هائلة! هناك – هناك ظهرت الشجاعة الجسدية لا بالمدافع الضخمة، ولا بالطيارات المحلّقة، ولا بالدبابات الجارفة، ولا بالغازات السامة، ولا بالسلاح الأبيض! – بالسيوف المرهفة والرماح المشرعة والخناجر اللامعة، تغمد في الصدور والقلوب، تبتر الأعضاء وتحذف الرؤوس! هناك تلاحم الأبطال جسماً لجسم، واصطدم الكُماة فارساً لفارس! هناك – هناك ظهر على مسرح العالم للمرة الأولى شاب في عنفوان الشباب، قادماً من الجنوب للدفاع عن القبر المقدّس، لأنّ من استولى على القبر المقدّس، استولى على الأرض المقدسة! هو صلاح الدين الأيوبي الذي طارت شهرته في الآفاق وأصبح اسمه عنواناً للشجاعة وكرم الأخلاق – هناك – هناك لقيَ ندّه في الشجاعة العظيمة والأخلاق السامية – ريكاردوس الملقّب بقلب الأسد – وهناك اصطدم هذان البطلان دون أن ينال الواحد من ندّه مراماً – وهناك ظهرت الشهامة الحربية التي قلّما نرى لها أثراً في السنين الحالية – هناك ترك الغرب والشرق قتلاهما تملأ جثثهم الهضاب والبطاح، وخرج صلاح الدين من هذه الحرب ظافراً مخلّداً اسمه في التاريخ.

هذا هو القبر المقدّس الذي تريد لجنة التمثال أن “تغتصبه” من القدس لتضعه عند أقدام البرازيل لأنّ أعضاءها، وفريقاً من الجالية أحرزوا أوراقاً مالية كثيرة!

وكما ابتهل المسيح أثناء صلبه إلى الله طالباً منه أن يغفر لأعدائه لأنّهم لا يدركون ما يفعلون، كذلك نبتهل نحن إليه أن يغفر لأعضاء لجنة التمثال صلبه مرّة أخرى، ودفنه مرّة أخرى لأنهم أيضاً لا يدرون ما يفعلون!